ج 1 حكايات زهرة

ج 1

أول ما دخلت شقتنا يوم فرحي جم أهل جوزي وسلموا عليا واحد واحد. حماتي، وسلفتي، وأخت جوزي “منار” اللي قربت مني وفجأة حضنتني، وقالت”مبروك يا عروسة.. الحق يتقال محمود جوزي مفيش منه وهيهنيكي ويدلعك !”.

​في اللحظة دي، حسيت كأن حد كب عليا ميه ساقعة. جسمي كله اتنفض، والدم هرب من عروقي. محمود جوزها؟! جوزها ازاي ودي منار أخته؟ هو قالي كده بالظبط قبل كتب الكتاب! بصيت لمحمود بسرعة ، لقيت ملامحه اتقبضت وبيبص لها بغضب وعينيه بتطق شرار. وقتها حسيت الكلام وقف في زوري، ونفسي اتقطع،​عمري ما اتخيلت ان الراجل اللي حبيته وسلّمته قلبي يطلع بالندالة دي كلها.

​شريط شهور فاتت مر قدام عينيا في ثواني. محمود ده اتنقل من كام شهر يسكن جنبنا في العماره اللي جنب بيتنا، قالي إنه عنده مشروع شغال عليه هنا في البلد. اتعرفنا على بعض بالصدفة، ولقيته إنسان ذوق، وكلامه منمق، وكله حيوية وطاقة وحنيه.. . حبيته، وحسيت معاه بالأمان اللي كنت بدور عليه. قالي وقتها إنه هيتجوزني ونعمل الفرح عند أهلي هنا وسط ناسي، وبعد كده نسافر سوا لبيته في الريف عند أهله، بيت العيلة الكبير اللي المفروض هبدأ فيه حياتي. ورغم إن أهلي مكانوش مرحبين في الأول ومكنش عندهم قبول كامل اني انتقل من عندعم، بس حبي ليه خلاني أقنعهم بيه بكل الطرق لحد ما وافقوا.

​افتكرت يوم الفرح، لما جم أهله وعاملوني بمنتهى اللطف والترحاب، ومن ضمنهم منار …اللي قالي انها اخته الاصغر منه افتكرت كمان تفصيلة صغيرة في كتب الكتاب.. كان كل شوية يتوشوش مع المأذون ويتكلموا في سرهم، كنت فاكرة وقتها إنهم بيتكلموا في ورق ناقص أو إجراءات عادية، مكنتش أعرف إنه كان بيتفق معاه علشان ميعرفنيش ولا يقول قدام أهلي إنه متجوز تاني!

فوقت من شرودي على صوت منار بتقول…روحتي فين يا عروسه اللي واخد عقلك يتهنى به

​رجعت أبصلها بذهول كامل، عيني بتتحرك بينها وبينه وأنا مش مستوعبة، وقولتلها بصوت مرعوب: “أنتي مش أخته؟.. ازاي بتقولي انك مراته؟!”.

​ردت عليا ببرود تام وثقة مستفزة وهي بتبتسم: “لا يا حبيبتي، أنا مراته مش أخته، وأنتي مكبرة الدنيا ليه؟ فيها إيه دي؟ ما اتخن مني ومنك بيتجوزوا عليهم.. محمود راجل وسيد الرجالة ويحقله يتجوز أربعة!”.

​وقتها أنا اتجننت، حسيت عقلي هيطير من راسي ومش قادرة أصدق كلمة واحدة من اللي بتتقال. محمود مفهمني من أول يوم إن ملوش تجارب سابقة، إني مراته الأولى وحبه الأول والأخير، إزاي كل ده كان كدب؟ إزاي التمثيلية دي انطلت عليا بالبساطة دي؟!

​محمود بص لمراته الأولى بغضب مكتوم، وصوته طلع خشن ومحتقن وهو بيقولها: “ماشي يا ست منار.. أديكي باركتي وعملتي الواجب.. يلا روحي شقتك وليا كلام معاكي بعدين”.

​دموعي نزلت من الصدمة وصرخت بذهول: “تروح فين؟! محدش هيتحرك من هنا.. إيه اللي بيتقال ده؟ منار دي مين يا محمود؟!”.

​محمود تجاهل صراخي تماماً وبص لأمه وقال بنبرة هادية بس آمرة: “خدي منار يا أمي واخرجوا.. معلش”.

​أمه اتحركت بسرعة وخدت كل اللي في الأوضة معاها، ومن ضمنهم منار اللي كانت بتتحرك بدلال مستفز، وقبل ما تقفل الباب وراها، التفتت وقالت بصوت عالي سمعه البيت كله: “مبروك يا عريس.. هستناك بكرة بقى علشان بناتك عايزين يشوفوك!”.

​الجملة دي نزلت عليا زي الصاعقة اللي شلت حركتي تماماً. مكنتش قادرة أنطق، الكلمة خنقتني في حلقي، وبصيت له وعيوني متسعة على آخرها وقولت بالعافية: “بناتك؟!.. أنت متجوز ومخلف؟!”.

​هنا، وبكل البرود اللي في الدنيا، بدأ محمود يقلع جاكيت بدلته ويفك الكرافتة وهو بيبص لي في المراية، كأن الموضوع عادي ومفيش أي مصيبة حصلت، وقال بنبرة خالية من أي ذنب أو اعتذار: “آه.. متجوز ومخلف.. وعايز أتجوز تاني، إيه الغلط في كده؟ اسمعي يا بنت الناس، أنا خلفت تلت مرات، وكل مرة كانت الخلفة بت.. فقولت أغير العتبة يمكن يجيلي الواد.. ولو أنتي جبتي الواد هتبقى ست الكل هنا ومفيش حد زيك، ولا حتى منار”.

​حطيت إيدي على بقي بصدمة حقيقية، الرؤية اسودت في عينيا، ودموعي بقت تنزل زي الشلال وأنا بقول ببكا ونحيب ومش مصدقة القذارة اللي بيتكلم بيها: “يا نهار أسود.. يا مصيبتي السودة يا رب!”.

​محمود نفخ بزهق ونفاد صبر، ورمى الجاكيت على السرير وقرب مني وهو بيقول: “متكبريش الموضوع وتعمليه مصيبة وتضيعي علينا دخلتنا وفرحتنا.. يلا استعيذي من شيطانك وادخلي غيري البسي حاجة تفتح النفس”.

​وقبل ما أتحرك أو أرد، ملامحه اتغيرت وبص لي بتحذير واضح وصارم، وكمل بنبرة فيها تهديد مبطن رعبني: “متنسيش إن النهاردة دخلتك، وإنك لو عملتي مشكلة دلوقتي وخرجتي، محدش هيصدق إنك مكنتيش تعرفي إن عندك ضرة، والناس كلها هتفهم إن فيه حاجة تانية لا مؤاخذة.. علشان كده مشيتك في الوقت ده بالذات. والكلام مش هيرحمك، وهيِطول أهلك وأخواتك البنات بسببك!”.

​الكلام جمّد الدم في عروقي. الصدمة مكنتش بس في كدبه وخداعه، الصدمة الأكبر إنه حتى مفكرش يعتذر أو يبرر نذالته، بل بالعكس، كان بكل وساخة بيلوي دراعي بأكتر حاجة بتهمني.

​كنت واقفة في وسط الأوضة بفستاني الأبيض اللي كنت فاكراه فستان فرحي، بس اتضح إنه كفن لقلبي وكرامتي. كلامه عن شرفي، وعن أهلي، وعن أخواتي البنات اللي لسه متجوزوش، كان زي السكاكين اللي بتقطع فيا. الخوف من نظرة المجتمع، ومن فضيحة ملناش ذنب فيها، ومن إن الناس تظن فيا ظن سوء لمجرد إني اطلقت ليلة فرحي، ​حسيت الأوضة بتضيق عليا،كنت واقفة في مكاني، مشلولة، وعقلي عاجز تماماً …وكلمه واحده بتتكرر في ذهني…..اعمل ايه دلوقت ؟!

 

دخل محمود الحمام وهو بيقفل الباب وراه بكل برود، وسابني واقفة في نص الأوضة، جسمي كله بيترعش، ونفسي طالع بطلوع الروح. الفستان الأبيض اللي كان حلمي، بقى حبل مشنقة ملتف حوالين رقبتي. كلامه الأخير كان بيرن في ودني زي الجرس الإجباري: “الناس هتفهم إن فيه حاجة تانية لا مؤاخذة.. والكلام هيطول أخواتك البنات”.

بصيت للباب المقفول بغل وعجز، ودموعي بتغرق وشي. كنت بين نارين؛ نار كرامتي اللي اتداست في التراب من أول دقيقة، ونار أهلي وأخواتي البنات اللي ممكن سيرتهم تبقى على كل لسان في البلد لو خرجت بفستاني في ليلة زي دي.

مسكت تليفوني بإيد بترتعش، كنت عايزة أكلم أبويا، أصرخ وأقوله يجي يلحقني من المصيدة دي. صباعي كان فوق اسم أبويا، بس افتكرت شكل فرحته وهو بيسلمني لمحمود، وافتكرت ضحكة أخواتي البنات وهم بيمضوني على قسيمة الجواز.. لو عرفوا، أبويا ممكن يجراله حاجة، وأخواتي هيدفعوا تمن وساخة راجل ميعرفوش عنه حاجة.

قفلت التليفون وحطيته على الكومودينو، وبدأت أتحرك في الأوضة زي المذبوحة. قعدت على طرف السرير، وحسيت فجأة ببرود غريب بدأ يسري في عروقي.. الخوف اتمسح وحل محله غضب أعمى، بس غضب عاقل.. غضب بيدور على الانتقام مش مجرد الصراخ.

سمعت صوت مقبض باب الحمام بيتحرك. في ثانية، مسحت دموعي بكم الفستان، ووقفت، وحاولت أصلب طولي وأثبت ملامح وشي على قد ما أقدر.

خرج محمود وهو لابس جلباب بيتي مريح، ومنور وشه ابتسامة ثقة مستفزة، وكأنه انتصر في أول معركة ويلوي دراعي فيها بنجاح. قرب مني وعينيه بتتفحصني بخبث وقال: “أيوا كده يا بنت الناس.. فكِ السحنة دي، هو أنا كنت اتجوزت عليكي؟ دي منار هي اللي ضرة، وأنتي العروسة الجديدة.. يعني الدلع كله ليكي”.

بلعت ريقي بصعوبة، وحاولت أطلع صوتي هادي ومفيهوش الرعشة اللي جوايا، وقولتله: “أنا مش هعمل مشكلة يا محمود.. بس أنا مصدومة، ومحتاجة وقت أستوعب. الكلام نزل عليا فجأة، ومش قادرة حتى أغير هدومي وإنت قدامي”.

محمود ابتسم برضا، وهز راسه وكأنه كان متوقع الاستسلام ده وقال: “ماشي يا ست البنات، مقدر الصدمة، والراجل العاقل يستحمل مراته برضه.. خدي وقتك، أنا هطلع أقعد في الصالة بره شوية، تشربي حاجة تروق دمك وتغيري براحتك.. بس متغيبيلش، مش عايز الليلة تضيع في زعل”.

سابني وخرج وقفل الباب وراه. أول ما الباب اتقفل، حسيت إني قادرة أتنفس تاني. جريت بسرعة على الباب وقفلته بالمفتاح من الجوة وحققت حركة صامتة.

بدأت أفك الفستان الأبيض بإيدين بتترعش بس بسرعة رهيبة. قلعته ورميته على الأرض بغل، ولبست عباية سودا سادة من هدومي اللي كانت مترتبة في الدولاب. لفيت طرحتي بإحكام، ومسكت شنطة إيدي الصغيرة اللي فيها بطاقتي وفلوس بسيطة كنت شايلاها معايا.

فتحت شباك الأوضة اللي بيطل على منور البيت.. كان ضيق، بس الشقة كانت في الدور الأرضي المرتفع، والمنور ليه باب بيفتح على الشارع الجانبي ورا العماره. بصيت من الشباك، الدنيا كانت ضلمة وهسس، والكل نايم بعد تعب الفرح.

وقفت على حرف الشباك، وقلبي بيدق في صدري زي الطبل. كنت عارفة إن الخطوة دي مفيش بعدها رجوع، وإن لوي الدراع اللي هددني بيه محمود، هرد عليه بطريقتي.. بس مش ههرب لأهلي وأنا مكسورة.. ههرب علشان أجيب حقي وحقهم.

رميت الشنطة في المنور، ولسه برفع رجلي علشان أنزل.. سمعت صوت خبط قذر وعالي على باب الأوضة، وصوت محمود بره وهو بيقول بنبرة بدأت تتحول لشك وعصبية: “أنتي قفلتي الباب ليه يا عروسة؟.. افتحي الباب ده بقولك!”.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *