تمن عمليه امي

الكاتبة نور محمد

​بس ربنا، اللي نجاني من المجزرة دي، كان مرتبلي مخرج تاني أطهر وأعظم.

​الرائد طارق، اللي كان بيتابع قضيتي بكل إنسانية وشهامة، رفض يسيبني في المحنة دي. أخد ورق أمي الطبي، وبنفسه راح لجمعية خيرية كبيرة ومستشفى حكومي متطور متخصص في الأورام. عرض حالة أمي كحالة إنسانية عاجلة لأسرة ضحية ج/ريمة كبرى. وفي أقل من 48 ساعة، كانت المستشفى وافقت تتكفل بعلاج أمي بالكامل على نفقة الدولة وتحت إشراف كبار الدكاترة، من غير ما أدفع جنيه واحد متلوث بالذل.

​مرت الأيام، والشهور. العصابة اتحكم عليهم بأحكام مشددة في قضية الإتجار بالبشر ومحاولة إحداث عاهة مستديمة. الست اللي كانت شايفة نفسها فوق البشر، بقت مجرد رقم في سجن النسا.

​وأنا؟ أنا حياتي اتغيرت 180 درجة.

لما أمي بدأت تتعافى وتاخد جلساتها بانتظام، حسيت إن روحي رجعتلي. قررت إني مش هفضل “كارت محروق” زي ما الحي بتاعنا كان بيشوفني عشان عندي 35 سنة. قدمت على شغل إداري في نفس المستشفى اللي أمي بتتعالج فيها. اشتغلت بقوة، وبقيت بساعد المرضى اللي زي أمي، بهون عليهم، وبمسك إيديهم في عز وجعهم. لقيت نفسي، ولقيت قيمتي الحقيقية في مساعدة الناس وفي اللقمة الحلال اللي بكسبها بعرقي، مش ببيعي لنفسي.

​أخويا حسن اتغير تماماً. الرعب اللي عاشه خلاه يفوق لنفسه، نزل اشتغل في ورشة باليومية، وبقى يحط القرش على القرش عشان يصرف على البيت، ورجعله احترامنا ليه كراجل بجد مش مجرد ذكر في البطاقة.

​وفي يوم، كنت طالعة من شيفت الشغل في المستشفى، لقيت الرائد طارق واقف بعربيته برة. كان لابس مدني، وابتسامته الهادية اللي بطمن بيها موجودة على وشه.

قرب مني وقال باحترام شديد:

— “أمل… أنا شفت فيكي جدعنة وقوة بميت راجل. شفت بنت أصول، رفضت تبيع نفسها للموت، ووقفت على رجليها وبنت حياتها من الصفر عشان أمها. أنا يشرفني، لو تقبلي، إني أطلب إيدك من والدتك ومن أخوكي.. جواز في النور، وسط الناس كلها، تكوني فيه ست بيتي وتاج راسي.”

​بصيتله والدموع اتجمعت في عيني.. بس المرة دي دموع فرح، دموع انتصار.

في اللحظة دي عرفت إن ربنا لما بيقفل باب كان هيهلكنا، بيفتح بداله أبواب من النور والرحمة والعوض اللي ينسينا كل وجع. السن مجرد رقم، والفقر عمره ما كان مبرر لبيع الكرامة. أنا عندي 35 سنة، بس دي مكنتش النهاية… دي كانت البداية الحقيقية لحياتي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *