ج2 معلقة جوزي حكايات اماني سيد
ج2
تنحت والدة إلهام جانباً بضيق وهي بتنفخ بقلة حبر، ودخلت حماة إلهام ومعتز وراها. معتز كان داخل خطوته تقيلة، عينه بتلف في المكان لحد ما استقرت على إلهام اللي كانت واقفة ومكتفة إيدها، ملامحها خالية تماماً من أي لهفة أو ترحيب، ونظرتها أقوى بكتير من نظرة الانكسار اللي سابتهم بيها.
قعدت الحماة على الكنبة، وقعد معتز جمبها وهو عاقد حواجبه، وبدأت الحماة الكلام بنبرة هادية بتحاول تلطف الجو:
ـ تعالي يا إلهام يا بنتي اقعدي، طول عمرك عاقلة ومبتخربيش بيتك على حاجات عبيطة.. معتز حكالي اللي حصل، وهو مكنش يقصد يضايقك، هو بس طبعه حامي وإنتي عارفة إنه بيقرف من أي حاجة.
إلهام ملقيتش أي رد من معتز، كان قاعد ساكت ومربع إيده وكأن أمه هي اللي جاية تشتكي مش هو اللي جاي يصالح. قربت إلهام وقعدت على الكرسي اللي قصادهم وبصت لحماتها وقالت بنبرة حاسمة:
ـ يا طنط، الموضوع ملوش علاقة بالقرف، الموضوع إن ابنك قرف مني أنا بس، لكن لما فريدة بنت عمه سابقت بلمس معلقتها، أكل بيها عادي وقدام عيني وقالها تسلم إيدك! ولما طلبت منه منضفش السفرة عشان في بنت في البيت قاعدة حاطة رجل على رجل، اتهمني إني بيئة ومبفهمش في الدلع، وقارن بيني وبينها وقلل مني قدام الكل.
حماة إلهام اتوترت وبصت لمعتز وقالتله بصوت واطي:
ـ ما تخلص يا معتز، قول كلمتين لمراتك وصالحها خلينا نمشي.
معتز أخد نفس طويل وبص لإلهام وقال بنبرة فيها كبرياء واضح:
ـ جرى إيه يا إلهام؟ هتعملي قصة من مفيش؟ فريدة دي أختي في الرضاعة ومتربين سوا من صغرنا وأمي عارفة كده، وإنتي اللي دايماً بتتحسسي من ناحيتها وتعملي حوارات. وبعدين أنا جيت لحد هنا وأهو عشان مقلش من قيمتك، قومي هاتي شنطتك ويلا بينا على بيتنا، مش هقعد أتحايل عليكي كتير قدام والدتك.
والدة إلهام زعقت بغضب:
ـ تتحايل على مين يا أستاذ معتز؟! بنتي مش هتمشي معاك بالأسلوب ده، إنت جاي تأمرها ولا جاي تراضيها وتعتذر عن قلة القيمة اللي عملتها؟
إلهام وقفت وبصت لمعتز بثبات وهدوء صدمه وقالت:
ـ أختك في الرضاعة؟ تمام.. وموزي دي برضه دلع أخوي؟ ونظرات الغيرة والتحقيق معاها كانت خوف أخوي؟ وصينية السمك اللي معمولة مخصوص عشان لايك على الفيسبوك دي كرم أخلاق برضه؟.. أنا مش هرجع معاك يا معتز.
معتز وقف وعينيه احمرت من العصبية وقال:
ـ يعني إيه مش هترجعي؟ إنتي بتلوي دراعي يا إلهام في بيت أبوكي؟
إلهام ردت بأقوى ما عندها:
ـ مش هلم عتبة بيتك تاني يا معتز، إلا بشروطي.. وأول شرط فيهم إن فريدة دي مسمعش اسمها، ولا تدل دلالها عليك، ولا أشوفها في مكان إنت فيه، وكرامتي تت رد قدام كل اللي سمعوني وإنت بتهيني.
حماة إلهام وقفت بسرعة وقالت بحدة:
ـ جرى إيه يا إلهام! إنتي هتقطعي صلة الرحم بين الواد وبنت عمه عشان غيرة ستات؟ معتز ميعتذرش لحد، وإذا كان عاجبك.
معتز بص لإلهام بتحدي وقسوة وقال:
ـ شروطك دي تبليها وتشربي ميتها يا إلهام، أنا كنت فاكرك عاقلة وجيت عشان خاطر أمي، لكن طالما مخك صغر لدرجة إنك تحكمي عليا أكلم مين ومكلمش مين، يبقى خليكي هنا بقى لحد ما تعقلي وتعرفي إن الله حق، ومتتصليش بيا تقوليلي الحقني يا معتز.
التفت معتز وخرج من الشقة وهو بيخبط الباب وراه بكل قوته، وطلعت وراه أمه وهي بتبص لإلهام ووالدتها بنظرات غيظ وتوعد.
إلهام قعدت مكانها، جسمها كله كان بيترعش من المواجهة الصعبة، بس حست بنوع من الانتصار والراحة لإنها مقبلتش الإهانة. والدتها طبطبت عليها وقالتلها: “ولا يهمك يا بنتي، خليه يتربى ويعرف قيمتك”.
عدى أسبوع كامل.. معتز مجربش يتصل ولا يبعت مرسال، وإلهام كانت بتمر بأيام صعبة ونومها قليل، لحد ما في يوم بالليل، تليفون إلهام رن.. شافت الشاشة لقت الرقم “فادي” أخو معتز!
