سلفتي حكايات زهرة الربيع

سلفتي كانت بتاكل وهي بتشهق، دموعها نازلة، ووشها بقى أحمر من الشطة، وكل لقمة كانت كأنها نار، لكنها كانت مصممة تبلع أي حاجة قدامها.
المدير قام من مكانه وهو مستغرب وقال يا جماعة… حد يفهمني إيه اللي بيحصل؟
جوزي قرب منها يحاول يشد الطبق من إيدها، لكنها صرخت فيه إوعى! محدش ياكل… محدش يمد إيده على الأكل!
البيت كله سكت.
أنا بصيتلها باستغراب وقلت ليه؟ إيه اللي في الأكل؟
بلعت ريقها بالعافية، وحاولت ترد، لكن الكلمات كانت واقفة في زورها.
في اللحظة دي، جرس الباب رن.
دخل ابن الجيران الصغير وهو بيجري وهو بيقول يا طنط… القطة اللي كانت داخلة المطبخ من شوية ماتت برا!
الكل اتصدم.
سلفتي وشها اصفر فجأة، وإيديها بدأت ترتعش أكتر.
المدير رجع خطوة لورا، وحماتي حطت إيديها على قلبها وقالت قطة؟! دخلت المطبخ إمتى؟
الولد قال أنا شوفتها داخلة من الشباك وهي بتلف حوالين الأكل… وبعدها خرجت تجري وبره وقعت.
كل العيون راحت لسلفتي.
هي بدأت تتنفس بسرعة، وكأنها بتفكر في حاجة محدش يعرفها.
جوزها مسكها من كتفها وقال انطقي… في إيه؟
لكنها هزت راسها بعنف وقالت مفيش… مفيش حاجة.
وفي نفس اللحظة، دخلت واحدة من الجارات وهي بتقول أنا كنت طالعة السلم وشوفت حد داخل مطبخكم من نص ساعة… واستغربت لأنه كان بيستخبى.
الكلام نزل على سلفتي زي الصاعقة.
حماتي بصتلها وقالت بنبرة كلها شك مين اللي دخل المطبخ وإحنا فوق؟
سلفتي اتراجعت خطوة لورا.
وفجأة…
عينها وقعت على علبة الشطة الفاضية اللي كانت مرمية تحت الرخامة… ولسه جزء منها ظاهر.
شهقت شهقة قوية، وعرفت إن السر اللي حاولت تدفنه خلاص بقى على وشك ينكشف قدام الكل…
لكن اللي حصل بعدها قلب الموقف بالكامل، وخلى كل واحد في البيت يعرف الحقيقة بطريقة محدش كان يتوقعها…سلفتي كانت بتاكل وهي بتبكي، وكل لقمة تدخل

بوقها كانت تخليها تكح وتدمع، لكن كانت بترجع تمد إيديها بسرعة على الطبق اللي بعده، كأنها خايفة حد غيرها يلمسه.
المدير وقف مذهول وقال مدام… إنتِ بتعملي كده ليه؟
لكنها ما ردتش.
حماتي قربت منها ومسكت إيديها وقالت بنتي… انطقي، مالك؟
سلفتي فجأة زعقت بصوت عالي محدش يقرب من الأكل… أرجوكم!
الكلمة دي خلت الصالة كلها تسكت.
أنا بصيت للأكل باستغراب، كان شكله طبيعي جدًا، لكن ريحة الشطة بدأت تبان أكتر لما الغطا اتشال.
جوزي بصلي وقال إنتِ متأكدة إنك ما حطتيش شطة؟
اتصدمت من سؤاله وقلت بثقة والله العظيم ولا رشة… إنت بنفسك وصيتني.
في اللحظة دي، حماتي فتحت حلة الشوربة، وبمجرد ما قلبتها بالمغرفة ظهر اللون الأحمر واضح.
شهقت وقالت يا ساتر… مين عمل كده؟!
أنا جريت على باقي الصواني، وفتحت صينية البطاطس، ثم المحشي، ثم الرقاق…
كلهم… كلهم متغرقين شطة!
إيدي بدأت ترتعش، ودموعي نزلت من الصدمة.
قلت مستحيل… أنا سيبتهم زي الفل قبل ما أطلع.
المدير رجع كرسيه لورا وقال بهدوء واضح إن حد لعب في الأكل.
ساعتها كل الموجودين بصوا لبعض.
وفجأة…
جوز سلفتي افتكر حاجة وقال استنوا… أنا نزلت قبل الضيوف بخمس دقايق أدور على مفتاح عربيتي… وشفت باب المطبخ بيتقفل بسرعة، بس افتكرت إنها إنتِ يا أختي.
كل الأنظار راحت عليّا.
قلت بسرعة أنا؟! أنا كنت فوق مع ماما بنغير هدومنا.
حماتي أيدت كلامي فورًا وقالت صح… كانت معايا ومفارقناش بعض.
الهدوء بقى مرعب.
كل واحد بدأ يحسب الدقائق في دماغه…
مين كان موجود لوحده قدام الأكل؟
سلفتي بدأت تتراجع لورا وهي بتبلع ريقها بالعافية.
وفي اللحظة دي بالذات…
ابن جوزها الصغير دخل يجري من البلكونة وهو ماسك في إيده موبايل قديم، وقال ببراءة
بابا… أنا لقيت الفيديو ده مفتوح، شكله اتصور لوحده!
الجميع لف ناحية الموبايل. ..
وسلفتي أول ما شافت الشاشة، اتسمرِت مكانها، ووشها فقد لونه تمامًا، ومدت إيديها بسرعة عشان تخطف الموبايل قبل ما أي حد يشوف اللي فيه…
لكن جوزها كان أسرع منها، وخطفه من إيديها وهو بيبص للشاشة، وملامح وشه بدأت تتغير ثانية بعد ثانية… بينما الباقي لسه مشافوش أي حاجة، ومستنيين يعرفوا إيه اللي خلاه يتجمد بالشكل ده جوزها فضل باصص في شاشة الموبايل كام ثانية من غير ما ينطق، ووشه بقى شاحب بطريقة خلت الكل يقلق.
سلفتي صرخت وهي بتمد إيديها هات الموبايل… امسحه! بسرعة!
لكنه زعق فيها لأول مرة من يوم ما اتجوزها إبعدي!
الصالة كلها اتجمدت.
المدير بص لجوزي وقال ممكن أفهم فيه إيه؟
جوز سلفتي أخد نفس طويل، ولف الموبايل ناحية الكل، لكنه قبل ما يشغله قال أنا مش مصدق اللي هشوفه… ولو ده حقيقي، يبقى في مصيبة.
سلفتي وقعت على الكنبة وهي بترتعش، ولسه بتحاول تمنعه والنبي… بلاش.
لكن محدش سمعها.
ضغط زر التشغيل…
وظهر الفيديو.
كانت الكاميرا متثبتة على رخامة المطبخ، واضح إن ابنها كان بيلعب بالموبايل الصبح وسابه بيصور من غير ما ياخد باله.
في أول الفيديو ظهر المطبخ فاضي.
ثواني…
وبعدين دخلت أنا وحماتي، حضرنا آخر حاجة، وغطينا الأكل وطلعنا فوق.
الفيديو كمل.
المطبخ فضل فاضي دقيقة… واتنين…
وبعدين…
الباب اتفتح بهدوء.
دخلت سلفتي وهي بتبص يمين وشمال، واتأكدت إن مفيش حد.
مدت إيديها على رف التوابل، ونزلت علبة الشطة الكبيرة.
الكل كان ساكت وهو بيتفرج.
بدأت تفتح كل حلة، وتفضي الشطة فيها وهي بتضحك وتقول بصوت واضح
بعد النهارده محدش هيقول الست الكبيرة… ولا حد هيثق فيها تاني.
حماتي حطت إيديها على وشها وهي بتبكي.
أما جوزي، فكان واقف مكانه وعروقه بارزة من شدة الغضب.
لكن الفيديو ما وقفش عند كده…
بعد ما خلصت، رجعت العلبة مكانها، وبصت حوالين المطبخ مرة أخيرة.
وفجأة…
لفت وشها ناحية الكاميرا.
فضلت تبص عليها ثانيتين.
وكأنها بدأت تشك إن في حد بيصورها.
قربت منها خطوة…
ثم خطوة تانية…
ورفعت إيديها ناحيتها.
الكل في الصالة حبس أنفاسه، لأنهم كانوا مستنيين يعرفوا…
هل اكتشفت الكاميرا فعلًا؟ ولا كان في حاجة تانية أخطر خلتها تقرب بالشكل ده؟إيدها فضلت تقرب من الموبايل…
ثانية…
واتنين…
وبعدين وقفت فجأة.
بصت حواليها مرة تانية، واتنهدت وقالت لنفسها
أكيد محدش شافني.
وسابت الموبايل مكانه وخرجت من المطبخ بسرعة.
أول ما الفيديو خلص، الصالة بقت ساكتة بشكل مخيف.
ولا نفس كان بيتسمع.
حماتي كانت أول واحدة اتكلمت، بصوت مكسور
بعد كل اللي عملناه معاكي… ده كان رد الجميل؟
سلفتي كانت بتبكي، لكن المرة دي مفيش كلمة واحدة طلعت منها.
جوزها بصلها بصدمة وقال
إنتِ كنتِ عايزة تضيعي مستقبل أخويا؟
جوزي كان غضبه ظاهر في عينيه، لكنه حاول يسيطر على نفسه احترامًا للضيوف.
أما المدير، فقام من مكانه بهدوء وقال
واضح إن مراتك مظلومة، وإن اللي حصل كان مقصود.
لف ناحيتي وقال
أنا كنت على وشك أصدق إن في إهمال، لكن اللي شوفته دلوقتي يثبت إن في حد حاول يوقع بينكم.
أنا كنت واقفة ودموعي بتنزل، مش مصدقة إن الحقيقة ظهرت بالطريقة دي.
لكن فجأة…
المدير شم ريحة الشطة اللي مالية المكان، وابتسم ابتسامة خفيفة وقال
إحنا مش هنمشي من غير غدا.
كلنا استغربنا.
قال وهو بيضحك
أكيد مش هنقدر ناكل الأكل ده… لكن طالما المشكلة اتكشفت، يبقى نتصرف.
لف على السكرتير اللي معاه وقال
اتصل بأقرب مطعم محترم، وخليه يبعت نفس الأصناف بسرعة.
جوزي حاول يعتذر، لكن المدير قاطعه
العقود بتتبني على الثقة قبل الأكل… والنهارده أنا شفت بعيني إن مراتك كانت أمينة، وإن اللي حصل كان خارج إرادتها.
كلامه رجّع الأمل لقلب جوزي.
لكن في نفس اللحظة…
كان جوز سلفتي واقف في ركن الصالة، ومازال ماسك الموبايل.
وبينما كان هيقفله، لمح إن الفيديو مدته أطول
لمحة نيوز

مما كانوا فاكرين.
قال باستغراب
استنوا… ده لسه فيه دقيقة كاملة بعد اللي شفناه.
كل الموجودين لفوا ناحية الشاشة من جديد…
وسلفتي أول ما سمعت الكلمة دي، صرخت بكل قوتها
لا… اقفله! بالله عليك اقفله!
لكن كان فات الأوان…
جوزها ضغط على زر التشغيل مرة تانية، وبدأت الدقيقة الأخيرة تعرض مشهدًا جديدًا تمامًا… مشهد لو ظهر، مش هيوقع سلفتي بس، ده هيكشف سرًا أكبر كان مستخبي في البيت من شهور الدقيقة الأخيرة بدأت…
الكاميرا كانت لسه شغالة، والمطبخ فاضي بعد ما سلفتي خرجت.
عدت ثواني…
وفجأة الباب اتفتح تاني.
لكن المرة دي اللي دخل ماكانش سلفتي.
كانت واحدة من الجارات، أم نجلاء، دخلت وهي بتنادي
يا أم سالم… يا أم سالم… نسيتوا صينية الكنافة عندي.
استغربت إنها ملقتش حد، فحطت الصينية على الرخامة وخرجت على طول.
الكل بص لبعض وقال يبقى الجارة ملهاش دعوة.
الفيديو كمل.
بعد أقل من دقيقة…
رجعت سلفتي للمطبخ مرة تانية.
دخلت بسرعة، ووقفت قدام الأكل وهي بتضحك.
لكن اللي خلّى الكل يتجمد، إنها طلعت موبايلها وطلبت رقم.
أول ما الطرف التاني رد، قالت بصوت واضح
أيوة… خلاص، عملت اللي قولتلي عليه.
سكتت شوية وهي بتسمع.
وبعدين قالت
اطمن… النهارده أخوه هيقع قدام المدير، وحماتي هتسحب منها مفاتيح البيت، وساعتها محدش هيبقى ليه كلمة غيري.
الصالة كلها اتجمدت.
جوزها بصلها وكأنه أول مرة يشوفها.
لكن الصدمة الأكبر كانت لما قالت في آخر المكالمة
بس أوعى تنسى وعدك… أول ما الموضوع يخلص، هتنقلني أنا وجوزي للشقة اللي فوق، ونبقى إحنا أصحاب البيت.
حماتي شهقت وقالت
مين اللي كان بيكلمها؟!
الفيديو خلص قبل ما اسم الشخص يظهر.
لكن في آخر ثانية…
ظهر على شاشة الموبايل اسم المتصل للحظة قصيرة جدًا قبل ما المكالمة تقفل.
الاسم كان واضح…
إلا إن جوز سلفتي وقف الفيديو بسرعة، وقرب الموبايل من وشه وهو مش مصدق اللي شايفه.
إيده بدأت ترتعش.
والمدير نفسه لاحظ تغير ملامحه وقال
مين؟… اسم مين اللي ظهر؟
جوز سلفتي بلع ريقه، وبص ناحية أحد الموجودين في الصالة بنظرة مليانة صدمة وخذلان…
النظرة دي خلت كل اللي في البيت يلفوا في نفس الاتجاه، لأنهم فهموا إن الشخص اللي كان بيحرضها… موجود بينهم في البيت في اللحظة دي نفسها!كل العيون اتجهت ناحية الشخص اللي كان جوز سلفتي بيبصله…
لكن هو ما نطقش.
فضل ماسك الموبايل بإيده، ووشه كله ذهول.
سلفتي قامت من مكانها فجأة وهي بتصرخ
هات الموبايل… إنت فاهم غلط!
لكنه بعد عنها خطوة وقال
أنا مش فاهم غلط… أنا قريت الاسم بعيني.
جوزي قرب منه وقال بقلق
قول يا عماد… مين؟
عماد خد نفسًا طويلًا، وبص ناحية الموجودين واحد واحد، وقال
قبل ما أقول… لازم أتأكد.
كبر صورة سجل المكالمات، لكن إيده كانت بتترعش من التوتر.
وفي اللحظة دي، رن جرس الباب.
الكل اتلفت.
الخادمة اللي كانت بتنضف السلم دخلت وهي بتقول
معلش يا جماعة… في حاجة وقعت مني في المطبخ وأنا كنت طالعة.
دخلت تدور على حاجتها، وفجأة وقفت قدام الرخامة وقالت باستغراب
غريبة… هي علبة الشطة دي لسه هنا؟
حماتي قالت مالها؟
الخادمة ردت من غير ما تاخد بالها إن كلامها هيقلب الدنيا
أصل الست دي… وأشارت على سلفتي، كانت وقفتني الصبح وسألتني فين أكبر علبة شطة في البيت، وقالتلي إنها هتعمل أكلة لنفسها.
الصالة كلها سكتت.
سلفتي بدأت تتراجع لورا وهي بتقول
بتكدبي… أنا معرفكيش.
الخادمة ردت بسرعة
أكدب ليه؟ ده إنتِ حتى ادتيني خمسين جنيه عشان أجيبلك علبة جديدة من البقال.
جوزها لف ناحيتها ببطء وقال
يعني خططتي لكل حاجة من الصبح؟
سلفتي ما عرفتش ترد.
لكن في نفس اللحظة…
الموبايل اللي كان في إيد عماد اهتز.
وصلت رسالة جديدة على نفس الرقم اللي كان ظاهر في الفيديو.
لأن سلفتي كانت ناسية تقفل المزامنة بين موبايلها والتابلت القديم اللي ابنها كان بيلعب بيه.
الرسالة ظهرت على الشاشة قدام الجميع، وكان أول سطر فيها
ها… نجحت الخطة؟ أكلوا من الأكل ولا لسه؟
الكل شهق في نفس اللحظة.
أما عماد، ففتح الرسالة ببطء…
وبمجرد ما ظهرت هوية المرسل كاملة على الشاشة، اتسعت عينيه بشكل مرعب، لأنه اكتشف أن الشخص اللي كان بيدير كل المؤامرة… شخص عمره ما كان أي حد في البيت يشك فيه عماد فضل باصص في الشاشة، وكأن عينيه مش مصدقة اللي قراه.
جوزي قرب منه بعصبية وقال
ما تنطق يا عماد… مين بعت الرسالة؟!
عماد رفع عينه ببطء، وقال
أنا… أنا لازم أتأكد الأول.
فتح بيانات الرقم، لكن قبل ما يكمل، سلفتي اندفعت عليه بكل قوتها تحاول تخطف التابلت من إيده.
اتعثر الاتنين…
والتابلت وقع على الأرض.
صوت الوقعة دوّى في الصالة.
الكل جري عليه، لكن الحمد لله الشاشة ما اتكسرتش، ولسه شغالة.
المدير انحنى بنفسه وشال التابلت، وقال بهدوء
خلوني أنا.
مسح الشاشة بإيده، وفتح الرسالة من جديد.
كان فيها أكتر من رسالة، مش رسالة واحدة.
أول رسالة كانت افتحي الحلل كلها ومتسيبيش صنف من غير شطة.
والتانية متقلقيش… أول ما الصفقة تبوظ، هيبقى ليكي مكان تاني في البيت.
أما الرسالة الثالثة، فهي اللي خلت الجميع يحبس أنفاسه
ومتنسيش تمسحي أي دليل.
سلفتي انهارت على الأرض وهي بتبكي.
لكنها فجأة رفعت راسها وقالت وهي بتصرخ
أنا مش لوحدي… أنا مش اللي فكرت في ده!
حماتي صرخت فيها
أمال مين؟!
سلفتي قفلت بوقها بسرعة، كأنها ندمت إنها اتكلمت.
المدير بص لها وقال
واضح إن في حد كان بيحركك.
هي سكتت.
ثواني مرت…
وفجأة قالت بصوت واطي
لو اتكلمت… حياتي هتتدمر.
جوزها قال بغضب
بعد اللي عملتيه، لسه خايفة على اللي ورّاك؟!
دموعها نزلت أكتر، وقالت
إنتوا متعرفوش الحقيقة… الشخص ده كان بيهددني بحاجة لو انكشفت، هخسر كل حاجة.
الصالة كلها غرقت في صمت ثقيل.
حتى المدير نسي الأكل والعقود، وبقى مركز مع كل كلمة.
وفي اللحظة دي…
رن موبايل سلفتي.
الرنة كانت عالية، والاسم ظهر على الشاشة قدام الجميع.
أول ما شافته، شهقت، وحاولت تقفل المكالمة بسرعة.
لكن المدير قال بحزم
سيبيه يرن.
فضل الموبايل يرن…
ثم اتحول إلى رسالة صوتية وصلت تلقائيًا بعد ما المكالمة ما اتردش عليها.
وسلفتي أول ما سمعت أول ثانية من الصوت، حطت إيديها على وشها وانهارت تمامًا…
لأنها عرفت إن اللي في التسجيل ده، لو اتشغل قدام الكل… هيكشف كل الأسرار اللي كانت مستخبية من أول يوم دخلت فيه البيت سلفتي زحفت على ركبها وهي بتبكي، ومدت إيديها ناحية الموبايل وهي بتقول
والنبي… محدش يشغل التسجيل.
لكن المدير سبقها، وضغط على تشغيل الرسالة.
الصالة كلها سكتت.
طلع صوت راجل، لكنه كان مغير نبرة صوته، وقال
إيه اللي حصل؟ خلصتي اللي اتفقنا عليه؟
سلفتي كانت بترتعش.
الصوت كمل
متخافيش… لو حد شك فيكي، أنكري. محدش عنده دليل.
جوزي بص للمدير وقال
واضح إنه متعمد يخفي صوته.
المدير هز راسه وقال
أيوه… لكن أكيد في حاجة تقدر توصّلنا له.
وفجأة…
في آخر ثواني الرسالة، سمعوا صوت تاني في الخلفية.
صوت أذان مسجد قريب، وبعده مباشرة صوت راجل بينادي
يا حاج فؤاد… العربية جاهزة.
المدير وقف فجأة.
وقال باستغراب
استنوا… رجعوا آخر خمس ثواني.
رجع التسجيل أكتر من مرة.
نفس الجملة اتكررت بوضوح
يا حاج فؤاد… العربية جاهزة.
الكل بص لبعض.
حماتي عقدت حواجبها وقالت
حاج فؤاد مين؟ إحنا منعرفش حد بالاسم ده.
لكن سلفتي أول ما سمعت الاسم، وشها اصفر، وحاولت تقوم تجري ناحية باب الشقة.
جوزها مسكها قبل ما تخرج وقال
رايحة فين؟
قالت وهي بتعيط
سيبني… خلاص… انتهى كل حاجة.
وفي اللحظة دي…
جرس الباب رن للمرة التانية.
الكل لف ناحية الباب.
الخادمة فتحت.
ودخل راجل كبير في السن، لابس جلابية نضيفة، وماسك في إيده ملف بني.
أول ما سلفتي شافته…
صرخت صرخة عالية وقالت
إنت!!
الراجل وقف مكانه

مستغرب، وقال
خير؟ أنا جاي أوصل الملف اللي اتنسي عندي.
الكل بقى بينه وبين سلفتي، يحاول يفهم.
لكن الراجل أول ما لمح المدير، ابتسم وقال
الحمد لله لحقتك يا باشمهندس… الأوراق اللي طلبتها كانت عندي.
الجميع اتصدم.
اتضح إن الراجل دخل بسبب الأوراق، لكن اسمه كان…
الحاج فؤاد.
وسلفتي بدأت تنهار أكتر، بينما الكل لسه مش عارف…
هل هو فعلًا الشخص اللي في التسجيل؟ ولا مجرد تشابه أسماء هيقلب التحقيق كله في اتجاه تاني؟الحاج فؤاد وقف يبص للكل باستغراب، وقال
هو في إيه يا جماعة؟ أنا داخل ألاقي الناس كلها باصة لي كده ليه؟
المدير أخد الملف من إيده وقال
استنى يا حاج فؤاد… في كام سؤال.
سلفتي كانت بترتعش بصورة واضحة، وكل ما تبص للحاج فؤاد تنزل راسها في الأرض.
المدير شغّل آخر ثواني من الرسالة الصوتية قدامه.
خرج الصوت تاني
يا حاج فؤاد… العربية جاهزة.
الحاج فؤاد سمعها… وفجأة ضحك ضحكة خفيفة وقال
يا ساتر… هو عشان اسمي فؤاد بقيت أنا المتهم؟
الكل سكت.
قال وهو بيهز راسه
يا جماعة، في المنطقة عندنا تلاتة اسمهم الحاج فؤاد، وأنا كل يوم السواق بتاعي بينادي عليا بنفس الجملة دي قبل ما نتحرك.
جوزي اتنهد وقال
يعني ممكن يكون مجرد تشابه أسماء.
لكن المدير ما اقتنعش.
وقال
ممكن… لكن لسه لازم نعرف مين صاحب الرقم.
في اللحظة دي، جوز سلفتي افتكر حاجة.
قال وهو بيبص لها
إنتِ من أسبوع قولتي إن موبايلك وقع واتصلح.
سلفتي سكتت.
قال
فين فاتورة التصليح؟
ارتبكت وقالت
رميتها.
رد بسرعة
إنتِ عمرك ما بترمي ورقة.
الكلمة دي خلتها تتوتر أكتر.
وفجأة…
حماتي قالت
أنا فاكرة.
الكل بص لها.
قالت
يوم ما قالت إنها رايحة تصلح الموبايل، رجعت ومعاها ظرف أبيض، وحطته في الدولاب بنفسها، وقالت محدش يفتحه.
سلفتي شهقت.
وجريت ناحية أوضتها بكل قوتها.
لكن جوزها سبقها.
دخل الأوضة قبلها، وفتح الدولاب.
بدأ يدور بين الهدوم، لحد ما طلع الظرف الأبيض.
رجع بيه للصالة.
سلفتي كانت بتعيط وتقول
بلاش… أرجوك.
فتح الظرف…
الكل كان مستني يلاقي فاتورة التصليح.
لكن اللي وقع منه على الأرض ماكانش فاتورة…
كانت ورقة مطبوعة، عليها اسم صاحب الرقم، وتحته إيصالات تحويلات مالية بمبالغ كبيرة، وتاريخ أول تحويل كان قبل المؤامرة بأسبوعين فقط.
المدير انحنى شال الورقة، وبمجرد ما قرأ أول سطر فيها…
تغيرت ملامحه تمامًا.
ورفع عينه ناحية أحد الأشخاص الموجودين في البيت، وقال بهدوء شديد
واضح إن اللي خطط لكل ده… كان أقرب ليكم مما تتخيلوا.
وساد الصمت من جديد، بينما الجميع بدأ يلتفت في نفس الاتجاه، منتظرين أن ينطق المدير بالاسم لأول مرة الأنظار كلها اتجمعت على المدير.
حتى سلفتي بطلت عياط، وبقت تبصله بخوف وهي مستنية يقول الاسم.
المدير طوى الورقة بهدوء، وقال
قبل ما أتهم حد، لازم أتأكد.
ناول الورقة لجوزي.
جوزي قراها، واتسعت عينيه، لكنه قال
مش معقول… أكيد في حاجة غلط.
حماتي خطفت الورقة من إيده، وما إن بصت فيها حتى قعدت على أقرب كرسي وهي بتحط إيديها على قلبها.
قالت بصوت مكسور
لا… مستحيل.
الكل بدأ يتوتر.
سلفي زعق حد يفهمنا… الورقة فيها إيه؟
المدير رد فيها اسم صاحب الحساب اللي اتحولت له الفلوس… لكن مجرد وجود اسمه مش معناه إنه هو اللي خطط.
وفي اللحظة دي، سلفتي صرخت لأول مرة من ساعة ما بدأت الأزمة
أيوه! أنا حولت الفلوس… بس مش عشان أؤذي حد!
الكل بص لها في صدمة.
جوزها قال أمال عشان إيه؟
فضلت ساكتة كام ثانية، وبعدها قالت وهي منهارة
كان بيبتزني.
الصالة كلها سكتت.
قالت وهي بتبكي
كان معاه صور ومستندات، وهددني إنه هيفضحني قدامكم لو ما نفذتش اللي بيقوله.
حماتي سألتها صور إيه؟
سلفتي هزت راسها وقالت
مش هقدر أقول.
المدير قال بهدوء
يبقى اللي بيبتزك هو المستفيد الحقيقي.
وفجأة…
جرس موبايل جوزي رن.
بص للشاشة، واستغرب.
الرقم… هو نفس الرقم اللي كان باعت الرسائل لسلفتي.
رفع السماعة من غير ما يتكلم.
كل الموجودين كانوا سامعين صوت المتصل من مكبر الصوت.
الصوت قال بثقة
واضح إن الخطة باظت… بس متقلقوش، لسه عندي حاجات كتير أقدر أقلب بيها البيت ده.
وقبل ما أي حد يرد…
المكالمة اتقفلت.
الصالة غرقت في صمت مرعب.
المدير بص لجوزي وقال
الشخص ده عارف إننا كشفنا جزء من الحقيقة… وده معناه إنه قريب منكم، وبيتابع كل اللي بيحصل أول بأول.
وفي نفس اللحظة…
سمعوا صوت خفيف جاي من خارج الشقة.
جوزي جرى بسرعة وفتح الباب…
لكن الممر كان فاضي.
الشيء الوحيد اللي كان موجود على الأرض…
ظرف أسود مقفول، مكتوب عليه بخط كبير
لو عايزين تعرفوا الحقيقة كلها… افتحوا الظرف جوزي انحنى وشال الظرف الأسود، وبص حواليه في طرقة العمارة.
مافيش حد.
السلم فاضي.
حتى الأسانسير كان واقف في الدور الأرضي.
رجع وقفل الباب ووشه كله حيرة.
المدير قال افتحه.
إيدي جوزي كانت بتترعش وهو بيفتح الظرف.
طلع منه فلاشة صغيرة… وورقة مطوية.
فتح الورقة الأول.
كان مكتوب فيها بخط الكمبيوتر
لو بتدوروا على الحقيقة، شغلوا الفلاشة… بس أوعوا تصدقوا كل اللي هتشوفوه، لأن في حد محترف بيزوّر الأدلة.
الكل بص لبعض.
المدير قال هات لابتوب.
سلفي جاب اللابتوب بسرعة، ووصلوا الفلاشة.
ظهر عليها ملف واحد بس.
اسمه
الحقيقة_الكاملة mp4
جوزي ضغط تشغيل.
بدأ الفيديو بصورة مهزوزة، كأن حد بيصور من بعيد.
ظهر شخص لابس كاب وجاكيت واسع، واقف قدام بيتنا قبل العزومة بيوم.
بعد شوية…
ظهر وهو بيدي سلفتي ظرف صغير.
سلفتي أخدته بسرعة، وبصت حواليها ومشت.
حماتي بصتلها بصدمة وقالت
يعني قابلتيه قبلها بيوم؟
سلفتي كانت بتعيط وقالت
أيوه… بس…
قبل ما تكمل…
الفيديو نقل لمشهد تاني.
الشخص نفسه كان واقف في مكان ضلمة، وبيتكلم مع واحد تاني.
الصورة كانت من ضهرهم، فوشوشهم مش باينة.
لكن الصوت كان واضح.
أحدهم قال
المهم الست الكبيرة هي اللي تتهم.
والتاني رد
ولو انكشفنا؟
الأول ضحك وقال
محدش هيشك فينا… لأننا من أهل البيت.
الجملة دي نزلت على الكل كالصاعقة.
المدير وقف الفيديو.
وقال
واضح إن اللي بيخطط مش شخص واحد.
جوزي قال
يعني في أكتر من واحد؟
رد المدير
على الأقل اتنين.
وفي اللحظة دي…
الفيديو اشتغل لوحده تاني.
من غير ما حد يلمس اللابتوب.
وظهرت رسالة مكتوبة على الشاشة السودا
لو وصلتوا لحد هنا… يبقى أنا كنت متوقع ده.
بعدها بثواني…
ظهر وجه شخص لأول مرة.
لكن الصورة كانت مشوشة جدًا.
قبل ما الملامح تبان، انقطع الفيديو فجأة، وظهرت عبارة واحدة باللون الأحمر
يتبع…جوزي خبط بإيده على الترابيزة بعصبية وقال
إيه الهزار ده؟!
المدير قرب من اللابتوب، وراجع الملف بنفسه.
قال باستغراب
الفيديو ما خلصش… حد قافله بطريقة متعمدة.
سلفي قال يعني إيه؟
المدير رد الملف معمول له حماية، والجزء الأخير متشفر. اللي بعته كان عايزنا نشوف جزء معين بس.
في اللحظة دي، ابن جوزي الكبير دخل الصالة وهو ماسك فلاشة تانية صغيرة.
وقال ببراءة
بابا… دي كانت لازقة في الظرف من جوه، وقعت تحت الكنبة.
الكل اتصدم.
جوزي أخدها بسرعة.
المدير قال جربوها.
اتوصلت الفلاشة التانية باللابتوب.
ظهر ملف واحد بس.
اسمه
قبل_العزومة_بساعتين mp4
ضغطوا تشغيل.
الصورة كانت من كاميرا محل بقالة آخر الشارع.
ظهر فيها سلفتي وهي بتشتري علبة الشطة.
وده كان متوقع.
لكن بعدها بدقيقة…
وقف قدامها راجل لابس نضارة شمس وكاب.
وشه ماكانش باين.
مد لها ظرف بني.
هي أخدته، وفتحت الظرف بسرعة.
أول ما شافت اللي جواه، وشها اتغير تمامًا، وبدأت تبكي وهي واقفة في نص الشارع.
الراجل أشار لها بإصبعه كأنه بيهددها.
بعدها هزت رأسها بالموافقة ومشت.
الصالة كلها غرقت في صمت.
حماتي قالت يبقى كانت فعلاً متهددة.
لكن المدير ما شالش عينه من الشاشة.
قال استنوا… رجعوا آخر عشر ثواني.
رجعوا الفيديو ببطء.
في واجهة المحل المقابلة، كان فيه انعكاس على الزجاج.
ورغم إن الراجل كان مدي ضهره للكاميرا…
الانعكاس أظهر جزءًا من وشه.
المدير قرب الصورة.
كبرها مرة…
واتنين…
وتلاتة…
الصورة كانت مشوشة، لكن ظهرت علامة مميزة جدًا تحت أذن الراجل… ندبة طويلة.
جوزي شهق وقال
أنا شفت الندبة دي

قبل كده!
الكل لف ناحيته.
قال وهو بيحاول يفتكر
بس مش فاكر فين…
وفي اللحظة دي…
اتفتح باب الشقة فجأة من غير خبط.
ودخل شخص بخطوات هادئة، أول ما رفع وشه، اتجمد جوزي في مكانه…
لأنه لمح نفس الندبة تحت أذنه. لكن القادم لم ينطق بكلمة، واكتفى بالنظر إلى الجميع، بينما سلفتي شهقت وقالت بصوت مرتعش
إنت…!الشقة كلها سكتت.
الراجل وقف عند الباب، وبص لكل واحد في الموجودين من غير ما يتكلم.
الندبة اللي تحت ودنه كانت واضحة جدًا.
جوزي قال وهو بيقرب منه
إنت مين؟ وإزاي دخلت؟
الراجل رفع إيده بهدوء وقال
أنا جاي أنقذكم قبل ما تتهموا الشخص الغلط.
المدير ضيق عينه وقال
يعني إيه؟
الراجل طلع بطاقة من جيبه ومدها للمدير.
المدير بص فيها، واتغيرت ملامحه، لكنه ما قالش المكتوب عليها.
قال بس
اتفضل… اقعد.
الكل استغرب.
إزاي المدير اللي كان متحفظ طول الوقت، وافق يقعده من غير ما يسأله؟
الراجل قعد، وحط على الترابيزة ملف أصفر سميك.
وقال
الملف ده فيه كل حاجة… بس قبل ما نفتحه، لازم الست دي تتكلم.
وأشار لسلفتي.
سلفتي نزلت راسها.
قالها
قولي الحقيقة… لأن لو أنا اللي اتكلمت، هتكون أصعب عليكي.
فضلت ساكتة.
جوزها قال بعصبية
انطقي!
سلفتي أخدت نفس طويل، وقالت وهي بتبكي
أنا… أول مرة قابلته كان من شهرين.
الكل ركز معاها.
قالت
لقيته مستنيني وأنا راجعة من السوق… وراني صور وقال إنها لو وصلت لحماتي وجوزي، حياتي هتبوظ.
حماتي سألتها
صور إيه؟
ردت
صور متفبركة… مركب فيها وشي على صور تانية.
الراجل هز راسه وقال
وده أسلوبه من زمان.
المدير سأله
يعني إنت تعرفه؟
رد
أكتر مما تتخيل.
وقبل ما يكمل…
فتح الملف الأصفر.
طلع منه عشرات الصور والأوراق.
فيها صور لأشخاص مختلفين، ورسائل تهديد، وإيصالات تحويل فلوس.
وقال
دي مش أول أسرة يعمل فيها كده.
الكل اتصدم.
أخرج ورقة تانية، وقال
خلال سنة واحدة، ابتز خمس أسر بالطريقة نفسها. .. يخلي واحد من أفراد الأسرة ينفذ حاجة تخرب البيت، وبعدها يفضل يهدده عشان يفضل ساكت.
سلفتي انهارت في العياط وقالت
أنا كنت فاكرة لو نفذت اللي طلبه هيسيبني.
الراجل رد بهدوء
المبتز عمره ما بيكتفي.
لكن قبل ما يطلع الورقة الأخيرة من الملف…
سمعوا صوت تكسير جاي من المطبخ.
الكل جري بسرعة.
لقوا شباك المطبخ مفتوح، وفي الأرض حجر كبير مربوط بورقة.
جوزي فك الورقة بسرعة.
كان مكتوب فيها جملة واحدة فقط
بلاش تكملوا… لأن الدور الجاي هيكون على واحد منكم.
وساد صمت مرعب، بينما الجميع بدأ يدرك أن الشخص الذي يدير كل هذه الأحداث لم ينتهِ بعد، بل كان يراقبهم في تلك اللحظة نفسها من مكان قريب جوزي بص من شباك المطبخ بسرعة.
الشارع كان زحمة، وعربيات ماشية، وأطفال بيلعبوا…
لكن مفيش أي حد يجري أو يبان عليه إنه رمى الحجر.
رجع وهو ماسك الورقة، ووشه كله غضب.
قال واضح إن اللي بيعمل كده شايفنا… وعارف كل خطوة بنعملها.
المدير أخد الورقة وقلبها.
وفجأة قال استنوا… في حاجة مكتوبة وراها.
قربها من النور.
ظهر رقم بخط صغير جدًا
27
سلفي استغرب وقال يعني إيه 27؟
كل واحد بدأ يخمن.
رقم شقة؟
رقم عمارة؟
رقم شخص؟
لكن الراجل صاحب الملف الأصفر اتجمد مكانه أول ما شاف الرقم.
قال بصوت واطي
للأسف… كنت خايف أشوف الرقم ده.
الكل بصله.
المدير سأله إيه معناه؟
قال كل ضحية كان بيسيب لها رقم قبل ما ينفذ الخطوة اللي بعدها.
حماتي شهقت.
قال وهو مكمل
أول أسرة ساب لهم رقم 11… وبعدها بأسبوع البيت اتفرق. والتانية رقم 18… والتالتة 22… والرابعة 26…
جوزي قال بسرعة
يعني 27…
الراجل رد وهو باصص للورقة
يعني أنتم الضحية رقم سبعة وعشرين.
الصمت خيم على المكان.
سلفتي كانت بتبكي بحرقة.
وقالت أنا السبب… أنا اللي دخلته حياتنا.
الراجل هز رأسه وقال
لا… هو كان مراقب البيت من قبل ما إنتي تعرفيه.
الجميع اتصدم.
قال اختاركم لأنكم أسرة مترابطة… وكان عايز يكسر الثقة اللي بينكم.
وفي اللحظة دي…
المدير افتكر حاجة.
قال الكاميرات.
جوزي قال كاميرات إيه؟
رد أكيد في كاميرا قدام العمارة أو محل قريب صورت اللي رمى الحجر.
جوزي لبس هدومه بسرعة وقال يلا.
لكن قبل ما يفتح باب الشقة…
لقي ظرف أبيض مدسوس تحت الباب.
بصوا لبعض في ذهول.
جوزي فتحه بحذر.
كان جواه مفتاح صغير جدًا… ومعاه ورقة مكتوب عليها
لو عايزين تعرفوا أنا مين… دوروا على الباب اللي بيفتح بالمفتاح ده… بس خلو بالكم، أول واحد هيدخله… ممكن مايرجعش جوزي فضل ماسك المفتاح بين صوابعه، يقلبه يمين وشمال.
كان مفتاح نحاس قديم، وعلى رأسه رقم محفور بوضوح
B14
المدير أخده منه، وبص له بدقة، وقال
ده مش مفتاح شقة عادي… ده مفتاح مخزن أو دولاب حديد.
الراجل صاحب الملف الأصفر قرب وقال
وأنا شفته قبل كده.
الكل بصله في نفس اللحظة.
قال
في كل قضية من القضايا اللي كنت بتابعها، كان بيسيب مفتاح شبه ده… واللي يلاقيه يفتكر إنه هيوصله للحقيقة.
سلفي سأله بسرعة
ووصلتوا لإيه؟
سكت شوية، وبعدين قال
ولا مرة.
حماتي قالت بخوف
ليه؟
رد وهو بيبص للمفتاح
لأن كل مرة كنا نوصل للمكان… نلاقيه متفضي قبلها بدقايق.
جوزي ضغط على المفتاح بإيده وقال
المرة دي مش هيسبقنا.
وفجأة…
ابن الجيران خبط على الباب وهو بيجري، وقال وهو بينهج
يا عمو سالم… في راجل كان واقف تحت العمارة، أول ما شافني إداني الورقة دي وقال أطلعها بسرعة.
جوزي خطف الورقة.
فتحها.
كان مكتوب فيها
بلاش تضيعوا وقتكم في المفتاح… لأن المكان اتفضى من ساعة.
الكل اتجمد.
المدير قال
يعني هو عارف إن المفتاح وصلنا.
الراجل صاحب الملف الأصفر ابتسم ابتسامة خفيفة لأول مرة، وقال
لا… هو عايزنا نفتكر إنه سابقنا.
جوزي استغرب
يعني إيه؟
رد
الشخص اللي بيلعب اللعبة دي بيحب يزرع اليأس. كل رسالة بيبعتها هدفها يخليكم تستسلموا.
سلفتي رفعت رأسها لأول مرة وقالت
أنا أعرف حاجة.
الكل بص لها.
قالت
لما قابلني أول مرة… كان دايمًا يلبس جوانتي، لكن مرة وهو بيديني الظرف، وقع منه مفتاح.
جوزها قال بسرعة
زي ده؟
هزت رأسها بالنفي.
وقالت
لا… كان فيه ميدالية جلد سودا مكتوب عليها كلمة واحدة.
المدير سألها
إيه هي؟
بلعت ريقها وقالت
المخزن.
في نفس اللحظة، الراجل صاحب الملف الأصفر ضرب كف على كف، وقال
عرفتها!
الكل قرب منه.
قال
من خمس سنين كان في مخزن قديم اتقفل بعد قضية كبيرة… وكل الأدلة اختفت منه في ليلة واحدة.
المدير سأله
وفين المخزن ده؟
رد وهو بيخرج خريطة قديمة من الملف
على أطراف البلد… لكن المشكلة إن…
وقبل ما يكمل…
رن تليفون الأرضي في البيت.
رنة واحدة…
واتنين…
وتلاتة…
ولا حد كان بيتصل على الرقم ده من سنين.
جوزي رفع السماعة ببطء.
جاله صوت هادئ جدًا قال
لو خرجتوا تدوروا على المخزن… هترجعوا ناقص واحد.
ثم انقطعت المكالمة، وبقي الجميع ينظر إلى بعضه في صمت، غير قادرين على تحديد ما إذا كان التهديد مجرد محاولة لإخافتهم… أم أن هناك بالفعل من ينتظرهم في المكان جوزي قفل السماعة، وبص للمدير وقال بحزم
أنا مش ههرب. اللي عايز يخوفنا خلاص كشف نفسه.
المدير هز رأسه وقال
يبقى نروح المخزن… لكن بحذر.
بعد ساعة، راحوا كلهم للمخزن القديم، ومعاهم الشرطة بعد ما بلغوها بكل اللي حصل، وسلموا لهم الفيديوهات والرسائل والتهديدات.
أول ما وصلوا، لقوا باب المخزن مقفول بقفل قديم.
جوزي طلع المفتاح اللي كان في الظرف.
لفه في القفل…
وفعلًا فتح.
دخلوا بحذر.
المخزن كان مليان كراتين قديمة، لكن في آخره كانت فيه غرفة صغيرة مقفولة.
ولما فتحوها…
لقوا أجهزة كمبيوتر، وكاميرات مراقبة، وملفات عليها أسماء عشرات الأسر، وصور ورسائل وملفات مزورة كان بيستخدمها المبتز علشان يوقع بين الناس ويبتزهم بالفلوس أو ينفذوا أوامره.
لكن المفاجأة الكبرى…
إن صاحب المكان كان مستخبي جوه، وحاول يهرب من الباب الخلفي.
الشرطة جريت وراه، وبعد مطاردة قصيرة قدرت تمسكه.
وأثناء التحقيق، اعترف بكل حاجة.
اعترف إنه اختار سلفتي لأنها كانت أكثر واحدة غيرانة

في البيت، واستغل غيرتها، وبعدها بدأ يهددها بصور مفبركة وبرسائل مزيفة، لحد ما أجبرها تحط الشطة في الأكل.
وقال بالحرف
أنا كنت متأكد إن البيت هيتقلب على بعضه، وإن الكل هيتهم مرات أخوه، وساعتها هقدر أبتزهم كلهم.
لكن خطته فشلت…
لأن الموبايل اللي ابنها سابه بيصور في المطبخ فضح كل حاجة.
رجعوا البيت، والصفقة ما ضاعتش.
المدير وقف قدام جوزي وقال
أنا شوفت بعيني إنكم أهل ثقة، وإن اللي حصل كان مؤامرة. والعقد هيتوقع النهارده قبل بكرة.
وبالفعل، نجح مشروع جوزي، وكبر شغله، وربنا كرمه خير كبير.
أما سلفتي…
فوقفت قدام حماتي وأنا، وهي بتبكي بحرقة.
قالت
أنا غلطت… الغيرة عمت عيني، لكن عمري ما كنت أتخيل إن أوصل لكده. سامحوني.
حماتي قالت لها
المسامحة عند ربنا كبيرة، لكن الثقة لما بتتكسر، بتحتاج وقت طويل علشان ترجع.
ومن يومها، سلفتي سابت بيت العيلة هي وجوزها، وبدأوا حياتهم في شقة مستقلة، وحاولت تصلح من نفسها وتثبت بأفعالها إنها اتعلمت من غلطها.
أما أنا…
فضلت ماسكة مفاتيح البيت، لكن المرة دي حماتي حطت إيدي في إيدها وقالت قدام الكل
المفاتيح دي مش عشان إنتي الكبيرة… دي عشان الأمانة عمرها ما كانت بالمكان، كانت بالأخلاق.
وساعتها بصلي جوزي وهو مبتسم وقال
الحق عمره ما بيضيع… حتى لو اتأخر.
تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *