المطبخ ج1 حكايات رومانى مكرم

وأنا واقفة في المطبخ بجهز الفطار، لقيت جوزي داخل عليا وهو ماسك الموبايل وبيقول:

– أمي بتقول إنها جاية تفطر عندنا النهارده.

ابتسمت وقلت عادي:

– تنور طبعًا.

بعد ساعة… جوزي دخل تاني وقال:

– أصل أمي قالت ممكن تجيب خالتي معاها… أصلها لوحدها.

قلت في نفسي:

ماشي… مفيش مشكلة.

قبل المغرب بنص ساعة… الموبايل رن تاني.

جوزي رد… وسكت شوية… وبصلي بنظرة غريبة.

قلتله:

– في إيه؟

قال:

– أصل أمي قالت إن ابن خالتي ومراته وأولاده ممكن ييجوا كمان… أصلهم كانوا عندها.

وقتها حسيت إن الدم نشف في عروقي.

أنا كنت عاملة أكل لشخصين… يمكن تلاتة بالكثير.

لكن فجأة بقوا سبعة أشخاص.

جريت على المطبخ أحاول ألحق الموقف… زودت مية في الشوربة… قطعت الفراخ نصين… وزودت رز بسرعة.

المغرب أذن… والناس بدأت تيجي.

حماتي دخلت كأنها صاحبة البيت، وقالت بصوت عالي:

– الله الله… ده احنا عاملين عزومة كبيرة بقى!

وبعدين بصت للأكل على السفرة وسكتت لحظة… وقالت:

– بس هو الأكل شكله قليل شوية مش كده؟

الكلمة نزلت عليا زي السكــ,,ـــــينة.

أنا طول اليوم واقفة بطبخ… وفي الآخر ده الكلام؟

لكن سكت… عشان أول رمضان.

عدت الليلة على خير… أو ده اللي كنت فاكره.

بعد الفطار… وأنا بلم السفرة… سمعت حماتي بتقول لجوزي في الصالة:

– بصراحة مراتك لازم تتعلم تعمل أكل أكتر من كده… إحنا في رمضان.

جوزي سألها:

– ليه يا أمي؟

قالت بنبرة عادية جدًا:

– أصل أنا ناوية أجي أفطر هنا كل يوم تقريبًا.

وقتها حسيت إن الأرض بتلف بيا.

كل يوم؟

ده أنا أصلاً ميزانية البيت بالعافية مكفياه أنا وجوزي.

لكن اللي سمعته بعدها خلاني ما أنمش طول الليل.

حماتي قالت جملة خلت قلبي يقع في رجلي:

– وبالمرة… خلي مراتك تبقى جاهزة… أصل بكرة أنا معزومة عند قرايبنا… وقلت لهم إحنا اللي هنعزمهم بعد بكرة عندكوا.

جوزي قال باستغراب:

– عندنا إحنا؟!

قالت وهي بتضحك:

– أيوه طبعًا… ما أنتوا شباب ولسه متجوزين… يعني لازم تكرموا الناس.

وقتها فهمت حاجة واحدة بس…

إن رمضان ده مش هيعدي على خير.

لكن اللي ماكنتش أعرفه…

إن العزومات دي ما كانتش مجرد عزومات.

حكايات رومانى مكرم

كان وراها سر كبير… وطمع أكبر بكتير من مجرد أكل على سفرة.

والسر ده… اكتشفته بالصدفة بعد كام يوم…

لما سمعت مكالمة بين حماتي وشخص ما كنتش أتوقعه أبدًا.

مكالمة خلتني أفهم إن اللي بيحصل في بيتي…

كان متخطط له من البداية.

#الكاتب_رومانى_مكرم

لكن اللي حصل بعد كده…

خلّى البيت كله يتقلب رأسًا على عقب.

مرّت الأيام الثلاثة الأولى من رمضان وكأنها دهور، البيت تحوّل إلى فندق ومطعم مفتوح على مدار الساعة، وحماتي أصبحت هي الآمرة الناهية في كل
صغيرة وكبيرة. كانت تأتي بضيوف لا أعرف نصفهم، من أقارب وجيران قدامى، وتجلس في الصالة تتباها بكرم ابنها وبيته، بينما أقف أنا في المطبخ لساعات طوال، أصارع الميزانية التي تبخرت تمامًا منذ الأسبوع الأول، وأتحمل تعليقاتها السخيفة بعد كل إفطار عن نقص الملح أو قلة كمية اللحوم.

أما زوجي، فكان يقف حائرًا، تائهًا بين نظرات العتاب في عيني، وبين رغبته في إرضاء والدته وعدم إحراجها أمام الناس، حتى أصبح يتهرب من التواجد في البيت قبل المغرب، ويدخل مطأطأ الرأس مع الأذان.

في اليوم الخامس، وبعد رحيل عزومة ضخمة ضمت عمّات زوجي وبناتهن، جلست على أرضية المطبخ أجهش بالبكاء من شدة التعب والإرهاق الجسدي والنفسي. كان زوجي قد نزل ليشتري بعض المستلزمات لغدٍ بناءً على أوامر صارمة من والدته التي غادرت قبل قليل.

فجأة، تذكرت أن حماتي نسيت عباءتها الإضافية وحقيبتها الصغيرة في غرفة الصالون. قمت بتثاقل لأجمعهما، وفي تلك اللحظة سمعت صوت رنين هاتف ينبعث من داخل حقيبتها.. لقد نسيت هاتفها المحمول أيضًا!

كان الهاتف يرن بإلحاح، اقتربت ووجدت الاسم المكتوب على الشاشة: “أم فهد”.

لم أكن لأرد لولا أن الخط انقطع ثم عاد ليرن فورًا. ظننت أن هناك أمرًا طارئًا، فضغطت على زر الرد، وقبل أن أنطق بكلمة واحدة، جاءني صوت “أم فهد” الحاد والمليء بالشماتة والضحك:

– أيوة يا أم ممدوح! طمنيني، إيه الأخبار؟ لسه البت مقطومة في المطبخ وماتعرفش حاجة؟ ورقتيها في العزومات زي ما اتفقنا؟

تسمّرت في مكاني، وأنفاسي انقطعت تمامًا. لم أرد، ووضعت يدي على فمي لأكتم أي صوت، بينما واصلت “أم فهد” حديثها دون أن تنتظر ردًا:

– يا شاطرة يا أم ممدوح، اطبخيها صح.. كل ما تزنقيها في مصاريف العزومات، وتخلي ابنك يستلف من طوب الأرض عشان يكفي البيت، كل ما هيطلب البيع أسرع. أنا كلمت المشتري وقاللي إنه جاهز يدفع كاش في الشقة أول ما ممدوح يوافق، وعمولتك وعمولتي محفوظة.. ده قرشين يرقصوا القلب! اخلصي من الشقة دي وخدي ابنك يعيش معاكي في بيت العيلة، وخليه يطلق البت دي اللي مش عاجباكي، ونصلحه على بنتي هند زي ما كنا راسمين.

وقعت الكلمات على مسامعي كالصواعق المتتالية.

الشقة؟ يبيعوا الشقة؟

هذه الشقة التي دفع فيها والدي نصف ثمنها كمساعدة لزوجي، وكتبنا عقدها مناصفة بيني وبين ممدوح!

فهمت كل شيء في ثوانٍ معدودة. حماتي لم تكن تأتي بالطعام والضيوف حُبًا في الكرم أو صلة الرحم، بل كانت خطة مدبرة لإنهاك ممدوح ماديًا، وإغراقه في الديون بمساعدة هذه السمسارة “أم فهد”، ليضطر تحت ضغط الحاجة والديون والالتزامات إلى بيع الشقة التي يسيل لها لعاب حماتي منذ البداية، طمعًا في المال وتدميرًا لبيتي لإعادة زوجي تحت جناحها وتزويجه من ابنة صديقتها.

تراجعت إلى الخلف، وأغلقت الخط بسرعة قبل أن تكتشف أنني المستمعة. وضعت الهاتف مكانها وجسدي كله ينتفض من الصدمة والغضب.

سمعت صوت مفاتيح زوجي تفتح الباب الخارجي. دخل وهو يحمل أكياسًا جديدة بالدين من سوبر ماركت المنطقة، ووجهه يشع همًا وغمًا. نظر إليّ وقال بصوت مجهد:

– جهزي نفسك يا حبيبتي، أمي اتصلت بيا من الطريق وقالت إن بكرة جايين عمامي وولادهم.. حوالي اتناشر واحد.

نظرت إليه طويلًا.. نظرة لم يفهمها. لم أبكِ ولم أنفعل كما كنت أفعل في الأيام الماضية. بل ابتسمت ببرود شديد وقلت له:

– تنوروا طبعًا يا حبيبي.. من عنيا الجوز، بكرة هتشوف عزومة عمامك دي هتوصلنا لفين.

في تلك الليلة، لم تذق عيني النوم. كانت الأفكار تتصارع في رأسي، لكنني اتخذت قراري. لن أكون الضحية، ولن أسمح لهدم بيتي وشقا عمري وعمر والدي. سأجاري حماتي في لعبتها، ولكن بطريقتي الخاصة.. الطريقة التي ستجعلها تندم على اليوم الذي فكرت فيه بدخول مطبخي.

صباح اليوم التالي، بدأت التحضيرات للعزومة الكبرى، وكانت حماتي قد وصلت مبكرًا لتشرف بنفسها على “الخراب المستعجل” كما تظن. دخلت المطبخ وهي تبتسم ابتسامتها الصفراء وقالت:

– همي يدك يا مرات ابني، عمام ممدوح ناس أكيلة، ومش عايزين نصغر قدامهم.

التفتُّ إليها، وابتسامة عريضة ترتسم على وجهي وقلت:

– متقلقيش يا حماتي.. الأكل بكرة الكل هيتكلم عنه، وهيكون مفاجأة للكل.. وليكي إنتي بالذات.

#الكاتب_رومانى_مكرم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *