ج1 حق نفسي عليا بقلم نرمين عادل همام

ج1 ورا كل باب حكاية

فيه ناس بتختفي من دنيتنا مرة واحدة.. وفي ناس بتختفي بالبطيء على مدار سنين، محدش بيحس بغيابهم غير لما يصحوا يوم ويلاقوا الكرسي فاضي، والبيت ساقع كأنه مقابر!

في ليلة كحلي تسحب الروح، كان البيت هادي زي الجبانة، الكل نايم ومرتاح بعد ما خدوا منها كل قطرة عافية.. وهي قاعدة لوحدها في ضلمة الصالة، قدامها حتة كيكة بسبعة جنيه من الدكان اللي على الشارع، ووردة شمعة واحدة مطفية، وجنبها أربع أطباق زفرة وسخة سابوها لها تلمها وتغسلها بعد ما شبعوا!

كانت الممرضة، والخدامة، والطباخة.. وفي الآخر، محدش افتكر حتى يتنحنح ويقول لها: “كل سنة وأنتِ طيبة يا رضوى.”

الساعة كانت بتدق 11:58 بالليل في يوم ميلادها التسعة وتلاتين.

رضوى قاعدة على كرسى السفره الخشب اللي بقاله سنين شايل همومها. طفولة راحت، وشباب اتدفن، وتسعة وتلاتين سنة من عمرها بيعدوا قدام عينها في لحظة.

كانت طول اليوم.. طول الأربع وعشرين ساعة، مستنية كلمتين بس! مش مستنية هدية لفينها بفيوكة، ولا بوكيه ورد، ولا عزومة في مطعم.. كانت مستنية كلمتين اتنين يبلوا ريق قلبها العطشان: “كل سنة وأنتِ طيبة.”

لكن جوزها مصطفى ما افتكرش غير إنه يسألها بقمطة وش: «أنتِ كويتي لي القميص اللبني ولا نسيتي؟». وبنتها منة ما بعتتش ليها رسالة على الموبايل غير عشان تقول لها: «يا ماما حودي على البوسطجي وخدي منه الطرد بتاعي وأنتِ راجعة». وابنها أحمد ما بصلهاش الصبح غير وهو بيمد إيده وياخد المصروف.

 وحتى حماتها الحاجة أم مصطفى، المرة الوحيدة اللي فتحت بوقها فيها كانت عشان تبرطم وتقول: «الشوربة حادقة ومشطشطة يا رضوى، أنتِ كبرتي وخرفتي ولا إيه؟».

ولا مخلوق في البيت افتكر إن النهار ده يوم ميلادها!

رضوى غرزت الشمعة الصغيرة في قلب كيكة هوهوز كانت مشترياها ، وعود كبريت اتفرقع في الضلمة، نوره الرعاش انطبع على وشها المنطفي.

تسعة وتلاتين سنة.. منهم ثمانية عشر سنة جواز! عيال كبروا وشالوا طولهم.. بيت زحمة، وناطق بالبشر والناس.. ورغم الزحمة دي كلها، عمرها في حياتها ما حست بالوحدة والبرودة زي الليلة دي!

فجأة، صوت خطوات رجليين خفيفة على السيراميك في الممر اللي برة. لثانية واحدة.. لثانية عبيطة وخايبة، قلبها اتهز وأمل خبيث صحي جواه: يمكن مصطفى افتكر في أخر دقيقة ورجع بشرابه يسحب رجله؟ يمكن العيال عاملون لها مفاجأة وطالعين بالطبلة والورد وبيضحكوا على خضتها؟

والباب اتزق. وقف ابنها “أحمد” أبو ستة عشر سنة، حاطط السماعات في ودنه ومكسح فوق الموبايل، ما رفعش عينه حتى: «بقولك إيه يا ماما.. شاحني الأسود فين؟ مش لاقيه!»

رضوى بصت له.. بصت لوشه اللي خاد منها كل حنيتها، قالت بصوت متطفي: «في الدرج اللي تحت التلفزيون يا أحمد.»

«تمام، »

قالها واختفى في ثانية، مقفلاً الباب وراه.. ما لمحش حتة الكيكة.. ما شافش الشمعة اللي بتسيح.. ولا شاف الدمعة التقيلة اللي حابسة نفسها في طرف عين أمه وبتكوي جفونها!

رضوى فضلت قاعدة مكانها، عينها على الخيط الدايب بتاع الشمعة لحد ما النار قربت من جسمها ولسعت صوابعها.

غمضت عينها.. واسترجعت عادة الشموع.. طول عمرها، في كل سنة بتطفي فيها شمعة، كانت الدعوة مش ليها.. كانت دايماً بتوهب أمنيتها لغيرها: كانت بتدعي مصطفى ياخد الترقية في الشركة ويترفع شأنه.. كانت بتدعي بنتها منة تجيب مجموع يدخلها كلية عليا.. كانت بتدعي أحمد ربنا يهديه ويبعد عنه ولاد الحرام ويصلح حاله.. وكانت بتدعي لحماتها تقوم بالسلامة من عملية المفصل وتفك حبل القسوة اللي في قلبها..

لكن الليلة دي.. ولأول مرة من قريب عشرين سنة، رضوى دعت لنفسها! دعت دعوة واحدة بس: إنها تافتكر هي كانت مين؟.. وكانت إيه قبل ما الكل ينهش في خيرها ويستهلكها لحد ما تفضى!

نفخت في الشمعة.. دخان أبيض خفيف طلع وسرح في الأوضة، والبيت كله غرق في ضلمة كاحلة.. وفي اللحظة دي بالذات، فيه حاجة جوة رضوى ماتت وهديت خالص، هدوء اللي قطع الأمل ونوى على الرحيل!

الصبحية دي كانت بادية زي أي صبحية نكد ومرمطة في بيت “مصطفى”.

الساعة 5:45 الصبح، المنبه زنزن تحت مخدتها. اتسللت من تحت اللحاف بالراحة عشان ما تقلقش مصطفى، دخلت الحمام اتوضت، ولبست الطقم الكحلي بتاع شغلتها كتمريض، ولمت شعرها البني فوق قفاها بكليبسة بسيطة. وقبل ما تخرج من الأوضة، فتحت علبة الطرح وركبت حلق فضة صغير كانت شايلاده للمناسبات.. كانت حاسة إن النهار ده عيدها!

دخلت المطبخ.. عملت الشاي باللبن والقهوة.. جهّزت سندوتشات أحمد ولفتها في الفويل.. حطت شريط الضغط وشريط السكر والحبوب بتوع الحاجة أم مصطفى جنب كوباية المية.. 

فكرت بنتها منة وهي نازلة إن موضوع التنسيق والأوراق آخره الجمعة ولازم تخلصه.. ودورت على مفاتيح عربية مصطفى الضايعة لحد ما لقتها في جيب جاكتته اللي كان رميها على الكنبة إمبارح!

على الساعة 6:30 الصبح.. أربع بني أدمين كانوا خدوا منها خدمتهم واستفادوا من تعبها.. ولا واحد فيهم رفع عينه ولمح الحلق الفضة اللي بيبرق في ودنها!

دخل مصطفى المطبخ، ماسك الموبايل ونازل تقليب في إيميلات الشغل، خافس وشه في الشاشة. خد بؤ قهوة وزفر بقرف: «القهوة مايعة وخفيفة قوي النهار ده يا رضوى!»

رضوى وقفت مكانها، عينيها راحت للنتيجة اللي متعلقة على الحيطة ورا ظهره.. كانت حاطة خط أحمر وتاريخ واضح بالبونت العريض: 17 أكتوبر. لكن هو ما بصش وراه أصلاً!

قالت له بصوت هادي: «بكره هتقلها لك يا مصطفى.»

سألها وهو بيعدل الياقة: «كويتي القميص اللبني؟ العشاء بتاع طه اللي طلعت على المعاش النهار ده، وما ينفعش أروح بقميص مكرمش!»

«متعلق في البلكونة جوة.»

«تمام.. جدعة.» باس الهوا اللي جنب خدها من غير ما شفايفه تلمس بشرتها، وخرج يسحب رجله.

نزلت بنتها منة بعدها، لابسة الترينج الفضفاض وماسكة في إيدها تلات أنواع زبدة كاكاو ومكياج: «ماما.. وأنتِ راجعة من المستشفى مرّي على البوسطة هاتي الطرد بتاعي، الراجل قال هيقفل الساعة سبعة.»

ردت رضوى وهي بتمسح الرخامة: «أنا شفتي بيخلص الساعة ستة ونص بالعافية يا منة.. هلحق إزاي؟»

بصت لها بنتها بنفاذ صبر وزغرة عين: «يعني مش هتلحقي؟ اتصرفي يا ماما، هي خطوتين!»

رضوى بصت لوش بنتها المستعجل واللي مش شايف غير نفسه.. وقالت بنبرة تسليم: «حاضر.. هلحق.»

«حبيبتي يا مامي، أنتِ أحسن أم!».. خطفت حتة باتيه على الطاير وجريت برة.

جه أحمد بعدها يجعجع وبيطلب فلوس زيادة للمصروف عشان نسي يقولها إن كارت الأكل في المدرسة فضي ومحتاج يتشحن!

 

نزلت الحاجة أم مصطفى في الآخر تسحب رجلها، مايلة بتُقلها كله على عكازها الخشب، ووشها مقلوب وكأن الدنيا جاية عليها.

بصت للكوباية على الترابيزة وقالت بنبرة لوم ودبش: «ما دفيتيش اللبن ليه يا رضوى؟»

رضوى ردت بصوت هادي وهي بتمسح إيدها في المريلة: «أصل حضرتك قلتيلي إمبارح إنك عايزة تشربي شاي الصبح يا حاجة.»

«غيرت رأيي.. إيه، محرم يعني ولا مش من حقي؟!»

رضوى ما ردتش، راحت على البوتاجاز ودفت لها اللبن وهي بتكتّف زعلها جواها.

فضلت تصبّر نفسها طول اليوم وتقول: “معلش.. يمكن معذورين ومشغولين في هم الشغل والمدارس. يمكن مصطفى عامل حساب حاجة بالليل ومفاجأة، ويمكن العيال لما يرجعوا من دروسهم هيرتموا في حضني ويفتكروا.”

في مستشفى المبرة، كانت رضوى بتمشي بين أوض المرضى بتكتكة وهدوء، كانت ممرضة شاطرة وإيدها تتلف في حرير، لدرجة إن المرضى كانوا بيطلبوا اسمها بالاسم

تعرف العيان محتاج إيه من غير ما يتكلم.. تظبط الغطا على ده قبل ما يبرد.. وتفتكر إن العيان اللي في أوضة أربعة بيحب التلفزيون مطفي عشان دماغه.. وتتودك وتجيب مخدة إضافية للراجل اللي طالع من عملية في ضهره.. وتقعد جنب الست العجوزة الخايفة من الخروج والمواجهة، تطمنها وتطبطب عليها.

الست العجوزة بصت لها بامتنان وقالت لها: «أنتِ إيه يا بنتي؟ ده أنتِ بتبصي على كل صغيرة وكبيرة وبتلاحظي اللي محدش بياخد باله منه!»

رضوى ابتسمت ابتسامة باهتة.. الست كانت بتقولها ككلمة حلوة وتكريم ليها، بس الكلمة نزلت على قلب رضوى زي الس/كين!

فعلاً.. هي بتلاحظ كل حاجة! بتلاحظ مصطفى لما تدعك جبهته ويثقل نفسه بعصرة عينيه لما تكون المصاريف زايدة عليه.. بتلاحظ بنتها منة لما تسكت فجأة وتاكل في نفسها لما صاحبتها تزعلها.. بتلاحظ أحمد لما يعمل فيها شبح ومش فارق معاه وهو جوة قلبه متوتر وخايف.. وبتلاحظ إيد حماتها الشمال لما ترتعش أكتر في أيام البرد وتدلكها لها..

رضوى كانت بتلاحظ وتراعي الكل.. بس مش قادرة تفتكر هي آخر مرة مين في الدنيا دي كلها لاحظها بجد ولا حس بوجودها متى؟!

في بريك الضهر، نزلت كافيتيريا المستشفى.. اشترت قطعة كيكة شوكولاتة صغيرة، وراحت للمكتبة اللي جنب الباب جابت منها شمعة بيضة صغيرة.

البياعة وهي بتحاسبها، بصت للشمعة وابتسمت: «عيد ميلاد؟»

رضوى كانت هتقول “لا”.. بس اللسان اتقعد، وقالت بصوت واطي: «آه.. عيد ميلادي.»

«كل سنة وأنتِ طيبة يا حبيبتي.»

كلمتين عاديين.. متقالين بآلية وسرعة من واحدة غريبة مش هتاخد بالها من وشها بعد خمس دقائق.. بس الكلمتين دول خلو جفون رضوى تحرقها والدموع تتجمع في عينها!

همست بصوت مكسور: «وأنتِ طيبة.. شكراً.»

زميلتها في الشفت، سهام، دخلت عليها الأوضة ولقيتها قاعدة لوحدها وسرحانة.

بصت لها سهام وقالت: «إيه ده يا رضوى؟ أنتِ شكلِك متغير النهار ده ليه؟»

رضوى حطت إيدها بالراحة على الحلق الفضة، وقالت بابتسامة المكسور: «متغير للإحسن.. ولا متغير للغلب والوجع؟»

 

«غيرتِ شكلِك للأحسن.. شكلِك عملتي مجهود عشان نفسك النهار ده!»

ابتسمت رضوى ابتسامة خفيفة باهتة.

سهام لمحت الشنطة الورق الصغيرة المرمية جنبها على الترابيزة، فسألتها بفضول: «إيه اللي في الشنطة دي يا رضوى؟»

«مفيش.. حاجة مش مهمة.»

بس في الحقيقة كانت أهم حاجة في الدنيا.. كانت الإثبات الوحيد والملموس إن رضوى افتكرت “رضوى”!

على الساعة ستة وتلاتين دقيقة بالضبط، ضربت رضوى كارت البصمة في المستشفى وركبت المواصلات وطلعت تجري على الناحية التانية من البلد عشان تفلح وتلحق طرد بنتها منة قبل ما المحل يقفل.

أول ما وصلت، كانت البياعة بتشد الصاج الحديد بتاع المحل وبتقفله.

رضوى جريت عليها وهي بتمسح العرق من جبهتها ونفسها مقطوع: «وحياة عيالك يا شيخة استني.. الطرد ده بتاع بنتي ومحتاجاه ضروري!»

البياعة اتنهدت بنفاذ صبر، بس فتحت الصاج تاني وجابت لها العلبة. رضوى شكرتها بدل المرة عشرة من كتر الارتياح.

وفي طريق الروح وهي راجعة البيت، مخها بدأ يسرح ويرسم أوهام وسيناريوهات.. يمكن مصطفى طالَب ديلفري من المطعم السوري أو الحاتي اللي احتفلنا فيه بعيد جوازنا العاشر؟ يمكن أحمد زين الصالة ولا علق فرع نور خفيف؟ يمكن منة جابت لي بوكيه ورد صغير من مصروفها؟

رضوى ما كانتش طمعانة في حاجة كبيرة ولا بتتشرط، وده بالذات اللي كان بيوجع قلبها أكتر.. أملها ورغباتها صغروا قوي لدرجة إن كارت معايدة بعشرة جنيه من مكتبة الشارع كان كفيل يخليها تحس إنها لسه محبوبة وغالية!

أول ما فتحت باب الشقة بالمفتاح، سمعت صوت ضحك وهيصة طالعة من جوة.

قلبها دق وتنطط في صدرها زي العصفور الملهوف.. بس أول ما خطت جوة، الصدمة نزلت عليها!

لقيت مصطفى وأحمد قاعدين قدام التلفزيون بياكلوا لب ومندمجين على آخرهم في ماتش الأهلي.. ومنة ممددة بطولها على الكنبة، عينيها خافساها جوة الشاشة وبتكتب رسائل ومبلمة في الموبايل، ولا حد فيهم حتى رفع عينه ينطق بكلمة!

الحاجة أم مصطفى كانت قاعدة على الكرسي الهزاز بتاعها في الصالة، لافة جسمها ببطانية صوف تقيلة على ركبتها، وعينيها متثبتة على شاشة التلفزيون ببرود.

لا زينة متعلقة في السقف.. لا بوكيه ورد محطوط على الترابيزة.. ولا حتى حتة تورتاية صغيرة من الفرن اللي على أول الشارع!

مصطفى بص لها بلمحة عابرة من ورا الموبايل وهو بيمصمص شفايفه، وقال بنبرة عتاب وعصبية: «تأخرتي ليه كدة يا رضوى؟ الشاي برَد، وهاتي العيش فين؟ نزلتي جيبتي عيش وأنتِ راجعة ولا نسيتي زي العادة؟!»

رضوى وقفت عند الباب، أكياس الشغل والطرد بتاع بنتها المربوط في إيدها التقيلة بياكل في صوابعها، عينيها دارت في الصالة الكئيبة.. بصت لوش مصطفى المعجون بالزهق، وبصت لأحمد اللي ممرمغ إيده في كيس اللب، ولمنة اللي ما رفعتش حجبها حتى تبص عليها.

كل خطوة عملتها النهار ده، كل جري وفرهدة في المستشفى وفي البوسطة وفي الشوارع، ذابوا كلهم في جملة: “هاتي العيش فين؟!”

حطت الطرد على الكومودينو جنب الباب بالراحة، ومسحت عرق جبينها بظهر إيدها.. اللحظة دي بالذات كانت عاملة زي المسمار الأخير اللي اتدق في نعش صبرهما.

رضوى ما اتعصبوش، ولا صرخت، ولا رمت الأكياس في وشهم زي ما أي ست ممكن تعمل.. بالعكس، نزل عليها هدوء غريب ويخوف، هدوء المظلوم لما يقطع الأمل في العدل من الناس، وينوي ياخد حقه بسكوت.

قالت بصوت واطي ومفهوم: «العطاء اللي ملوش ثمن.. بيبقى رخيص يا مصطفى. والعيش في المطبخ.»

سابتهم وطلعت على أوضتها بالراحة، قفلت الباب والمفتاح اتلف في القفل.. ودقات الساعة كانت بتمشي ناحية نص الليل، ناحية النهاية اللي محدش في البيت ده كان عامل حسابها أبداً!

فضلت رضوى واقفة مكانها، ضامة طرد بنتها منة لسيادتها ومستنية تسمع كلمة حنينة، بس المطبخ والصالة ما كانوش حاسين بيها أساساً.

قال لها مصطفى بنبرة لوم: «ما عدتيش على السوبرماركت وأنتِ راجعة ولا إيه؟»

ردت رضوى بصوت مكسور: «نسيت..»

هز مصطفى رأسه بقلة صبر وتهكم: «بقيتي تنسي كتير أوي اليومين دول يا رضوى!»

مدت رضوى إيدها وسلّمت الطرد لمنة، فخطفته بنتها وقالت بلهفة ومش شايفة أمها أصلاً: «أخيراً! الحمد لله، ده أنا محتاجاه ضروري بكرة!».. وشقت الكرتونة بضوافرها ورمت الورق على الأرض من غير ما ترفع عينها ولا تقول حتى كلمة شكراً.

جه صوت الحاجة أم مصطفى من الصالة بتزعق وتأن: «يا رضوى.. أنتِ فين كل ده؟ أنا ما حطيتش لقمة في بوقي من ساعة الغدا!»

شالت رضوى شنطتها ودخلت على المطبخ وعينها مدمعة.. عملت لهم مكرونة بالصلصة عشان أنجز وأسرع حاجة. سخنت صلصة حماتها لوحدها من غير ثوم عشان معدتها ما تتعبهاش.. وبشرت جبنة زيادة على طبق ابنها أحمد زي ما بيحب.. وشالت الفلفل والأولوان من طبق بنتها منة عشان ما بتبلعوش.. وسابت طبق مصطفى متغطي وسخنته له تاني لما قعد يستنى شوط الماتش الأولاني يخلص عشان ياكل.

تعبت وعملت كل حاجة.. ولا مخلوق فيهم قال لها “يسلم إيديكي”!

بعد الأكل.. مصطفى ساب طبقه ومشي، وأحمد حط طبقه الوسخ فوق طبق أبوه على الترابيزة وسابهم ومشي. ومنة اختفت في أوضتها فوق بالطرد الجديد. والحاجة أم مصطفى نادت عليها عشان تجيب لها شريط علاج الضغط وكوباية المية.

على الساعة 10:30 بالليل، خرج مصطفى من الأوضة وهو لابس القميص اللبني اللي كويته له رضوى الصبح ومكوي زي المسطرة.

بصت له رضوى وقالت بصوت خافت: «أنت لسه رايح عشاء طه صاحبك؟»

رد وهو بيعدل الياقة قدام المراية: «أكيد طبعاً، امال هسيب الناس وأقعد؟»

قالت له وهي بتبص للسيارة في الشارع: «كنت فاكرة.. يعني.. ممكن نقعد مع بعض شوية الليلة دي؟»

تكشيرة مصطفى اتعلمت على وشه وكأنها بتطلب حاجة عيبة أو غريبة: «الليلة دي؟ يا رضوى ما أنا قايلك على المعاد ده من أسبوعين! مالك فيه إيه؟»

«عارفة..»

«خلاص، أبقى أخرجك أو نعمل أي حاجة بقية الأسبوع ده.»

سألته بنبرة فاضية من أي أمل: «ليه؟»

كان بيقفل أكرة ساعته الدهب في إيده، وبص لها بغرابة: «عشان أي حاجة كنتِ عايزة تعمليها وخلاص!»

فضلت رضوى مبلمة فيه وساكتة.. قرب منها باس جبهتها من فوق لتحت وكأنه بيأدي واجب وثقيل عليه، وقال لها: «ما تستننيش.. نامي أنتِ.»

وقفلت وراه البوابة بصوت خبطة تقيلة هزت الشقة.

على الساعة 11:58 بالليل.. ولعت رضوى شمعتها المكسورة على كيكة السوبرماركت. وعلى الساعة 12:04.. قامت غسلت المواعين وشطبت المطبخ وسابته بيبرق. وعلى الساعة 12:17.. طلعت أوضتها، وطلعت شنطة سفر صغيرة مخفية ورا الدولاب.

ما كانتش ببتلم حاجتها بغضب ولا بعياط.. الغضب كان هيبقى أسهل بكثير، الغضب بيدي طاقة، لكن هي كانت ميتة من جوة وباردة زي التلج.

طوت بتأني تلات قمصان، وبنطلونين جينز، والجاكت الكحلي الأنيق اللي بتحبه، وحاجات النظافة الشخصية، وكوتشي خفيف، والفستان الكحلي السادة اللي ما لبستوش من ست سنين كاملة.

ومن آخر الدرج تحت.. سحبت أجندة جلد قديمة. جوة الأجندة كانت شايلا كارت بوسطة قديم فيه صورة مدينة دهب بسيناء والمناظر الطبيعية الخلابة، فيها بيت أبيض صغير بين شجر الزيتون وحيطان دافية.

وعلى ظهر الكارت، بخط إيد رضوى الصغير بتاع زمان، كانت مكتوبة جملة واحدة: «في يوم من الأيام.. هاجي هنا، من غير ما أستأذن من حد عشان أبقى عايزة حاجة لنفسي!»….يتبع للجزء الثاني 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *