حماتي طلعتلي يوم الصباحية الساعة 7 الصبح، وأنا لسه عروسة جديدة وهى بتنهج وبتقولى نسيت بليل اديكى الحبوب دى ، ومدتلي إيدها بشريط منع الحمل وقالت: — خديه يا حبيبتي، إحنا مش عاوزين عيال دلوقتي… سنتين تلاتة كده. بصيتلها باستغراب وقلت: — ليه يا حماتي؟ ضحكت وقالت: — لا يا حبيبتي، متبهدليش نفسك من أولها. انبسطي بحياتك الأول مع جوزك، اخرجوا واتفسحوا وسافروا، وبعد كده ابقوا فكروا في الخلفة. بصيت للشريط في إيدي وقلت: — حاضر. وقبل ما تسيبني وتمشي، رجعت تاني عند الباب وقالت: — آه، نسيت أقولك… ظبطي المنبه كل يوم وخديه في ميعاده، متنسيش. ضحكت وقلت: — حاضر يا حماتي، متقلقيش. هزت راسها وقالت: — أنا مش بقولك كده من نفسي، ده ابنى عارف ومتفق معايا. الكلمة دي طمنتني أكتر، خصوصًا إني كنت لسه في أول يوم ليا مع جوزي، وقلت أكيد عايزين يعيشوا حياتهم شوية قبل الأطفال. لكن اللي مكنتش أعرفه وقتها… إن قرار تأجيل الخلفة ده ماكانش عشان ننبسط ونعيش حياتنا زي ما قالت حماتي. كان وراه سبب تاني تمامًا… خدت الشريط منها وقلت لها حاضر، وأول ما خرجت من الأوضة خبّيته في درج هدومي. كنت كل يوم أطلع واحدة من الشريط، وأرميها في الزبالة من غير ما آخدها. مش عارفة ليه، بس من جوايا كنت رافضة فكرة إني أمنع نفسي من الخلفة عشان حد تاني. جوزي كان عارف إن ماما طلبت مني آخد الحبوب، وكان فاكر إني ملتزمة بيها، وكل يوم يسألني: — خدتي الحباية؟ وأنا أقول له: — أيوه. وكنت مستنية أشوف هنوصل لإيه. عدى شهر… واتنين… لحد ما في الشهر التالت بدأت أحس إني تعبانة طول الوقت، وبشم روايح الأكل بطريقة غريبة، والدورة اتأخرت. عملت اختبار حمل وأنا لوحدي. ولما النتيجة ظهرت قدامي، فضلت أبص عليها وأنا مش مصدقة. أنا حامل! فرحت من قلبي، وفي نفس الوقت خوفت من رد فعل جوزي وحماتي. رجع جوزي من الشغل، وأول ما عرف إني حامل، وشه اتغير. مش من الفرحة… من الصدمة. وقال لي: — حامل؟! قلت له وأنا بضحك من الفرحة: — أيوه… هنخلف يا حبيبي. سكت شوية، وبعدها قال: — بس إزاي؟ وقتها فهمت إن الموضوع مش مجرد اتفاق على تأجيل الخلفة. وبعدها بدقايق، دخلت حماتي علينا، ولما عرفت إني حامل، بصتلي بنظرة غريبة وقالت: — يعني إنتِ مكنتيش بتاخدي الشريط؟ اتصدمت وسألتها: — إنتِ عرفتي منين؟ ساعتها حماتي سكتت… وبصت لابنها، وكأنها مستنية منه هو اللي يقول الحقيقة. لكن جوزي قال جملة خلتني أحس إن الأرض اتسحبت من تحتي: — ماما… خلاص، هي لازم تعرف كل حاجة. «ماما… خلاص، هي لازم تعرف كل حاجة.» نزلت الجملة عليا زي المية الساقعة، وقفت مكاني مش قادرة أتحرك ولا حتى أرمش، ونظرات جوزي وحماتي لبعض كانت مليانة ارتباك وخوف، وكأنهم اتكشفوا في حاجة كبيرة كانوا بيحاولوا يداروها بأي طريقة. حماتي بصت لابنها بعتاب وقالت له بصوت واطي بس مليان توتر: — تتكلم إيه يا محمود؟ أنت جنيت؟ مش اتفقنا مفيش حاجة تتقال دلوقتي؟ محمود هز رأسه بنفاذ صبر، وقعد على الكرسي وحط إيده بين راسه وقال بنبرة مكسورة: — لحد أمتى يا أمي؟ البنت حامل خلاص! الكدبة انتهت، ولازم تعرف هي دخلت على إيه! أنا كنت واقفة وسطهم بصدمة، اختبار الحمل لسه في إيدي، وفرحتي اللي كنت حاساها من دقائق طارت وتبخرت تماماً، حل محلها خوف ورهبة من المجهول. قربت من محمود ومسكت إيده بقلة حيلة وقلت له بصوت بيرتعش: — في إيه يا محمود؟ أنت خايف ليه؟ وإيه السر اللي بينك وبين مامتك؟ فهموني في إيه! حماتي قعدت على الكنب قصادي، ووشها اللي كان دايماً مبتسم ومبتسم بثقة اتغير تماماً وبقى باين عليه الهم والتعب، وبصتلي وقالت بصوت هادي غير عادتها: — اقعدي يا بنتي… وماتخافيش، أنتِ مفيش حاجة هتحصلك، بس الموضوع مش زي ما أنتِ فاكرة خالص. محمود بصلي وقال بصوت مكسور: — الشريط اللي ماما جابتهولك الصبحية… ماكانش حبوب منع حمل يا ندى. برقت بعيني وقلت له باستغراب: — أومال كان إيه؟! قال وهو بيحاول يتفادى نظراتي: — دي كانت حبوب لتثبيت هرمونات معينة، وكان علاج مكمل عشان… عشان أنا عندي مشكلة وراثية في العيلة، دكاترة كتير قالوا إنها بتتنقل للأطفال بنسبة كبيرة جداً لو حصل حمل قبل ما أخلص كورسات علاج معينة. حماتي كملت كلامها وهي بتحاول تلطف الجو: — يا بنتي محمود كان بياخد علاج مكثف بقاله ست شهور، والدكتور أكد لنا إن الحمل لو حصل قبل ما يخلص العلاج ده بفترة كافية، الجنين ممكن يتولد بتشوهات خطيرة أو مشاكل صحية مالهاش علاج… إحنا خفنا نقولك قبل الجواز لترفضي وتخافي، وقلنا نكسب وقت ونخليكي تاخدي الحبوب دي كتغطية وحماية ليكي، وفي نفس الوقت نمنع أي حمل بالاتفاق لحد ما محمود يخف تماماً. الكلمات كانت بتنزل عليا زي الصواعق، دماغي لفت بيا ومش قادرة أستوعب. يعني هما خدعوني من أول يوم؟ خدروا عقلي واستغلوا جهلي بالحبوب ودخلوني في لعبة خطيرة عشان يداروا على سر عيلتهم؟ سألتهم وأنا بالكتير قادرة أتنفس والشروع في البكاء بيخنقني: — يعني… يعني الجنين اللي في بطني ده دلوقتي… ممكن يكون مش سليم؟! محمود بص للأرض وماقدرش يرد، وحماتي مسكت إيدي وقالت بسرعة: — يا بنتي ادعي ربنا، إحنا لازم نروح للدكتور بكرة الصبح ونعمل الفحوصات والتحاليل ونشوف الجنين وضعه إيه… إحنا أسفين يا ندى، إحنا غلطنا لما خبينا عليكي، بس والله كان غصب عنا وكنا خايفين الفرحة تتهد. وقفت بعيد عنهم وأنا بحط إيدي على بطني، حاسة بمزيج مرعب من الخوف على طفلي اللي لسه مكملش أسابيع، والكسرة من أكتر شخصين وثقت فيهم ودخلت بيتهم على أساس إنهم أهلي الجداد. سكتت ندى لحظة، وبصت للورقة اللي في إيدها، وكانت بتفكر في الموقف الصعب اللي اتحطت فيه في أول شهور جوازها… الجزء الثالث والأخير: بين نارين نزلت الكلمات عليا زي الصواعق، دماغي لفت بيا ومش قادرة أستوعب. يعني هما خدعوني من أول يوم؟ خدروا عقلي واستغلوا جهلي بالحبوب ودخلوني في لعبة خطيرة عشان يداروا على مرض عيلتهم؟ سألتهم وأنا بالكتير قادرة أتنفس، والدموع بتخنقني: — يعني… يعني الجنين اللي في بطني ده دلوقتي… ممكن يكون مش سليم؟! محمود بص للأرض وماقدرش يرد، وحماتي مسكت إيدي وقالت بسرعة: — يا بنتي ادعي ربنا، إحنا لازم نروح للدكتور بكرة الصبح ونعمل الفحوصات والتحاليل ونشوف الجنين وضعه إيه… إحنا أسفين يا ندى، إحنا غلطنا لما خبينا عليكي، بس والله كان غصب عنا وكنا خايفين الفرحة تتهد والناس تاكل وشنا لو عرفوا إن ابننا مريض قبل ما يتجوز! وقفت بعيد عنهم وأنا بحط إيدي على بطني، حاسة بمزيج مرعب من الخوف على طفلي اللي لسه مكملش شهور، والكسرة من أكتر شخصين وثقت فيهم ودخلت بيتهم على أساس إنهم أهلي الجداد. ليلتها مكنتش قادرة أبص في وش محمود، كنت شايفة فيه شخص تاني غريب، شخص ضحى بصحة طفله المستقبلي وبأماني بس عشان “الناس ما تاكلش وشهم”. نمت في الصالة، أو بالأصح منمتش؛ قضيت الليل كله باصة للسقف وبدعي ربنا يحمي اللي في بطني ويعدي الأزمة دي على خير. تاني يوم الصبح، نزلت مع محمود وحماتي ورحنا لدكتور نسا وتوليد معروف. كنت حاسة إن خطواتي تقيلة، وكل خطوة بتقربني من حقيقة ممكن تدمر حياتي. دخلنا العيادة، ومحمود بدأ يشرح للدكتور المشكلة الوراثية اللي عنده، والجرعات المكثفة من الأدوية اللي كان بياخدها قبل الجواز واللي المفروض كان يستمر عليها لفترة قبل ما يحصل حمل. الدكتور كان بيسمع بتركيز، وملامحه كانت بتتحول من الدهشة للجدية. طلب مني أعمل فحوصات فورية، وسحبوا مني عينات دم، وقال لنا: — إحنا هنعمل تحاليل جينية دقيقة، وبناءً عليها هنحدد مدى تأثر الجنين. لكن صراحة، نسبة الخطر موجودة ومقدرش أنكرها، لازم ننتظر النتيجة ونشوف. الانتظار كان أصعب من الموت نفسه. أسبوع كامل مر عليا كأنه سنين. كنت في بيت أهلي، لأني رفضت أرجع مع محمود وحماتي؛ كنت محتاجة أكون في مكان بحس فيه بالأمان، وبعيد عن كدبهم. أهلي لما عرفوا الحقيقة اتصدموا، وبابا كان ثاير جداً وعاوز يطلقني منه، لكنه قرر يهدى لحد ما نطمن على البيبي الأول. أخيراً، اتصل بينا الدكتور عشان نروح نستلم النتيجة. رحنا كلنا، أنا وبابا ومحمود وحماتي. قعدنا قدام الدكتور اللي كان بيبص في الأوراق بتمعن. قلبى كان بيموت من الرعب، ومحمود كان عرقان وباصص للدكتور بترقب. الدكتور قلع نضارته، وبصلنا وقال بهدوء: — الحمد لله… المعجزة حصلت. التحاليل الجينية واختبارات الأجنة المبدئية بتظهر إن الجنين سليم تماماً من أي طفرات أو تشوهات وراثية ناتجة عن العلاج. يبدو إن الحمل حصل في توقيت كان تأثير الدواء فيه تراجع، أو إن رحمة ربنا كانت أكبر من كل التوقعات الطبية. في اللحظة دي، انهار محمود في البكاء، وحماتي فضلت تدعي وتشكر ربنا بصوت عالي. أنا نزلت دموعي، بس مكنتش دموع فرحة صافية؛ كانت دموع راحة ممزوجة بوجع كبير. الدكتور كمل كلامه وبص لمحمود وحماتي بحدة: — بس اللي حصل ده كان مقامرة صعبة جداً يا جماعة، والطب مش دايمًا بيسامح في الأخطاء دي. كان لازم الصراحة من الأول. خرجنا من العيادة، ومحمود حاول يمسك إيدي وهو بيبكي وبيعتذر: — ندى، أنا أسف.. والله كنت هموت من الرعب عليكي وعلى ابننا. أرجوكِ سامحيني، أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان تعوضك. بصيتله وبصيت لحماتي اللي كانت واقفة بتبصلي بإنكسار ورجاء، وقلتله بهدوء: — أنا هسامحك يا محمود، بس عشان الطفل اللي في بطني ملوش ذنب يتربى بعيد عن أبوه، وعشان ربنا رحم عيلتنا من كارثة. بس الصراحة والأمانة اللي اتكسروا بينا من أول يوم… هيحتاجوا وقت طويل جداً عشان يرجعوا. ومن هنا ورايح، مفيش كلمة ولا قرار هيتاخد في حياتنا من ورايا، والحدود مع مامتك في خصوصياتنا هتتغير تماماً. وافقت حماتي بسرعة وهي بتهز راسها: — اللي عوزاه يا بنتي هيجرى، المهم أنتِ واللي في بطنك تكونوا بخير. رجعت بيتي، وأنا عارفة إن الحياة مش هترجع زي الأول بسهولة، وإن الثقة صعبة تتبني تاني بعد الكدب. بس مسكت بطني، وابتسمت لأول مرة من قلبي، وأنا عارفة إن طفلي اللي جاي هو اللي هيديني القوة عشان أبدأ من جديد، بوعي أكبر… وبدون أي خداع.