ج1 انا وولادي حكايات اماني سيد

ج1

ابنى الصغير كان عايز يتجوز وجاب شقه على الطوب الاحمر وانا حبيت اساعده فقررت انى ابيع الشقه اللى قاعده فيها واديله فلوسها يتجوز بيها وفعلا بعت الشقه بتمن كبير حدا واديته اكتر من نص الفلوس عشان يجهز شقته ويشترى العفش واخدت بعضى وروحت قاعدت عند ابنى بس مشكله ابنى الكبير إن ظروفه وحشه وشقته غرفتين وصاله روحت قعدت معاه وحكتيله اللى حصل وحسيته اتضايق لكن انا قولتله فتره وهاجر شقه وامشى بعد ما ابنى جهز الشقه وخاص كل حاجه رجع طلب منى مبلغ كبير عشان يسافر شهر العسل وقتها وافقت وادتله باقى الفلوس واتبقالى مبلغ صغير قولت اخليه لو حصل ازمه
ابنى الكبير فى يوم ابنه تعب وطلب منى ٥٠٠٠ جنيه سلفه عشان يعالج ابنه ويعمله عمليه وقتها رفضت وقولتله مش معايا واخوك اخد الفلوس كلها ولو معايا كنت هديك وقتها ابنى وشه اتغير وقالى ادتيله مليون جنيه ومستخسره فيه جزء من عمليه ابنى وقتها شديت معاه وقولتله انت مالك وبطل غيره من اخوك سابنى ومشى ومقالش ولا كلمه زياده واستلف من صاحبه وباع التلفزيون عشان يعرف يجيب العلاج بعد اسبوع رجعوا البيت تانى كنت لسه موجوده بس من ساعه ما رجعوا ومراته مابقتش تعمل اكل زى الاول بقت كل يوم مكرونه وبطاطس فول وطعميه تونه اللحوم اتقطعت خالص من البيت
وقتها حسيت انها عايزه تطفشنى من البيت عشان ماسعدتش ابنى وقررت انى انا اللى اطفشها واخفف على ابنى مصاريفها هى وعيالها وفعلاً من تانى يوم بدات اتلكك لها ولما يجيى ابنى كنت اشتكيله واقوله مراتك شتمتنى وبتستخسر فيه الاكل وكان ابني يرجع من شغله مهدود حيله، يلاقيني مستنياه عند الباب، أعيط وأمثل عليه وأقوله: “شفت مراتك عملت فيا إيه طول النهار؟ دي بتقل أصلها معايا وبتقولي إنتي قاعدة خساره علينا وبتضايقيني في أكلي وشربي!”، وابني من كتر القهر والهم اللي فيه، كان يبصلي بعيون طافية ويقولي: “حقك عليا يا أمي، معلش استحمليها عشان خاطري”.
مراته كانت تقف ساكتة، دمعتها على خدها وما تفتحش بقها بكلمة، تحضر العشاء البسيط اللي موجود في البيت وتدخل تقفل على نفسها وعيالها. وأنا كنت فاكرة إني بكده بكسر عينها وبخلي ابني يكرهها أو يطردها هي وعيالها، لحد ما جه اليوم اللي كل حاجة اتكشفت فيه على أصلها. في يوم كان ابنها الصغير تعبان ورجع له التعب تاني، وكان محتاج علاج غالي
وابني الكبير جه يتكلم معاها بالراحة وبيسألها: “هو إنتي ليه مابقتيش تطبخي لحمة ولا فراخ خالص وبقت أكلتنا كلها بطاطس ومكرونة؟”، وقتها هي ما استحملتش وقعدت تعيط بحرقة وقالتله: “أنا مابقتش أجيب لحمة ولا فراخ عشان أوفر كل جنيه بيجي في أيدي عشان العلاج بتاع ابنك اللي لسه ما كملش! وعشان أجمع الفلوس اللي استلفتها من صاحبك والتليفزيون اللي بعته عشان العملية! أنا باكل ولادي وباطعمهم بأقل مصاريف عشان البيت ما يتقفلش وعشان أسترنا قدام أمك اللي فاكرة إننا بنستخسر فيها الأكل!”
ابني بصلها بذهول، وبعدين بصلي أنا.. عيونه كانت فيها كمية وجع وكسرة هدّتني مكاني. جه قعد تحت رجلي وقال بنبرة مكسورة هدت كياني: “ليه يا أمي؟ أنا قصرت معاكي في إيه؟ أنا شقتي ضيقة بس فتحتها لك من كل قلبي، وبعت أغلى ما عندي عشان أعالج ابني لما رفضتي تسلفيني من الملايين اللي اديتيها لأخويا.. وبرضه مراتي اللي شيلانا وشيلاكي فوق رأسها طالعة تشتكي منها وتفتري عليها؟”
وفجأة، وسط السكون المريب اللي لف الصالة وصوت شهقات زوجة ابني، رن تليفوني في إيدي. بصيت في الشاشة لقيت اسم ابني الصغير.. اتنهدت بلهفة وفتحت السبيكر وأنا فاكرة إن المكالمة دي هي طوق النجاة اللي هينقذني من موقف الضعف والكسرة اللي بقيت فيه قدام ابني الكبير ومراته. رديت بنبرة متقطعة ودموعي على خدي: “أيوه يا حبيبي.. أهلاً يا ابني.” جالي صوته من الناحية الثانية، بس ما كانش الصوت الحنين اللي متعودة عليه، كان فيه استعجال ولا أبالية غريبة، وقال: “أهلاً يا أمي.. بقولك إيه، إحنا خلاص خلصنا شهر العسل وراجعين من السفر دلوقتي، وفي الطريق للبيت.”
قبل ما ألحق أرد أو أقوله ييجي ياخدني عنده، كمل كلامه بسرعة وبنبرة أمر: “معلش يا أمي، إنتي عارفة إني صرفت كل الفلوس في السفر والمصايف وما بقاش معايا ولا جنيه لحد ما أرجع الشغل وأقبض الشهر الجاي.. فاعملي حسابك تحوليلي مبلغ كده يمشينا الأيام دي أول ما نوصل، وظبطي لنا أكلة حلوة كده فيها فراخ وبطاطس ولحمة محمرة وحاجات تقيلة عشان راجعين من السفر جعانين ومش قادرين نعمل أكل!”
سكت تماماً.. الكلمات وقفت في زورى، وحسيت كأن حد ض.ربني على دماغي. بصيت للتليفون اللي في إيدي ومش مصدقة اللي سمعته.. ابني اللي اديته شقا عمري، الفلوس والملايين، بيكلمني بكل جفاء وكأني بنك أو خدامة عنده، مش حتى بيسألني أنا عاملة إيه ولا عايشة إزاي عند أخوه، وطالب مني أكل وفلوس تاني وهو عارف إنه أخد مني كل حاجة! ابني الكبير كان سامع كل كلمة خرجت من الاسبيكر. بصلي بنظرة مليانة حسرة ووجع، ما اتكلمش، لكن عينيه كانت بتقولي: “ده اللي فضلتيه عليا؟ ده اللي بعتي بيتك وبعتينى وعشان خاطره كل حاجة؟”
الدموع نزلت من عيني بحرقة، وإيدي كانت بظظ لدرجة إن التليفون أفلت مني ووقع على الأرض. رد ابني الصغير بصوت عالي من السماعة: “أمي! ألو! سمعاني؟ إنتي رحتي فين؟ بقولك جهزي الأكل والفلوس!” قفل السبيكر، وبصيت لابني الكبير ومراته اللي كانت واقفة تبصلي بألم، وحسيت وقتها بمرارة الجحود، وعرفت إن اليد اللي اتمدت بالخير واتردت بالإساءة، كانت يد المظلومين اللي في البيت الضيق ده.
مشيت بخطوات تقيلة وجسمي كله بيتمرجح من الصدمة، دخلت الأوضة وقفلت الباب عليا بالراحة، وسندت ضهري على الباب وأنا حاسة إن أنفاسي بتتخنق. مسكت التليفون بإيد بتترعش وطلبت رقم ابني الصغير سامح.. كنت بترجاه في سري إنه يرد عليا بحنية، إنه يمسح عني الكسرة والوجع اللي حسيته قدام أخوه ومرات أخوه.
أول ما رد، حاولت أجمع صوتي المكسور وقولتله بنبرة كلها توسل ورجاء: “سامح يا حبيبي.. يا ابني أنا تعبانة قوي ومش قادرة استحمل أكتر من كده.. القاعدة هنا عند أخوك بقت صعبة ومستحيلة، الشقة غرفتين وصالة وضيقة علينا كلنا، وأنا مش واخدة راحتي ولا قادرة أتنفس.. أنا بعت بيتي وشقا عمري عشانك يا سامح، عشان أجهزك وأفرح بيك.. تعالَ خدني أعيش معاك في شقتك الجديدة، دي شقة واسعة وكبيرة ومن خيري وخير فلوسي، تعالي يا ابني استرني وافتحلي بابك.”
سكت سامح لحظة، ومن غير أي رحمة ولا تقدير لكسرتي، جالي صوته قاسي وزي السكينة اللي اتغرست في قلبي، وقال بمنتهى الجحود: “إيه اللي بتقوليه ده يا أمي؟ أجي آخدك فين؟ إحنا عرسان جداد ولسه راجعين من شهر العسل، وعايزين نعيش حياتنا وناخد راحتنا في بيتنا! إنتي حابة تيجي تتطفلي علينا وتكتمي حريتنا ليه من أولها؟”
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة، ريقي نشف ودموعي انحبست في عيني من هول الصدمة، ولقيته بيكمل ببرود أشد: “وبعدين الشقة شقتي أنا ومراتي، ومش مستحملين حد زياده ولا وجود حد معانا.. تصرفي حالك عند اخويا ، هو أولى بيكي، ويا ريت ما تنكديش عليا في أحسن أيام حياتي وتطلبي الطلبات دي تاني!” وقفل الخط في وشي..
وقفت في نص الأوضة والتليفون في إيدي، سامعة صوت الصفارة بتاعة نهاية المكالمة بتعد في ودني زي دقات الساعة.. حسيت الدنيا كلها بتلف بيا، والحيطان بتضيق عليا، وعرفت إن السراب اللي جريت وراه عمى عيني عن الدهب الحقيقي اللي كان تحت رجلي وفي البيت الضيق اللي اترفضت فيه.. وقتها قررت انى اصلح غلطتى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *