ج الاخير تمن الغربة الكاتبة نرمين عادل همام

ج الاخير ورا كل باب حكاية

— أنا في الأول كنت باخد جزء صغير من الفلوس. وكنت فاكر إني هرجعه. بعدين احتجت فلوس أكتر. وكل كذبة كانت بتجيب وراها كذبة تانية. وكنت خايف سيد يعرف إني مش الراجل الناجح اللي كل الناس فاكراني عليه.
أمي سمعته في صمت.
وبعدين قالتله:
— يا ابني، إنت ما بقيتش فقير يوم ما الفلوس قلت.
وسكتت لحظة.
— إنت بقيت فقير يوم ما بدأت تستبدل كرامتك ومحبة الناس ليك بالمظاهر.
سامح عيط.
المرة دي محدش جري عليه يطبطب عليه.
كان لازم يحس بثقل اللي عمله.
بعدها بفترة قصيرة، عمرو أكدلي أخطر حاجة.
بعض المصاريف اللي سامح حاططها في الملف كانت مبالغ فيها، ومصاريف تانية ما كانش فيه أي طريقة يثبت إنها اتصرفت فعلًا.
قاللي:
— نقدر نتحرك قانونيًا.
كان معايا كل الأدلة.
التحويلات.
إيصالات العلاج.
التسجيل.
التوكيل اللي أمي مضت عليه وهي تعبانة.
وكل الورق الخاص بالإصلاحات اللي سامح كان بيدعي إنها حصلت.
كنت عايز أفضحه.
وفي نفس الوقت، كنت عايز أسامحه.
ما كنتش عارف أنهي قرار هو الصح.
مريم قالتلي جملة رتبتلي أفكاري:
— إنك تسامح مش معناه إنك تعمل نفسك ما حصلش حاجة. وإنك تطلب إن الشخص يتحمل نتيجة غلطه، مش معناه إنك عايز تدمر حياته للأبد.
قررت أعمل اجتماع أخير.
كان موجود أمي، وسامح، ونادية، والحاج فوزي، ومريم، وعمرو.
حطيت كل الورق على السفرة.
وقلت:
— البيت هيتباع.
وبعدين بصيت لسامح:
— والموضوع ده مش للنقاش.
سامح وطى راسه.
قلت:
— بس قدامك اختيارين.
— نرفع كل الورق للجهات المختصة، ونسيب الموضوع ياخد مجراه الطبيعي.
— أو تتنازل كتابيًا عن أي مطالبة ليك بالبيت، وتعترف بكل الفلوس اللي أخدتها واستخدمتها، وتلتزم إنك تسددها من شغلك، وتعتذر لأمك من غير أعذار.
الحاج فوزي دخل في الكلام:
— إيه الاستعراض ده؟ عايز البلد كلها تعرف اللي حصل؟
بشكل مفاجئ، نادية قامت.
— كفاية يا بابا!
كلنا بصينا لها.
قالت:
— إحنا وصلنا لحد هنا بسببك. طول عمرك بتعلمنا إن أهم حاجة نبين إننا ناجحين، حتى لو من جوا إحنا مش عايشين كويس.
وبصت لسامح.
— أنا ضغطت على سامح عشان كنت خايفة تقول إني اتجوزت واحد فاشل. وهو كذب عشان يفضل مبهرنا.
وبعدين بصت لأبوها:
— ودلوقتي لسه كل اللي فارق معاك الناس هتقول إيه!
الحاج فوزي ما ردش.
سامح قام من مكانه، ومشي ناحية أمي، وحاول ينزل على ركبته قدامها تاني.
مسكته من دراعه.
— لأ.
بصلي باستغراب.
— يا أمي…
قالتله:
— مش محتاجة أشوفك راكع قدامي.
وسكتت لحظة.
— محتاجة أشوفك واقف على رجلك، وتشتغل، وتعيش راجل محترم.
الجملة دي غيرت حاجة جواه.
بعد ما الكل مشي، أمي اعترفتلي بحاجة تانية.
قالتلي إن أبويا قبل ما يموت كان موصيها على سامح.
قال لها:
— سيد قوي ويقدر يعتمد على نفسه. سامح شخصيته أضعف ودايمًا مش واثق في نفسه. ما تسيبيهوش يضيع.
أمي خلطت بين إنها تحميه وبين إنها تغطي على غلطه.
وقالت وهي بتعيط:
— أنا كنت عارفة إنه بياخد الفلوس. بس كنت فاكرة لو قلتلك الحقيقة هتكرهوا بعض. وكنت خايفة كمان تسيب كل حاجة في الغربة وترجع عشان تدافع عني.
حضنتها.
وقلت:
— إنتِ كنتِ بتصغري نفسك عشان تخلينا نحس إننا كبار.
قالت:
— وكان ده غلط.
وسكتت.
— سكوتي وجعنا كلنا.
بعد كام شهر، بعنا البيت.
بجزء من الفلوس، اشتريت لأمي بيت أصغر بكتير في أطراف بلبيس.
كان فيه زرعة صغيرة، وحوش، ومساحة للزراعة، وحتة أرض أمي تقدر تزرع فيها طماطم وفلفل وكزبرة.
أول ما دخلته، بدأت تلف في كل أوضة بالراحة.
وبعدين خرجت للحوش.
بصتلي وقالت:
— ينفع أحط الفراخ بتاعتي هنا؟
ضحكت.
— حطي اللي إنتِ عايزاه يا أمي.
أمي بدأت تعيط.
وقالت:
— دلوقتي حاسة إن ده بيتي بجد.
أنا ما تخلتش عن سامح.
دفعتله مقدم شقة بسيطة، وإيجار أول شهر، وكلمت واحد أعرفه عشان يشغله عنده في ورشة ميكانيكا.
وقبل ما أمشي، حذرته:
— دي آخر مرة أحللك فيها أي مشكلة.
— اللي عليك هتسدده.
هز راسه.
— حاضر.
وفعلًا، بدأ يسدد.
نادية رجعتله في الآخر، لكنها اشتغلت في مكتب، وباعت شوية من الحاجات الغالية اللي عندها عشان تبدأ تسدد الديون.
مش عارف جوازهم هيكمل لآخر العمر ولا لأ.
اللي أعرفه إنهم بطلوا يمثلوا على نفسهم وعلى الناس إنهم عايشين حياة مش قادرين عليها.
الحاج فوزي كمان اتغير واحدة واحدة.
بطل يظهر كل شوية بزجاجات غالية وكلام عن مين عنده عربية أحسن.
بعد سنة، قررت ما أرجعش للخليج تاني.
فتحت مشروع نقل وشحن صغير، واستفدت من شوية علاقات عمل كنت كونتها خلال سنين الغربة.
الدخل كان أقل.
لكن حياتي بقت أحسن.
وفي يوم بعد الضهر، كانت مريم بتزرع ورد مع أمي في الحوش.
طلعت خاتم بسيط واديته لمريم.
وقلتلها:
— قضيت عشر سنين بدور على مستقبلي.
بصيت لأمي ومريم.
— دلوقتي فهمت إن المستقبل اللي أنا عايزه مش بعيد. هو هنا.
وبصيت لمريم.
— تحبي تشاركينّي فيه؟
ابتسمت ودموعها في عينيها.
— أيوه.
وسكتت لحظة.
— بس بشرط.
ضحكت.
— إيه هو؟
قالت:
— ما نصدقش تاني إن السكوت هو طريقة من طرق الحب.
بصيتلها وابتسمت.
— موافق.
وبعد فترة، اتجمعنا كلنا يوم جمعة في بيت أمي.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *