ج2 حق نفسي عليا بقلم نرمين عادل همام
ج2
الكارت البوسطة ده كان مريضة عجوزة هي اللي أهدتهولها في المستشفى من يجي اتناشر سنة..
الست دي كانت أصلها من مدينة “دهب”، وقضت آخر أيامها في الدنيا وهي بتحكي لـ “رضوى” عن أوقات الفجرية الهادية هناك، وعن ريحة العيش التازة الطالع من الفرن البلدي اللي على أول الممشى، وعن هدوء البحر مع الجبل في الخريف لما الشروق يخلي المية والجبال ألوانهم دهبي صافي في شهر أكتوبر.
ساعتها رضوى وعدتها إنها هتزور المكان ده في يوم من الأيام وتشوف الروقان ده بعينها..
بس الدنيا خدتها.. منة احتاجت تقويم لسناتها ومصاريف دروس.. وأحمد اتكسرت ذراعه وهو بيلعب كورة ونزلت تجري بيه على المستشفيات.. ومصطفى غير شغله وساب الشركة وقعد فترة عقبال ما يظبط حاله.. وحماها (أبو مصطفى) اتوفى وساب الحاجة أم مصطفى في رقبتها..
دايماً كان فيه سبب يخليها تتأخر.. حجة تطلع عشان تأجل أحلامها!
فتحت رضوى برنامج البنك على الموبايل بخطوات ثابتة.. على مدار يجي أربع سنين، كانت بتقتطع مبالغ بسيطة قوي من الجمعيات اللي بتدخلها ومن الماهية كل شهر، وتحولها لحساب تحويش على جنب.. مرة خمسين جنيه.. مرة مية.. وأوقات عشرين جنيه بس لما الجمعية تزنق.
كانت دايماً بتمشي حالها وتقول دي “فلوس طوارئ للبيت والعيال”. بس وهي قاعدة على أرضية أوضة النوم جنب شنطتها الصغيرة، فهمت الحقيقة.. الفلوس دي ما كانتش للطوارئ، دي كانت نقطة الأمل الوحيدة اللي كانت مخبياها عن نفسها عشان تقدر تتنفس!
على الساعة 4:40 الصبح، والبيت كحل وساكت زي المقابر، نزلت رضوى على المطبخ بالراحة.. شغلت الكتل وعملت شاي باللبن ودفت اللبن للحاجة. لفت سندوتشات أحمد في الفويل وحطتها على الترابيزة. حطت شريط علاج الضغط والسكر بتوع الحاجة أم مصطفى جنب الكوباية. ولقت قميص مصطفى اللبني مرمي في الغسيل ومبلول ومبقع بالمشروب اللي تدفق عليه لما رجع سكران بالليل وشبعان هيصة.. سابته زي ما هو ومسكتش حتى تصبنه!
طلعت الأوضة تاني، وسحبت ورقة وقلم.. وكتبت جواب.
ما عاتبتش حد.. ما هددتش بطلاق.. ولا عدت المعاير والمصايب والتضحيات اللي اندفنت تحت رجليهم..
كتبت تلت جمل بس.. جمل تقصم الضهر:
«قضيت سنين طويلة من عمري بتأكد إن مفيش مخلوق في البيت ده يحس بالوحدة ولا الضيق، لدرجة إني ما لاحظتش أنا قعدت وحدي وعايشة في ضلمة بقالي قد إيه.
أنا بخير وما تخافوش عليا.. أنا مش بتهرب منكم ولا ببيع، بس محتاجة أرجع أتدور على الحتة اللي ضاعت مني وزماني سبتها ورايا.»
حطت الورقة على السرير جنب الشمعة المكسورة المحروقة.
الساعة 5:35 الصبح.. شالت رضوى شنطتها الخفيفة وحطت الكوتشي في رجلها وخرجت بالراحه. عربيتها (اللي كانت جايباها بالقسط لخدمة البيت) كانت مركونة تحت، بس ما رضيتش تاخدها.. سابتها عشان مصطفى يحتاجها وهو رايح الشغل. حتى وهي ماشية وبتاخد قرار حياتها، كان فيه جزيء جواها بيحن ويحاول يسهل عليهم العيشة!
مشت تلت شوارع كاملين في الهوا البارد بتاع الفجرية، لحد ما وصلت لموقف أتوبيسات الوجه القبلي وسيناء على أطراف البلد. أول ما الأتوبيس وصل، ركبت وقعدت جنب الشباك، وحطت كارت البوسطة القديم في حجرها.
ومع تحرك الأتوبيس واختفاء الشارع اللي عاشت فيه سنين ورا السحاب، حسيت بوجع ذنب ومغص في بطنها رهيب.. لدرجة إنها كانت هتقوم تقول للسواق “نزلني والنبي”.. بس في اللحظة دي.. الشمس بدأت تشق السماء نهار جديد فوق الصحرا والطريق السريع.
بصت رضوى للكلام اللي كتبته بخط إيدها زمان على ظهر الكارت: «في يوم من الأيام.. هاجي هنا، من غير ما أستأذن من حد عشان أبقى عايزة حاجة لنفسي!»
ضمت الكارت لقلبها وقرصت عليه.. ولأول مرة في حياتها، “اليوم ده” جه بجد!
على الساعة 6:20 الصبح.. صحي مصطفى على ريحة الشاي والهدوء. مد إيده على السرير.. ناحية رضوى كانت فاضية ومكانها بارد. ما استغربش.. رضوى دايماً بتصحى قبله وتسبق الكل.
قام اتوضى وصلى ونزل الصالة: «رضوى؟» مفيش رد.
دخل المطبخ لقى الشاي جاهز، وسندوتشات أحمد ملفوفة، وعلاج أمه محطوط على الترابيزة.. كل حاجة في مكانها بالملي. ما عدا “رضوى”!
صوته على أكتر وهو بينادي: «رضوى! أنتِ فين يا ست أنتِ؟»
نزلت بنتها منة وهي ماسكة الموبايل وبتقلب فيه بنكد: «هي فين بابا؟ عايزاها توقعلي على ورقة التنسيق دي ضروري قبل ما أنزل!»
وخرج أحمد من أوضته وراه وهو بيمسح عينيه: «أمي ما صَحتنيش ليه النهار ده؟ التأخير ده هيعملي موال في المدرسة!»
طلعت الحاجة أم مصطفى على عكازها تسحب رجلها بزهق: «فيه إيه يا مصطفى بتجعجعوا ليه من النجمة؟»
طلع مصطفى على الأوضة فوق يدور عليها.. الهدوم في الدولاب زي ما هي، بس لمس إن الجاكت الكحلي بتاعها مش موجود.. والشنطة الصغيره الضائعة من زمان مش في مكانها.
ولمحت عينه الشمعة المكسورة اللي سايحة على الكمودينو الأول.. وجنبها ورقة مطوية.
مسك الجواب وقراه مرة.. مرتين.. الكلمات كانت بسيطة، بس نزلت على صدره زي قبضة حديد كتمت نفسه!
خطفت منة الورقة من إيده وقرتها، وشه تغير والدم هرب من عروقها قبل ما توصل للسطر الأخير: «يعني إيه كانت حاسة بالوحدة؟ إحنا عملنالها إيه؟!»
محدش فرد ولا نطق.
وفي اللحظة دي.. عينيها راحت للنتيجة المتعلقة على الحيطة عند الباب. كان فيه دايرة كحلي محفورة بحبر جاف على تاريخ إمبارح: 17 أكتوبر.
«يا نهار أسود..» همست منة وصوتها بيترعش.
مصطفى بص للنتيجة، وعينيه اتسعت من الذهول.. أحمد اتسمر في أرضه وما قدرش يتحرك خطوة. الحاجة أم مصطفى قعدت على حافة السرير ببطء ودموعها نزلت من غير صوت.
غطت منة بوقها بإيدها والدموع بتغرق وشها: «إمبارح كان عيد ميلاد أمي.. وإحنا طحناها طلبات وما افتكرناش!»
السكوت التقيل الكئيب اللي خيم على البيت في اللحظة دي.. كان أول حاجة في بيت “مصطفى” تكون ملك لـ رضوى لوحده
تلفون رضوى ما بطلش هز ورن من قبل ما الأتوبيس حتّى يخرج من زحمة الموقف ويطلع على الصحراوي!
اتصل مصطفى الأول.. وبعده منة.. وبعدهم أحمد.. ورجع مصطفى رن تاني زي المجنون.
جروب الواتساب بتاع العيلة اتقلب هيصة ورسايل ناطة فوق بعضها:
«أنتِ فين يا رضوى؟!»
«أنتِ خدتي المفتاح الاحتياطي معاكي ولا رميتيه فين؟»
«أمي الحاجة هتاكل إيه على الغدا النهار ده؟»
«باسورد غاز الشقة كام؟ العيال عايزين يتغدوا!»
«يا ماما.. ترينج الكورة بتاعي مش لاقيه، دورت عليه في كل حته!»
رضوى كانت بتبص على الشاشة وتقرا كل كلمة بتنزل.. من غير ما تمد صباعها وترد بكلمة واحدة. ولا مخلوق فيهم سألها: “أنتِ عاملة إيه؟” أو “أنتِ كويسة؟”.. الكل بيسأل عن خدماته ومصالحه!
على الساعة 9:14 الصبح، كتبت لهم رسالة واحدة على الجروب:
«أنا بخير وما تقلقوش عليا.. محتاجة كام يوم مع نفسي. أرجوكم محدش يدور عليا ولا يجي ورايا.. أنتم كبار وتقدروا تشيلوا بعض وتخدموا نفسكم.»
ترددت ثانية.. وقبل ما تقفل الموبايل زادت جملة أخيرة:
«أنا بس بحاول أرجع رضوى اللي ضاعت مني.»
وقلبت التلفون صامت وحطته في قعر الشنطة!
“دهب” كانت طالعة في الشمس زي الصورة اللي في كارت البوسطة بالظبط..
الأتوبيس نزلها عند الموقف القديم القريب من الممشى.. مبنى صبغير وهادي، ووراه الشارع الرئيسي متزين بشجر النخيل والورد وبحيرة البحر الدهبية بتلمع تحت شمس أكتوبر. الميناء والمحلات الهادية، والمباني البيضا المصطفة على الشاطئ.
أول ما حطت رجلها على الرصيف وشالت شنطتها على كتفها، أخدت نفس عميق.. عميق أوي لدرجة إن صدرها اتملى بريحة الهوا النظيف واليود وريحة العيش البلدي الطالع من الفرن!
مفيش مخلوق مستنيها.. مفيش حد محتاج منها حاجة.. ولأول مرة من سنين طويلة، رضوى مفيش مكان مطلوب منها تكون فيه بالسيف والإكراه!
مشيت على الممشى لحد ما وصلت للوكاندة صغيرة اسمها “بيت النجمة”.. بنسيون من دورين بحيطان بيضا وشبابيك أزرق جرافي وشرفة مطلة على الممر والبحر.
صاحبة البنسيون، ست طيبة شعرها أبيض اسمها الحاجة “زينب”، سلمتها مفتاح نحاس ثقيل: «أوضة نمرة سبعة يا بنتي.. الفطور من سبعة لعشرة الصبح، بس لو راحت عليكِ نومة محدش هيصحيكي ولا يقلقك.»
رضوى كانت هتضحك من قلبها بس العبرة خنقتها: «أنا أصل صحياني دايماً من خمسة الصبح!»
ردت الحاجة زينب بابتسامة حنونة: «يبقى جه الوقت اللي تزعلي فيه المنبه وتطنشيه شوية يا حبيبتي!»
الأوضة كانت مدهونة بدرجة أزرق سماوي هادي.. حطت رضوى الشنطة على السرير ووقفت في وسط الأوضة في السكوت.
في بيتها.. السكوت كان معناه دايماً إن فيه مصيبة، أو حد زعلان، أو حد طالع ينادي عليها عشان حاجة! أما هنا.. السكوت ما كانش معناه أي حاجة خالص!
الحظر والهدوء ده كان المفروض يريحها.. بس في الأول، رعبها ونشّف دمها!
طلعت هدومها وحطتها على الكومودينو.. وبعدين رجعت لمتها تاني في الشنطة من التوتر! قعدت جنب الشباك.. قامت وقفت.. دخلت الحمام طمنت على الفوط.. ورتبت أدوات التواليت على الحوض تاني.
على الساعة 3:30 الفجر، فتحت أبليكشن الأتوبيسات على الموبايل.. لقيت فيه أتوبيس راجع القاهرة الساعة 6:15 الصبح. صباعها وقف فوق زرار “تأكيد الحجز”..
جيه في بالها منظر الحاجة أم مصطفى وهي مستنية العلاج.. ومنظر أحمد وهو بيدور على الترينج ومش لاقيه.. ومصطفى وهو بيحرق الفطار وبيبرطم..
تأنيب الضمير كان جارف وشارب من حنيتها لدرجة إنها لثواني ما عرفتش تفرق بين الإحساس بالذنب والإحساس بالحب!
وفجأة.. كارت البوسطة وقع من الأجندة ونزل جنب رجلها على الأرض. قرت الجملة تاني بخط إيدها: «من غير ما أستأذن من حد عشان أبقى عايزة حاجة لنفسي!»
رضوى قفلت الأبليكشن.. وبدأت تبكي! مش بعياط صاخب ولا صريخ.. بكت بكسرة وهدوء زي الناس المهدودين لما يوصلوا لأول مرة لمكان أمان محدش سامع فيه أنينهم!
تاني يوم الصبح.. صحيت رضوى الساعة 8:47! لثانية واحدة اتخضت وقامت مفزوعة، افتكرت إن شفت المستشفى راح عليها! وبعدين افتكرت هي فين.. فتنهدت وبصت للسقف.
لبست الجاكت الكحلي ونزلت تمشي في الممشى الداخلي لدهب.
دخلت كافيه ورستوران على البحر اسمه “روقان”.. السنت اللي واقفة ورا الكاونتر سألتها: «شاي مظبوط ولا قهوة بسكر زيارة؟»
رضوى كانت هتجاوب بالطريقة اللي مصطفى بيحبها.. بس وقفت ولسانها اتقعد. «مش عارفة..»
ابتسمت البنت: «أول فنجان قهوة النهار ده؟»
ردت رضوى: «لا.. أول مرة في حياتي أختار حاجة لنفسي من غير ما أطلب لغيري الأول!»
البنت بصت لها بذكاء وفهمت، وحطت قدامها فنجانين صغيرين: «جربي الاتنين على حساب المحل!»
دقت رضوى الأولى.. كانت قهوة بالبندق والكريمة. ودقت التانية.. قهوة سادة مظبوطة. قالت وهي بتشاور على قهوة البندق: «دي عجباني أوي!»
ابتسمت البنت: «يبقى هي دي اللي تلزمك!»
أخدت رضوى الكوباية وقعدت على ترابيزة قدام البحر مباشرة. كانت فيه ست عجوزة سائحة فرنسية أو أجنبية قاعدة قريب منها، بتسم بفرشاة ومية في كشكول رسم.
بصت لرضوى وسألتها بالعربي المكسر: «زايرة جديدة؟»
ضحكت رضوى: «هو باين عليا أوي كده؟»
«باين عليكِ إنك مستنية حد يقولك تعملي إيه الخطوة الجاية!»
رضوى بصت لفنجان القهوة.. الست قفلت كشكول الرسم وقالت لها بابتسامة حكيمة: «أنا اسمي لويز.. هل بتهربي من حاجة يا رضوى؟»
فكرت رضوى تكذب.. بس قالت بصراحة: «أنا بجرى ناحية حاجة.. بس لسه مش عارفة هي إيه بالظبط!»
هزت لويز رأسها كأن الكلام لمس جرح قديم عندها: «يبقى اشربي القهوة قبل ما تبرد.. الناس اللي شبهنا بيقضوا نص عمرهم يسخنوا الأكل والشاي اللي نسوا يستمتعوا بيه وهو طازة!»
ابتسمت رضوى وحست بإن قلبها بيتفتح للدنيا من جديد.
وفي نفس الوقت في القاهرة.. كان مصطفى بيتكتشف لأول مرة كمية “الشغل السحري والخدمات المستترة” اللي كانت رضوى بتعملها عشان البيت ده يفضل واقف على حيله!
في أول صباحية.. عمل القهوة بنفسه، وحط معلقتين زيادة. أحمد خد بؤ وطفه بقرف: «إيه النكد ده يا بابا! القهوة طعمها زفت وممررة أوي!»
مصطفى كان هيزعق فيه.. بس افتكر إنه قال نفس الجملة بالظبط لرضوى في عيد ميلادها! بلع ريقه وشرب الفنجان كله لسانه بيتحرق.
منة ما كانتش عارفة تلاقي استمارة الورق بتاع التنسيق: «يمكن في مكتب ماما جوة؟» مصطفى بزعيق: «ما تدوري في المكتب!» منة بقلة حيلة: «ماما هي اللي مرتبة كل الأوراق والشهادات!» «خلاص اتعلمي نظامها!» «أنا معرفش نظامها إيه!»
ولا مصطفى كمان كان يعرف!
هو كان يعرف إن رضوى بتدفع فاتورة المية والنور يوم 12 في الشهر.. وكان يعرف إنها بتشتغل أربع نبطشيات في الأسبوع كل نبطشية عشر ساعات.. وكان يعرف إن علاجات أمه محطوطة في علبة بلاستيك بيضا.. بس ما كانش يعرف اسم الصيدلية اللي بتتعامل معاها! ولا يعرف معاد أحمد الجاي عند دكتور الأسنان متى! ولا يعرف ليه منة كانت قاعدة بتبكي في الحمام يوم التلات اللي فات!
هو كان عارف “المكنة” اللي بتدير حياته.. بس ما كانش يعرف “رضوى” الإنسانة!
خلال ما هي بتدور في مكتب أمها على الاستمارة، لقت منة صورة قديمة متدارية بين الكتب. رضوى ما كانش سنها أزيد من سنتين وعشرين سنة! واقفة قدام قصر العيني، لابسة جاكت جينز ومعلقة كاميرا تصوير احترافية في رقبتها.. شعرها الطويل متساب، وضحكتها واسعة ومن القلب من غير أي هم!
على ظهر الصورة، كانت مكتوبة جملة بخط يدها: «أول استلام شغل في التمريض.. أول ماهية كاملة! الهدف الجاي: أصور كل حتة جميلة في مصر الناس بتعدي من جنبها وما بتاخدش بالها منها!»
منة فضلت مبلمة في الصورة.. الست اللي في الصورة دي كانت أمها.. بس في نفس الوقت كانت حد تاني خالص، شخصية عمرها ما شافتها ولا عرفتها!
نزلت بالصورة الصالة وهي مذهولة: «بابا.. أنت كنت تعرف إن ماما بتحب التصوير وكان عندها كاميرا؟»
مصطفى بص للكاميرا المعلقة في رقبة رضوى في الصورة وقايل بتلعثم: «أنا.. أنا كنت عارف إن كان عندها كاميرا زمان أول ما اتقابلنا.»
ردت منة بنبرة حادة: «أنا مش بسألك كان عندها كاميرا ولا لأ.. بسألك كنت تعرف إن ده شغفها وتحبه؟!»
مصطفى ما لقاش رد يقوله!
أحمد كان قاعد على السلم برة بيسمع الكلام.. افتكر الجاكت الكحلي اللي أمه أخدته معاها. الجاكت ده كانت أمهم بتبسه في الأيام اللي عايزة تحس فيها إنها شيك وحلوة.. وهو عمره ما سألها ليه بتحب الجاكت ده بالذات، كان دايماً بيسألها بس: “شاحني فين يا ماما؟!”
في العصرية.. أحمد مسك التلفون وبعت لرضوى رسالة: «وحشتيني يا ماما..»
فضل مبلم في الشاشة لحد ما ظهر جنب الرسالة إنها وصلت .. ولأول مرة في حياته، أحمد فهم يعني إيه تنتظر حد من غير ما تطلب منه يعملك أي حاجة!
إدراك الحاجة أم مصطفى كان أبطأ شويه.. بس نزل عليها كالمطر. اتفرجت على مصطفى وهو بيحرق الرز في المطبخ.. وشافت منة وهي بتعجن الغسيل وبتوظ التيشرتات البيضا لما حطت معاهم فوطة حمرا.. وشافت أحمد وهو بيجعجع وزعلان لأن محدش غسل له طقم التمرين.
كان أول رد فعل في دماغ الحاجة إنها تقول: “رضوى هي اللي كانت هتعرف تتصرف وتظبط كل ده!” بس لأول مرة.. سمعت القسوة والأنانية المخفية جوة الجملة دي! رضوى كانت بتعرف تعمل كل حاجة.. لأن الكل كان راميها ومستني منها هي اللي تعمل!
الحاجة أم مصطفى كانت طول السنين اللي فاتت بتمدح رضوى وتقولها: «أنتِ شديدة يا رضوى وبتسدي..» «أنتِ دايماً بتصرفي وتدبري..» «أنا مش عارفة البيت ده كان يعيش إزاي من غيرك!»
كانت فاكرة إن الكلام ده “ترقية وجبر خاطر”.. بس دلوقتي فهمت إن الكلمات دي كانت كارت بلانش ورخصة عشان يفضلوا يستنزفوها وياخدوا منها من غير ما يدوا!
في الليلة التانية.. مصطفى اتصل برضوى تاني. رضوى كانت باصة لاسم “مصطفى” وهو بينور ويطفي على شاشة التلفون في الظلمة.. لحد ما الرنة سكتت من حالها!
ورجع اتصل بيها تاني يوم الصبحية…يتبع للجزء الثالث
