ج الاخير معلقة جوزي حكايات اماني سيد
ج الاخير
خرجت إلهام من الكافيه بخطوات سريعة وواثقة، الهوا الساقع خبط في وشها وحست لأول مرة من أيام إنها قادرة تتنفس بحرية. فادي جِري وراها وهو بينادي عليها:
ـ إلهام! استني يا إلهام رايحة فين؟ معتز لسه جوه مخلصش الإجراءات مع الظابط!
التفتت إلهام لفادي وبصتله بهدوء وقالت:
ـ معتز خلاص مبقاش عليه خطر يا فادي، المحامي معاه وهيخلص كل حاجة في القسم. أنا دوري لحد هنا وانتهى.
سابت فادي واقف محتار وركبت تاكسي ورجعت على بيت أهلها. أول ما دخلت، ارتمت في حضن والدتها وسجدت شكر لله إن المحنة دي عدت على خير ومن غير فضايح.
في نفس الوقت، في قسم الشرطة، كانت فريدة قاعدة في الحجز، وشها شاحب وضوافرها اللي كانت بتتباهى بيها بتتكسر وهي بتعض فيها من الخوف والتوتر بعد ما واجهوها بالتسجيلات والكمين. أما معتز، فخلص إجراءات المحضر ومضى على استلام الشيكات اللي اتقطعت قصاد عينه، وخرج من القسم وهو حاسس إنه اتولد من جديد، بس الفرحة كانت ناقصة.. ناقصة وجود إلهام.
رجع معتز بيته، الشقة كانت فاضية وضلمة، دخل أوضة النوم وفتح الدولاب، لقى هدوم إلهام وحاجتها لسه مكانها، قعد على السرير وافتكر كل لحظة قساوة عاملها بيها، وازاي هي في المقابل صيّنت عرضه وماله وأنقذته من السجن.
بعد يومين من القضية، الباب خبط في بيت أهل إلهام. فتحت والدتها ولقت معتز واقف، بس المرة دي مكنش معاه أمه، ومكنش داخل بكبرياء وعند؛ كان واقف مطاطي راسه، في إيده باقة ورد كبيرة وعلبة قطيفة فيها طقم دهب قيم جداً.
والدة إلهام بصتله ببرود وقالت:
ـ جاي ليه تاني يا معتز؟ مش قولت إن بنتي شروطها تبلها وتشرب ميتها؟
معتز اتكلم بنبرة رجاء حقيقية وصوته مخنوق:
ـ تبليها وتأمر بيها يا أمي.. أنا جاي وخدّي مداس لإلهام، أنا عرفت قيمتها وعرفت إن ماليش غيرها، أرجوكي خليني أشوفها وأكلمها.
خرجت إلهام من جوه ولابسة عباية استقبال شيك، ووقفت قصاده بملامح جامدة ومستمعة. معتز أول ما شافها قرب خطوتين وحط الورد والعلبة على الترابيزة وقدم خطوة ووطى على إيدها عايز يبوسها، بس إلهام سحبت إيدها بسرعة وبكرم ضيافة جاف قالت:
ـ اقعد يا معتز.. واسمع الكلمتين اللي عندي كويس.
قعد معتز على طرف الكرسي وعينيه متعلقة بوشها، وبدأت إلهام تتكلم بنبرة واضحة:
ـ الورد والدهب دول مش هيمسحوا كسر الخاطر والإهانة اللي شوفتها منك قدام عيلتك. فريدة وغلطتها وراحت لحالها، بس الغلط الأصلي كان منك إنت، إنت اللي سمحتلها تتعدى حدودها وتتدلع وتديك معلقتها وتقارن بيني وبينها.
معتز رد بلهفة:
ـ والله العظيم اتعلمت الدرس، وحرمت، ومستعد أعمل أي حاجة ترضيكي، شروطك كلها مجابة، فريدة دي مش هسمع اسمها تاني في حياتي وأمي نفسها قطعت معاها ومع عمتي بعد اللي حصل.
إلهام بصتله بنظرة فاحصة، حست بصدق ندمه، بس الجرح كان لسه محتاج وقت عشان يلم، وقالت بقرر حاسم:
ـ أنا مش هأكد رجوعي دلوقتي يا معتز.. أنا هرجع معاك الشقة اه، بس عشان ندي لنفسنا فرصة تانية، هقعد في أوضة منفصلة، والتعامل بيننا هيكون بحساب لحد ما أشوف بأفعالك مش بكلامك إنك اتغيرت فعلاً وبقيت راجل يصون مراته ويحترمها في غيابها قبل حضورها.. موافق؟
معتز وشه نور بالرغم من قسوة الشرط وقال بسرعة:
ـ موافق طبعاً يا إلهام، موافق على أي حاجة، المهم تكوني معايا في البيت ومتمشيش.
ولمت إلهام شنطتها ورجعت معاه، دخلت الشقة وراسها مرفوعة، دخلت أوضتها وقفلت الباب، وسابت معتز في الصالة وهو بيبص لباب الأوضة وعنده أمل وتحدي إنه يرجع ثقتها فيه.
مر أسبوعين، ومعتز كان بيتعامل بمنتهى الأدب والاحترام، بيجيب طلبات البيت ويدخل المطبخ يساعد، ويحاول يرضيها بأي طريقة وهي لسه على موقفها الثابت والوقور.
وفي يوم بالليل، والهدوء سائد في الشقة، الباب خبط خبطات قوية ومتسارعة. معتز قام يفتح وإلهام خرجت من أوضتها تشوف في إيه، ولما معتز فتح الباب، كانت المفاجأة؛ فادي أخوه واقف ووشه مخطوف تماماً وبيبص لمعتز برعب وبيقوله:
ـ معتز.. الحق.. المحامي بتاع فريدة كلمني، وقال إن فريدة اعترفت بحاجة تانية صدمة، وهتقلب قلبة الشغل والعيلة كلها فوق دماغنا!
تسمر معتز في مكانه، وخرجت إلهام من ورا ضهره وعينيها متسعة من الصدمة. فادي دخل الشقة وهو بيفرك إيديه بتوتر، ودموعه كانت قريبة جداً من النزول.
معتز مسك أخوه من كتافه وهزه بقوة:
ـ اعترفت بإيه يا فادي؟ أنطق! فريدة دي لسه وراها مصايب إيه تاني ما خلصناش منها؟
فادي قعد على أقرب كرسي وهو بينهج وقال:
ـ فريدة لما لقت نفسها محبوسة ومستقبلها ضاع، قررت ما تقعش لوحدها.. اعترفت للنيابة إن الشيكات ووصولات الأمانة دي مكنتش عشان صفقة وهمية بينها وبين معتز بس.. فريدة كانت واجهة لشبكة غسيل أموال وتجارة مشبوهة، وقالت إن كل العقود القديمة اللي عمي سابها لنا، وشغل الشركة اللي معتز وفادي بيديروه بقالهم سنتين، كان بيدخل فيه فلوس بطرق مش قانونية من تحت الترابيزة بعلم عمتي!
معتز صرخ برعب:
ـ مستحيل! عمي طول عمره كسبه حلال، وإحنا بنشتغل بعرقنا!
فادي هز راسه بكسرة:
ـ إحنا اه، بس فريدة وعمتي كانوا بيستغلوا توكيلات الإدارة القديمة اللي معاهم ويحطوا الفلوس في حسابات الشغل بتاعنا عشان يغطوا على نفسهم.. المحامي بيقول إن النيابة أصدرت قرار فوراً بالتحفظ على كل أموال العيلة، وعلى شقة الشغل، واستدعاء ليا وليك بكره الصبح للتحقيق كمتهمين بالاشتراك معاها!
البيت فجأة بقى زي القبر. معتز حس إن رجليه مش شايلاه، وقعد في الأرض وهو بيلطم على وشه ويقول:
ـ ضعت.. خلاص ضعت رسمي، السجن جايبني جايبني، المرة دي مفيش شيكات تتقطع يا إلهام، دي قضية أموال عامة وجناية!
بص معتز لإلهام بنظرة خذلان ويأس تامة، وكأنه بيودعها للمرة الأخيرة.
لكن إلهام، بالرغم من ضربات قلبها السريعة، ملامحها مظهرش عليها الاستسلام. قربت من فادي وقالتله بحسم:
ـ فريدة بتعمل كده عشان تساومكم وتخفف الحكم عن نفسها، وعمتك سكتت عشان كانت مستفيدة. العقود القديمة وحسابات البنك اللي بتثبت دخلكم الحقيقي فين يا فادي؟
فادي رد بصوت مرتعش:
ـ في خزنة مكتب الشركة.. بس المكتب دلوقتي أكيد هيتشمع أو تحت المراقبة.
إلهام بصت لمعتز وقالتله بقوة:
ـ مفيش وقت للبكاء يا معتز، إنت وفادي ملمستوش فلوس حرام، والورق ده هو اللي هيثبت برائتكم ويفصل اسمكم عن قذارة فريدة وعمتك. قوموا معايا حالاً، هنروح المكتب قبل الصبح، ونطلع كل مستند يثبت أصل أموالكم، وعصام المحامي لازم يكون معانا خطوة بخطوة.
وقف معتز وهو بيبص لإلهام، وفي عنيه ذهول من قوتها وجبروتها في الأزمات. لبسوا بسرعة ونزلوا في ظلام الليل، والكل حاطط إيده على قلبه، لأن الساعات اللي جاية هي اللي هتقرر: يا إما البرائة وقطع دابر فريدة للأبد، يا إما ضياع العيلة كلها وراء الشمس.
وصلوا قدام مقر الشركة في وقت متأخر من الليل، الجو كان هسس والشوارع فاضية تماماً. فادي كان بيفتح الباب الخارجي وإيده بترتعش، ومعتز واقف وراه وعينيه بتلف في كل مكان برعب، خايف يكون في أي مراقبة.
دخلوا المكتب بسرعة، وإلهام قفلت الباب وراهم وطلبت منهم ما يفتحوش الأنوار العالية ويكتفو بكشافات التليفون عشان ما يلفتوش الانتباه. فادي جِري على الخزنة وبدأ يفتح الأرقام السرية، وطلع منها كل الدفاتر القديمة، وعقود التأسيس اللي كتبها عمهم الله يرحمه، وكشوف الحسابات البنكية الموازية اللي بتوضح حركة كل قرش دخل الشركة بعرقهم وشقاهم.
في نفس الوقت، وصل الأستاذ عصام المحامي بعد ما إلهام كلمته في الطريق. قعدوا كلهم على مكتب معتز، والمحامي بدأ يفرز الورق بنظرات فاحصة وسريعة، وبعد ساعة كاملة من القلق والتوتر، رفع راسه وبص لمعتز وفادي وقال بنبرة مطمئنة:
ـ الحمد لله.. الورق ده حبل المشنقة اللي فريدة كانت عايزه تلفه حوالين رقابكم، هيتحول لطوق نجاة. الدفاتر دي تثبت إن حركة أموالكم منفصلة تماماً عن الحسابات اللي فريدة وعمتكم كانوا بيستخدموها، والتوقيعات على الصفقات المشبوهة كلها باسم فريدة بتوكيل قديم اتلغى أصلاً من ست شهور. إحنا بكره الصبح هنروح النيابة ونقدم المستندات دي كبلاغ ودليل براءة قبل ما هما يستدعوكم.
معتز أخد نفس طويل ودموعه نزلت من الراحة، وبص لأخوه فادي وحضنه بقوة. فادي بصل إلهام وقالها بامتنان حقيقي:
ـ لو لفيت الدنيا مش هلاقي أخت زيك يا إلهام، إنتي اللي أنقذتي عيلتنا من الضياع للمرة التانية.
ومع دقات الساعة ثمانية الصبح، كانوا كلهم واقفين قدام مبنى النيابة. دخل معتز وفادي مع المحامي، وفضلت إلهام قاعدة بره منتظرة على نار. عدت الساعات تقيلة ومملة، لحد ما خرج معتز والابتسامة على وشه والمحامي بيأكد إن النيابة قبلت المستندات، وتم استبعاد معتز وفادي من القضية كمتهمين وتحويلهم لشهود إثبات ضد فريدة وعمتهم اللي اعترفت بكل حاجة بعد ما اتزنقت بالدليل.
رجعوا البيت، الجو كان مختلف تماماً، الكابوس انزاح وانتهى للأبد. فريدة وعمتها أخدوا جزاءهم القانوني، وكل واحد عرف حجمه الحقيقي.
دخل معتز الشقة وورا إلهام، وقفل الباب. التفت ليها، وبص في عينيها بنظرة مليانة ندم واحترام وفخر، وقال بصوت واثق وهادي:
ـ إلهام.. أنا عارف إن كلمة آسف مش كفاية، وعارف إن اللي عملته زمان كان قلة أصل مني.. فريدة اللي كنت فاكرها السند والدلع كانت عايزه ترميني في السجن، وإنتي اللي هنتك وقللت منك، كنتي الظهر والسند والشرف اللي حماني. أنا مش هطلب منك تنسي، بس هطلب منك تديني الفرصة أعيش عمري كله تحت رجليكي عشان أثبتلك إني بقيت راجل يستاهلك ويصونك.
إلهام بصتله بهدوء، وحست لأول مرة إن بركان الغضب اللي جواها هدي، وإن كرامتها رجعتلها تالت ومتلت وقدام الكل. ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالتله:
ـ الفرصة موجودة يا معتز.. بس الأيام هي اللي هتثبت إذا كنت اتعلمت الدرس صح ولا لأ.
قرب معتز ومسك إيدها بحنان، ودخلوا شقتهم مع بعض عشان يبدأوا صفحة جديدة، صفحة مفيهاش مكان لفريدة ولا لمعلقتها، ومبنيه بس على الاحترام والكرامة اللي إلهام حاربت ودافعت عنها بكل قوتها.
