9شهور ج1

حكايات روماني مكرم

بقالي 9 شهور في بيت اهلي

زوجي طردني غصب عني وانا مكنتش عاوزه اسيب بيتى

انا في بيت عيله وحصل سرقه من شقتي دهب وفلوس كتير

وحماتى بيقول سرقتيهم وادتيهم لاهلك

قولت ازاى هسرق حاجتى بايدى دى حاجة جوزى يعنى حاجتى

حماتى قالت علشان اهلك جعانين قولتى اساعدهم

وجوزى طلقنى وطردتي وسافر الكويت وعدتي خلصت وحاليا قاعده عند اهلى وهما ظروفهم صعبه

وجايلى عريس متقدملى بس انا مش عاوزه لانى هتحرم من عيالى

 

الصرخة اللي خرجت من بوق حماتي يومها لسه بتطن في ودني زي صفارة القطر. الدنيا كانت مقلوبة في بيت العيلة، والأوضة اللي عشت فيها أجمل أيام عمري اتقلبت لمسرح جريمة، بس الجاني والمجني عليه اتعكسوا في ثانية.

“شقا ابني ضاع! الدهب والفلوس اللي طافح فيهم الكوت راحوا فين يا فاجرة؟”

حماتي كانت واقفة في وسط الصالة، مبرقة عينيها وهي بتشاور عليا وكأنها شافت شيطان. أنا كنت واقفة مذهولة، باصة للدولاب المفتوح والدرج المكسور.. تحويشة العمر، دهبي اللي لبسته في فرحي، والفلوس اللي محمود جوزي كان سايبها معايا عشان مصاريف العيال والبيت.. كل حاجة تبخرت.

رديت عليها والدموع مغرقة وشي، وصوتي بيترعش من الصدمة: “أنا؟ أنا أسرق حاجتي يا حماتي؟ أسرق شقا جوزي وأبو عيالي؟ دي حاجتي أنا كمان.. حد يسرق نفسه؟!”

ضحكت ضحكة صفرا، تلطش في الوش، وقالت بصوت عالي سَمّع البيت كله من أول دور لآخر دور: “وأنتِ هتيجي منين يعني؟ ما أنتِ لمتيها وادتيه لـ أهلك! ما إحنا عارفين البير وغطاه.. أهلك جعانين وقُلتِ تروحي تدعميهم بفلوس ابني اللي طافح الدم عشان يجيبها!”

الكلام نزل عليا زي مية النار، حرق قلبي. أهلي؟ أهلي اللي ياما جم على نفسهم عشان يستروني؟ أهلي اللي رغم ظروفهم الصعبة وعيشتهم البسيطة عمرهم ما مدوا إيدهم لحد؟

وقبل ما أستوعب الإهانة، الباب اتفتح ومحمود دخل. كنت فاكرة إنه هيبقى السند، إنه هيبص في عيني ويقولهم “مراتي شريفة”، مستحيل تعمل كده. لكن نظرة عينه كانت غريبة.. كانت مليانة غل وعمى. حماتي جريت عليه وولعت النار أكتر، وفي لحظة غضب أعمى، تبرأ مني ومن عشرة السنين.

“أنتِ طالق يا سمر.. طالق بالتلاتة! ووريني أهلك الجعانين دول هيأكلوكي أنتِ وعيالك منين!”

مسكني من إيدي، وفي وسط صريخي وبكائي وعيالي اللي بيصرخوا وماسكين في هدومي، طردني برة الشقة.. برة بيت العيلة كله، في الشارع، بعبايتي اللي عليا. مكنتش عاوزة أسيب بيتي، كنت مستعدة أموت ولا أخرج بالطريقة دي، بس القوة كانت ليهم، والظلم كان أقوى مني.

مرت 9 شهور.. تسع شهور بحالهم وأنا قاعدة في بيت أهلي.

محمود مسابش وراه غير الخراب.. طلقني، وطردني، ولم هدومه وسافر الكويت تاني يوم، وسابني هنا في نار جهنم. شهور العدة خلصت، وكل يوم بيعدي عليا بياكل من روحي. أهلي ظروفهم بقت أصعب من الأول، اللقمة بقت بتتقسم على عشرة، وأنا شايفة نظرات العجز في عين أبويا وهو مش قادر يكفينا، وأمي اللي بتداري دموعها وهي بتطبخ أقل حاجة عشان تكفينا.

وف وسط كل الكوابيس دي، الباب خبط من كام يوم..

جايلى عريس. راجل لقطة وجاهز ومستعد يسترني ويوكلني، وأهلي شايفين إن دي طاقة القدر اللي اتفتحت عشان تخفف الحمل عنهم وعني.

بس هما مش فاهمين.. هما مش حاسين بالنار اللي في صدري. لو وافقت على العريس ده، محمود وأهله هياخدوا مني عيالي.. حتة من قلبي، الحاجة الوحيدة اللي بطلع بيها من الدنيا دي. القانون والناس والمجتمع هيحرموني منهم لو دخلت راجل غريب عليهم.

#الكاتب_رومانى_مكرم

قاعدة في أوضتي الضلمة، سامعة صوت أبويا في الصالة وهو بيكلم أمي وبيقنعها إن العريس ده هو الحل، وسامعة صوت عيالي وهم بيلعبوا برا مش فاهمين المصيبة اللي بتطبخ لهم.

دمعتي نزلت وأنا بفتكر منظر الدرج المكسور.. مين اللي سرق الشقة بجد؟ ومين اللي خطط للعبة دي عشان يخلص مني؟ أنا مش هسكت.. بس الخطوة الجاية هتدمر كل حاجة، يا إما هترجعلي حقي، يا إما هتخليني أخسر عيالي للأبد..

يا ترى الأحداث الجاية مخبية إيه؟ وهل سمر هتقدر تكشف السر اللي دمر حياتها وتنقذ عيالها، ولا الأيام هتجبرها على إختيار مر؟

 

## الجزء الثاني

الليل في بيت أهلي ملوش ليل، الساعات بتعدي كأنها سنين، وكل همسة في الصالة بتدخل ودني وتقطع في قلبي. قمت من السرير براحة، مشيت على طراطيف صوابعي وقربت من باب الأوضة الموارب. صوت أبويا كان مخنوق، صوته اللي كان دايماً يزلزل البيت من هيبته، دلوقتي طالع مكسور، طالع بالعافية وهو بيكلم أمي.

“يا أم سمر، الراجل شاري ومستعد، ومش هيقصر معاها ولا مع عيالها.. أنا حملي تقل يا ليلى، ومبقتش قادر على مصاريف العلاج ولا الأكل، والبيت بيضيق علينا كلنا. البنت لازم تتستر، والعيال ليهم ربنا.”

أمي ردت بصوت باكي ومكتوم: “والعيال يا أبو سمر؟ أنت عارف محمود وأمه، لو شموا خبر إنها بتتجوز هياخدوا العيال في ثانية.. سمر تموت من غير عيالها، دي ما صدقت طلعت بيهم من النار اللي كانت فيها.”

كلامهم كان زي السكاكين اللي بتقطع في لحمي. قفلت ودني بإيديا ورجعت لورا وأنا بصرخ من غير صوت. الدموع جفت في عيوني وحل مكانها نار قايدة. “أنا مش هسكت.. ومش هكون الضحية اللي الكل بيقرر مصيرها، ومش هسيب عيالي للي ظلموني ودمروا بيتي.”

في اللحظة دي، وسط الضلمة والكسرة، فجأة عقلي بدأ يشتغل بشكل تاني. شريط اليوم الملعون ده بدأ يتعاد قدام عيني بالتصوير البطيء. افتكرت تفاصيل صغيرة مكنتش واخدة بالي منها من الصدمة.

* **أولاً:** درج التسريحة والدولاب مكنش فيهم خربوش واحد، القفل متكسرش بعنف، ده كان مفتوح بمفتاح أو بآلة حادة من حد عارف مكان المفتاح السري كويس.

* **ثانياً:** حماتي دخلت الشقة وصرخت وعملت المندبة قبل ما أنا أكتشف السرقة بأقل من دقيقتين، وكأنها كانت مستنية اللحظة دي.

* **ثالثاً والأهم:** محمود كان مسافر الكويت بعد يومين، إزاي تذكرته كانت جاهزة وشنطه متقفلة في نفس الليلة وسافر تاني يوم الصبح علطول؟

الخيوط بدأت تتجمع في راسي. السرقة دي مكنتش من غريب.. السرقة دي كانت ملعوبة، لعبة متفصلة مقاس عشان أخرج بفضيحة، ومحمود يطلقني من غير ما يديني مليم واحد من حقوقي، ولا مؤخر ولا قايمة، ويطلع هو الضحية قدام الناس ويسافر بشقا عمره اللي قالي إنه اتسرق!

الصبح طلع، وأنا أخدت قراري. لبست عبايتي السمرة وطرحتي، وبصيت لأمي وقلت لها: “أنا نازلة وراجعة، ومتفتحيش موضوع العريس ده مع أبويا لحد ما آجي.”

نزلت ورجلي شايلاني بالعافية، بس المرة دي مكنتش سمر المكسورة، كانت سمر اللي بتدور على شرفها وحق عيالها. روحت لبيت العيلة.. المنطقة اللي عشت فيها سنين. وقفت بعيد، مستخبية ورا شجرة قريبة من القهوة اللي على أول الشارع. كنت مستنية “سيد”، الواد الشغال في السوبر ماركت اللي قصاد بيت العيلة، واد غلبان بس عينيه وسط راسه وبيشوف الرايح واللي جاي.

شاورمت له من بعيد، جاني وهو مستغرب ومخضوض: “ست سمر؟ عاش من شافك يا ست الناس، والله الحتة ضلمت من بعدك، والكل زعلان على اللي حصلك.”

قلت له بصوت واطي وعينيا بتلف في الشارع: “سيد.. أنا عاوزة أسألك سؤال واللّٰه يجبر بخاطرك قولي الحقيقة. يوم الحادثة، يوم ما شقتي اتسرقت وجوزي طردني.. أنت شفت حد غريب دخل البيت في الكام ساعة اللي قبلها؟”

سيد سكت شوية، وحك راسه وهو بيفتكر، وفجأة عينيه لمعت وقال: “غريب؟ لأ ومصحف ربنا ما دخل حد غريب.. البيت مكنش فيه غير الحجة أم محمود، وأخت جوزك شيماء.. بس استني يا ست سمر.. أنا افتكرت حاجة.”

قلبي دق بسرعة لدرجة حسيت إنه هيقف: “حاجة إيه يا سيد؟ انطق بالله عليك.”

قال سيد وهو بيوشوشني: “يومها الضهر، شفت شيماء أخت محمود نازلة من البيت ومعاها شنطة سودا كبيرة تيلة، وكانت بتتلفت حواليها كأنها عامة عاملة، وركبت توك توك ومسكت الموبايل وهي ركابة وبتقول: (كله تمام يا أمي، الأمانة معايا وجاية وفضيت المحفظة كمان).. أنا مكنتش مركز بس لما حصلت الحريقة بالليل قولت يمكن ملهاش دعوة.”

الدنيا لفت بيا.. شيماء! شيماء اللي كنت بعاملها زي أختي، اللي ياما أكلت في طبقي ولبتس من لبسي. هي وحماتي اللي سرقوا شقتي، هما اللي خططوا عشان محمود يطلقني وياخد الفلوس والدهب ويسافر بيهم، ويتبلوا على أهلي الغلابة!

شكرت سيد وأنا جسمي كله بيتنفض. رجعت البيت وأنا مش شايفة قدامي، الغضب عمى عيني، بس لازم أكون ذكية. لو واجهتهم هينكروا، ومحمود في الكويت مش هعرف أطوله، والناس هتصدقهم هما لأنهم أصحاب المال.

دخلت شقة أهلي، ولقيت العريس قاعد في الصالة مع أبويا.. راجل باين عليه القوة والفلوس، وأبويا وشه منور وفرحان.

أبويا قالي: “تعالي يا سمر.. أستاذ رفعت جاي طالب إيدك، والراجل شاري وقال مش هيحرمك من عيالك وهيصرف عليهم معاكي.”

بصيت لرفعت، وبصيت لأبويا المكسور اللي عاوز يسترني، وافتكرت عيالي اللي برا.. وافتكرت السر اللي عرفته. لو وافقت على الجوازة دي، هخسر قضيتي ضد محمود وأهله، وعيالي هيتاخدوا مني بالقانون لأن الحضانة هتتنقل لحماتي.. الست اللي سرقتني ودمرت شرفي. ولو رفضت، هكسر أبويا وأهلي وأفضل حمل عليهم.

وقفت في وسط الصالة، ولقيت نفسي باخد نفس عميق، وبصيت لرفعت ولقيت الكلمات بتخرج من بوقي بقوة مكنتش أعرف إنها عندي: “أنا موافقة يا حج رفعت.. بس ليا شرط واحد، والجواز مش هيتم إلا بيه.”

أبويا بصلي باستغراب، ورفعت عدل قعدته وقال: “اشرطي يا ست البنات، عنيا ليكي.”

قلت له وعيني فيها نظرة تحدي هتحرق الأخضر واليابس: “شرطي إنك تديني مهلة شهر واحد بس.. وفي الشهر ده، أنت اللي هتساعدني أرفع قضية تزوير وسرقة ضد محمود وأمه وأخته.. ومؤخر الصداق بتاعي مش هيكون فلوس، مؤخر الصداق بتاعي هيكون حبس حماتي وبنتها، ورجوع حقي قدام المنطقة كلها.. لو وافقت على كده، أنا هكون ليك من بكرة.”

الصالون كله سكت، الصدمة لجمت أبويا ورفعت.. وفي اللحظة دي، تليفون أمي في المطبخ رن، وصوت صريخها طلع وهي بتقول: “يا مصيبتي! محمود رجع من الكويت؟!”

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *