ج1 مراتي كل ما امي تزورها
مراتي كانت كل ما أمي تزورنا تغيّر ملايات سريرنا قبل ما تمشي… افتكرتها بتحب النظافة زيادة، لحد ما رجعت البيت مرة بدري ولقيتها بتفتش تحت المرتبة.
وقفت على باب الأوضة من غير ما تحس بيا.
كانت شايلة الملاية بإيد، وبالإيد التانية بتحسس المرتبة من تحت كأنها بتدور على حاجة.
قولتلها:
—بتعملي إيه؟
اتخضت ووقعت الملاية من إيدها.
—ولا حاجة… كنت بنضف.
بصيت للسرير.
—بتنضفي تحت المرتبة؟
ارتبكت.
—لقيت تراب.
مكنتش مقتنع.
خصوصًا إن الموضوع ده بيتكرر كل مرة أمي تزورنا.
بدأت أفتكر.
أمي كانت تيجي تقعد ساعتين أو تلاتة.
وأول ما تمشي، مراتي تدخل الأوضة وتغير الملايات فورًا.
كنت بهزر معاها وأقول:
—هو أمي بتنام مكاننا وإحنا مش واخدين بالنا؟
فتضحك وتغير الموضوع.
المرة دي سألتها بجد:
—إنتِ بتدوري على إيه؟
قالت بعصبية:
—قولتلك مفيش حاجة!
خرجت من الأوضة.
لكن الشك دخل دماغي.
تاني يوم، أمي اتصلت وقالت إنها جاية تزورنا الجمعة.
قررت أعمل حاجة من غير ما أقول لمراتي.
قبل ما أروح الشغل، حطيت ورقة صغيرة تحت المرتبة، وكتبت عليها علامة بالقلم.
لما رجعت، أمي كانت مشيت.
دخلت الأوضة.
الملايات اتغيرت.
رفعت المرتبة.
الورقة اختفت.
قلبي دق بسرعة.
سألت مراتي:
—فين الورقة؟
وشها اصفر.
—ورقة إيه؟
قولتلها:
—اللي كانت تحت المرتبة.
سكتت.
ضغطت عليها لحد ما بدأت تعيط.
وقعدت على طرف السرير وقالت:
—أنا مش بفتش على حاجة تخصك.
—أمال إيه؟
مسحت دموعها.
—من حوالي سنة، بعد زيارة مامتك، لقيت ظرف تحت المرتبة.
—ظرف إيه؟
قامت فتحت الدولاب وطلعت علبة مقفولة.
جواها كان فيه 11 ظرف.
واحد بعد كل زيارة تقريبًا.
فتحت أول واحد.
لقيت فلوس.
وفي ظرف تاني فلوس أكتر.
لكن الظرف الأخير كان مختلف.
كان فيه ورقة مكتوب عليها بخط أمي:
“لو حصل لي حاجة، متقوليش لابني غير لما تلاقي الظرف الأحمر.”
بصيت لمراتي بصدمة.
—إنتِ مخبية ده عني ليه؟
قالت:
—لأن مامتك طلبت مني.
—والظرف الأحمر فين؟
هزت راسها.
—بدور عليه من شهور.
في اللحظة دي، موبايلي رن.
كانت أمي.
رديت بعصبية:
—إنتِ بتحطي إيه تحت سريري يا أمي؟
سكتت ثواني.
ثم سألتني بصوت مرتعش:
—مراتك لقت الظرف الأحمر؟
قولتلها:
—لأ.
سمعت صوت نفسها يتغير.
وبعدين قالت جملة خلتني أجري ناحية باب البيت:
—يبقى متخليش مراتك تلمس المرتبة تاني… لأن الظرف الأحمر مش أنا اللي حطيته.
قبل ما أسألها مين حطه، سمعت خبط شديد على باب شقتها.
وأمي همست:
—هو رجع.
المكالمة اتقفلت.
بصيت لمراتي.
لكنها كانت واقفة جنب السرير وشها أبيض.
رفعت المرتبة ببطء.
وفي المكان اللي فتشنا فيه عشرات المرات…
كان فيه ظرف أحمر.
لسه جديد.
وعليه اسمي.
يعني إن حد دخل أوضتنا وحطه النهارده.
الجزء الثاني:
ظلت عيناي معلقتين بذلك الظرف الأحمر القابع تحت المرتبة، وكأنه قنبلة موقوتة توشك على الانفجار. كان لونه قانيًا لدرجة تثير الرعب، ولم يكن مائلًا للاصفرار أو مغبرًا كالظروف الأخرى؛ بل كان يبدو وكأن يدًا وضَعته قبل دقائق معدودة.
نظرت إلى زوجتي التي تراجعت خطوتين إلى الخلف، واضعة يدها على فمها تمنع صرخة مكتومة من الخروج. همست بصوت يرتجف:
— أنا… أنا فتشّت هنا من ساعة بالظبط قبل ما ترجع… واللَّه العظيم ما كان موجود!
الخوف الذي رأيته في عينيها كان حقيقيًا، لم تكن تمثل. التقطتُ هاتفي وعاودت الاتصال بأمي فورًا، لكن الخط كان مغلقًا. “الهاتف المطلوب مغلق أو غير متاح”. تملكني الذعر. تذكرت الكلمة الأخيرة التي قالتها لي قبل انقطاع الخط: “هو رجع”.
من هو الذي رجع؟ وكيف دخل إلى بيتنا ليضع هذا الظرف؟
مددت يدي المرتعشة والتقطت الظرف الأحمر. كان ثقيلًا نسبيًا، ولم يكن ملمسه كبقية الظروف الورقية العادية، بل كان مصنوعًا من مادة سميكة أشبه بالجلد الناعم. لم يكن عليه أي عنوان، فقط اسمي مكتوبًا بخط يدٍ غريب، خطٍ حاد، صارم، ومختلف تمامًا عن خط أمي المهتز.
فتحت الظرف ببطء، وسقطت منه مفاتيح قديمة ذات طراز أثري، ومعها ورقة مطوية بعناية. فتحت الورقة لأقرأ ما كُتب فيها، فكانت الصدمة التي جعلت ركبتي عاجزتين عن حملي، فجلست على حافة السرير والذهول يشل حركتي.
لم تكن الرسالة من أمي، ولم تكن حتى موجهة لي من شخص يحبني. كان مكتوبًا فيها:
“ابنك ليس في أمان طالما أنك تحتفظ بأسرار الماضي. الظروف التي جمعتها زوجتك هي ثمن السكوت، والآن انتهت المهلة. أمامك حتى منتصف الليل لتعيد ما أخذه والدك قبل عشرين عامًا، وإلا ستكون الزيارة القادمة لغرفة نومك… وأنت نائم.”
الرسالة كانت موجهة لوالدي! لكن والدي متوفى منذ سبع سنوات!
التفتّ إلى زوجتي وسألتها بصوت يكاد يخرج من حنجرتي:
— الفلوس اللي في الظروف التانية… كام؟
ترددت ثوانٍ قبل أن تجيب بصوت خفيض:
— مبالغ ضخمة… بالدولار. مكنتش بقدر أعدّها من الخوف، كنت بحطها في العلبة وأقفل عليها. أنا أسفة يا أحمد… مامتك حلفتني على المصحف مأقولكش عشان تحميك، قالت لي إن معرفتك بالسر هتدمر حياتك.
في تلك اللحظة، انقطع التيار الكهربائي فجأة عن الشقة بأكملها. ساد ظلام دامس، وسكون مرعب لم يقطعه سوى صوت أنفاسنا المتسارعة.
تسللت برودة غريبة إلى الغرفة، وشعرت بحركة خفيفة تأتي من الصالة. سحبت زوجتي خلفي وتمسكت بالمفاتيح والرسالة، وأخرجت كشاف هاتفي لأضيء عتمة المكان. تحركت ببطء نحو باب الغرفة، ووجهت الضوء نحو الصالة.
لم يكن هناك أحد، لكن باب الشقة الخارجي… كان مواربًا.
تأكدت تمامًا أنني أغلقته بالمفتاح عندما دخلت. تقدمت بخطوات حذرة، وقلبي ينبض في أذني كطبول الحرب. عندما وصلت إلى الباب، وجدت شيئًا ملقى على الأرض عند العتبة.
كانت ساعة يد ذهبية قديمة، مغطاة ببقع داكنة جافة تشبه الدم. عرفت تلك الساعة فورًا؛ إنها ساعة والدي التي دُفن بها، أو هكذا كنا نظن.
التفتُّ لزوجتي وقلت لها والحسم يملأ نبرتي رغم الرعب:
— البسي هدومك فورًا… إحنا لازم نروح بيت أمي حالا. الموضوع مش مجرد ظروف مخفية، في حد عايش معانا في البيت ده، أو كان هنا من ثواني.
لم تنتظر زوجتي، أخذت حقيبتها وتحركنا سريعًا نحو السلم متجاهلين المصعد. ركبنا السيارة وانطلقت بأقصى سرعة نحو حيّ أمي القديم. كانت الشوارع شبه خالية، والوقت يمر سريعًا نحو منتصف الليل.
أثناء القيادة، بدأت أربط الخيوط ببعضها. أمي كانت تأتي وتضع المال تحت المرتبة لسبب لا أفهمه، والظرف الأحمر وُضع بواسطة شخص آخر هددني صراحة. هل كانت أمي تدفع فدية؟ أم كانت تخبئ حصتها من شيء ما؟ وما علاقة والدي المتوفى بكل هذا؟
وصلنا إلى بناية أمي. كانت الأنوار في شقتها بالطابق الثالث مطفأة تمامًا، وهو أمر غير معتاد بالنسبة لامرأة تعاني من فوبيا الظلام وتترك أنوار الصالة مضاءة دائمًا.
صعدت السلالم أركض وزوجتي خلفي. تملكني شعور سيء للغاية. وقفت أمام الباب، وحاولت الاتصال بها مجددًا، لكن الهاتف لا يزال مغلقًا. وضعت يدي على مقبض الباب لأطرق، لكنني وجدته يتحرك في يدي.
الباب كان مفتوحًا أيضًا.
دفعت الباب ببطء، ووجهت كشاف الهاتف إلى الداخل. الشقة كانت مقلوبة رأسًا على عقب؛ الكراسي محطمة، الأوراق مبعثرة في كل مكان، والسجاد منزوع من أرضيته كأن أحدهم كان يبحث عن شيء ما بكل غلّ.
صرخت بأعلى صوتي:
— أمي! أمي إنتِ فين؟
لم يأتنِ أي رد. تحركت نحو غرفة نومها، وكانت الصدمة الأكبر في انتظارنا.
المرتبة الخاصة بسريرها كانت مرفوعة وممزقة بالكامل، والإسفنج متناثر في أرجاء الغرفة. وعلى الحائط فوق السرير، كانت هناك كتابة باللون الأحمر، بنفس الخط الحاد الصارم الذي رأيته في الرسالة:
“لقد تأخرت يا أحمد. المفاتيح التي معك تفتح باب الجحيم الذي أغلقه أبوك… ننتظرك في المدافن القديمة قبل أن تدق الساعة الثانية عشرة… ومعك الأمانة.”
سقطت زوجتي على الأرض تبكي بنشيج مرير، بينما كنت أقف وسط الغرفة ممسكًا بالمفاتيح الأثرية في جيبي، وأنا أعلم تمامًا أن الخيار لم يعد بيدي؛ فإما أن أذهب إلى المقابر لأواجه شبح الماضي الذي يطارد عائلتي، أو أتحمل خسارة أمي إلى الأبد. نظرت إلى ساعتي… كانت الحادية عشرة والربع مساءً.