استغربت جداً وردت عليه، فادي كان صوته متوتر ومش طبيعي، وقالها بسرعة:
ـ إلهام.. إنتي لازم تيجي معايا حالاً مشوار.. معتز واقع في مصيبة كبيرة، وفريدة هي السبب!
وقعت الكلمات على إلهام زي المية الساقعة، جسمها اتشنج وهي ماسكة التليفون، وسألت فادي بنبرة مخطوفة:
ـ مصيبة إيه يا فادي؟ ومعتز ماله ومال فريدة دلوقتي؟ واشمعنى بتكلمني أنا؟
صوت فادي كان بيترعش وهو بيبص حواليه كأنه خايف حد يسمعه:
ـ مش هينفع أتكلم في التليفون يا إلهام، أنا تحت بيتك دلوقتي مستنيكي في العربية، انزلي حالاً أرجوكي، الموضوع لو اتعرف برة العيلة هيفضحنا كلنا، ومعتز هيضيع!
قفت إلهام التليفون وهي مشوشة تماماً، والدتها كانت قاعدة جمبها وشافت وشها اللي اتخطف، وسألتها بقلق: “في إيه يا بنتي؟ فادي عايز إيه؟”
إلهام حكت لوالدتها بسرعة ولبست عبايتها وطرحتها وهي بتقول:
ـ لازم أنزل أشوف في إيه يا ماما، مهما كان ده جوزي واسمي مرتبك باسمه، ومش هسيبه في مصيبة وأنا مش فاهمة حاجة.
نزلت إلهام جري على السلم، ولقت عربية فادي واقفة على أول الشارع، فتحت الباب وركبت جمبه بسرعة، لقت وشه أصفر وعرقان وبيفرك في الدريكسيون. طلعت العربية بسرعة وفادي بدأ يتكلم وهو باصص للطريق:
ـ معتز كان أعمى يا إلهام.. أعمى ومبيشوفش غير فريدة وكلام فريدة. من يوم ما إنتي مشيتي وهو مقضيها معاها ومع عمتي، وفريدة استغلت حالته النفسية وعنده معاكي، وأقنعته يدخل معاها في صفقة تجارية كبيرة تبع شغلها، وقالتله إن الأرباح هتخليه يندمك على اليوم اللي سبتيه فيه.
إلهام ضمت حواجبها باستنكار:
ـ صفقة إيه؟ معتز معندوش السيولة اللي تخليه يدخل صفقات كبيرة!
فادي ضحك بسخرية ومرارة:
ـ ما هو هنا المصيبة! فريدة خلت معتز يمضي على شيكات ووصولات أمانة على بياض كضمان للشركة اللي بتتعامل معاها، بحجة إن الإجراءات تخلص بسرعة، ومعتز من ثقته العمياء فيها ودلعها ليه مضى وهو مغمض.. والنهارده الصبح، فريدة اختفت! تليفوناتها اتقفلت، ولما معتز راح شقتها لقاها فضت كل حاجتها وسابت البلد، والشركة اللي مضى ليها الشيكات كلمت معتز وهددته يا الدفع يا الحبس بكرة الصبح! شيكات بملايين يا إلهام!
إلهام حست إن الدنيا بتلف بيها، وبصت لفادي بصدمة:
ـ ملايين؟! وفريدة تعمل كده في ابن عمتها اللي كان شايلها من على الأرض شيل؟ طاب وأمه؟ عمتك فين من كل ده؟
فادي رد بحسرة:
ـ عمتي بتقول إنها متفاجئة وماتعرفش حاجة وقافلة على نفسها وبتعيط، وأمي من ساعتها ضغطها عِلي ونقلوها المستشفى.. معتز دلوقتي قاعد في شقته زي المجنون، منهار وبيبكي زي العيل الصغير، ومش عارف يتصرف، الشيكات هتقدم للنيابة الصبح لو الفلوس مجهزتش.
العربية وقفت قدام عمارة معتز، إلهام كانت مترددة، كرامتها وجرحها لسه بينزفوا، بس النخوة والواجب خلوها تفتح باب العربية وتنزل مع فادي.
طلعت الشقة، الباب كان مفتوح، والدنيا ضلمة وهسس. دخلت الصالة ولقت معتز قاعد في الأرض، ساند ضهره على الكنبة، قميصه متبهدل وشعره منكوش، ووشه مليان دموع وعجز مشبهش معتز المغرور اللي تعرفه أبداً.
أول ما معتز لمح خيال إلهام، رفع عينه ليها بنظرة انكسار تذل الحجر، ووقف على رجله بصعوبة وقرب منها بخطوات مهزوزة، وقبل ما تنطق بكلمة، لقت معتز بيترمي قدام رجليها وبيمسك إيدها وهو بيبكي بحرقة ويقول:
ـ إلهام.. سامحيني.. أنا كنت غبي وأعمى.. فريدة دمرتني وضيعتني.. أبوس إيدك اقفي جمبي متسيبنيش أتحبس!
إلهام بصت لمنظره وهو مكسور تحت رجليها، وفي اللحظة دي، تليفون فادي رن برقم غريب، فادي رد وفتح السبيكر، وطلع صوت ضحكة فريدة الخبيثة وهي بتقول:
ـ هاي يا فادي.. سلملي على موزي وقوله الشيكات هتروح النيابة كمان كام ساعة، إلا لو..
