النص بالنص ج2 للكاتبة نرمين عادل همام

ج2

مش ممكن.. مش ممكن تكون الشقة دي بتاعتي!”، قولت والذهول شل لساني. “أنا أبويا مات وهو عليه ديون ومكنش حيلته حاجة!”

المحامي فتح ملف كبير كان معاه، وطلع منه عقد الملكية المسجل، ودفاتر الحسابات القديمة، وبدأ يوريني الأوراق الرسمية. اتضح إن والدي، “أسامة الشناوي”، كان شاري الشقة دي ودفع تمنها بالكامل قبل سنين طويلة من تعبه ومرضه الأخير. وعشان أنا كنت قاصرة ومش هعرف أدير أموري، ساب الإدارة المؤقتة والوصية في يد شريك قديم ليه كان بيثق فيه جداً، مع تعليمات صريحة وموثقة إني أستلم الشقة والفلوس اللي فاضلة في الحساب أول ما أتم سن التلاتين.

“الوصي ده توفى من 5 سنين”، المحامي كمل كلامه وهو بيشاورلي على الأوراق المرفقة: 

“وقبل ما يموت ولما صحته تدهورت، عين الأستاذ شريف كمعاون ومسؤول عن إدارة الأمانة دي، وده لأنه كان جوزك وموثق قسيمة الجواز، وقدم أوراق ومستندات خلت الوصي يفتكر إنه راجل أمين وهيقدر يحافظ على أمانة مراته لحد ما السن القانوني يكتمل”.

لفيت وشي وبصيت للراجل اللي نمت معاه تحت سقف واحد لمدة ست سنين كاملة، كنت ببص له وأنا حاسة بقشعريرة ورعب وكأنني شفت غول. سألته وصوتي مخنوق بالدموع: 

“إنت كنت عارف من إمتى؟ من إمتى وإنت بتلعب بيا اللعبة دي؟” “كان عارف من قبل الفرح ومن قبل ما يكتب كتابه عليكي اصلاً”، حماتي “ثريا” هي اللي ردت بالنيابة عنه وصوتها كله قهر وخزي من عمايل ابنها.

الكاتبة نرمين عادل همام

شريف ضرب كف إيده على الترابيزة بكل عصبية وزعق في أمه:

 — أمي! اخرسي خالص وم تتدخليش! بس الحاجة ثريا متراجعتش ولا خافت منه، وقالت بوجع:

 — مش هخرس يا شريف.. أنا لقيت صندوق الخيانة ده في شقتك الجديدة اللي في التجمع.

حسيت إن صدري بيقفل والهوا بينتهي من الأوضة، وقولت بزهول: 

“شقة إيه؟ شقة إيه اللي في التجمع؟” المحامي طلع نسخة حديثة مستخرجة من السجل العقاري، وقالي:

 “الأستاذ شريف اشترى شقة تمليك باسمه في منطقة التجمع الخامس من سنتين. وجزء كبير من المقدم بتاعها مدفوع ومسحوب مباشرة من الحساب اللي سابه والدك لـمصاريفك وصيانة الشقة دي، والجزء الباقي من الأقساط كان بيدفعه بانتظام من التحويلات اللي كنتِ بتبعتيهاله كل شهر تحت مسمى (نص الإيجار والمصاريف)”.

في اللحظة دي شريط الـ 6 سنين اتعرض قدام عيني في ثانية.. أنا كنت بحرم نفسي من اللقمة ومن الفاكهة عشان أوفر له نص الإيجار! كنت بستلف وبقسط بالفوائد عشان أصلح البوتاجاز وهو بيسحب من فلوس أبويا اللي متصلح بيها البوتاجاز في الأوراق! كنت بقلب في أسواق العتبة والوكالة عشان ألاقي أرخص الأسعار وأوفر مليم، وهو بيبني ثروته وعقاراته باسمه من شقايا وشقى أبويا!

شريف حاول يلم الموضوع ويزيف الحقيقة، وبدأ يتكلم بتلعثم: — الموضوع مش كدة خالص يا دينا.. أنا كنت بس بدير الأمور وبشغل الفلوس، والفلوس مكنتش ضايعة ولا حاجة دي كانت مجمدة. زعقت فيه بأعلى صوتي ودموع القهر نازلة: “ولما كنت بتدير أملاكي وفلوسي، تروح تشتري شقة باسمك إنت؟! باسمك إنت ليه؟!” رد ببرود مقزز: 

— ما هي كانت استثمار لينا احنا الاتنين يا دينا!

بس أنا مكنتش أعرف أصلاً إنها موجودة! ولا أعرف إن الشقة دي شقتي!

الكاتبة نرمين عادل همام

مسك نبرة الهدوء الماكرة بتاعته، وقرب مني وحط إيده على كتفي يحاول يحرجني ويحسسني بالغباء كالعادة: — يا دينا إنتي مبتفهميش في الأملاك ولا في حسابات الضرائب العقارية والحي. أبوكي الله يرحمه ساب تركة فيها مشاكل قانونية معقدة، وأنا كل اللي عملته إني حولت المشاكل دي لحاجة مفيدة نقدر نستفيد منها.

المحامي مقاطعه وحط قائمة تانية على الترابيزة، وقالي: 

“على مدار 5 سنين كاملة، تم سحب مبالغ ضخمة جداً من الحساب ده بحجة دفع العوائد، الضرائب، الصيانة، التأمين، وتصليحات دورية.. والأخطر من ده، إنه كان بيسحب مبالغ تحت بند (دعم مادي مباشر للمستفيدة)”. بصيت للمحامي وقولتله بصدمة: “أنا عمري ما شوفت ولا استلمت مليم واحد من الدعم ده!”

المحامي كمل وهو بيقرأ البنود: 

“كمان الحساب ده اتسحب منه ممارسات دفع لشراء ساعات ماركة، ورحلات مصايف، وأثاث فاخر، ومدفوعات لبطاقات ائتمانية تانية خالص مش باسمك”. حسيت إن الدنيا بتلف بيا، وبصيت للمحامي وسألته بـرعب وقلق: “قولي الحقيقة يا فندم.. فاضل كام في الحساب؟ الحساب فيه كام دلوقتي؟”

المحامي سكت، ونزل عينيه في الأرض ومقدرش يبص في عيني لثواني، والسكوت ده كان لوحده كفيل يذبحني.

تجنب المحامي النظر إلي لبضع ثوان، وقال بنبرة هادية وفيها أسى: 

“أقل من النص يا مدام.. الحساب اتصفى ومبقاش فيه غير فتافيت”.

في اللحظة دي حسيت إن رجليا اتهزت ومبقتش شايلاني، والدنيا اسودت في عيني وكنت هقع، بس الحاجة ثريا جِريت عليا ولحقتني واحتضنتني بكل قوتها قبل ما أقع على الأرض. بكت وقالت وهي بتمسح على راسي: 

— سامحيني يا بنتي.. حَقِّك عليا أنا. أنا كنت عارفة إن ابني أناني وطماع، بس عمري ما تخيلت إن جبروته ووساخته توصله لكده!

شريف ضحك بسخرية وازدراء وبص لأمه وقال: 

— الله! والآن بقى اتضح إن كلكم قديسين وأنا الشيطان؟ ما دينا كانت عايشة هنا، ومستحملة، وبتستخدم الشقة ومسألتش في حاجة ولا دورت ورايا! ردت عليه أمه بصوت زلزل الصالة: 

— لأنها وثقت فيك يا بني آدم! اتقي الله بقى! رد بكل برود وعينه قوية: 

الكاتبة نرمين عادل همام

— ده غلطتها هي مش غلطتي أنا.. اللي يثق بزيادة يستحمل.

العبارة دي نزلت على الصالة زي الصاعقة، والكل سكت تماماً. في اللحظة دي فهمت وشوفت حقيقته؛ هو مش ندمان ولا فارق معاه الوجع اللي سببهولي، هو كل اللي مضايقه ومولع النار فيه إنه اتكشف واتفضح قدام أمه والمحامين.

المحامي بدأ يشرحلي بـتفصيل قانوني إن يوم عيد ميلادي التلاتين بعد تلات أسابيع هو اليوم اللي المفروض أستلم فيه التركة قانوناً وتنتهي الوصاية. وشريف كان مجهز ومستف ورق توكيل عام رسمي شامل بـالبيع والنفس والغير، وإدارة وإيجار واستخدام الشقة دي والفلوس كـضمان في البنوك. وكان ناوي يخليني أمضي عليه وسط العشا بره في وسط زحمة أوراق قال إنها تبع تأمين على الحياة عشان يغفلني.

بصلي شريف وقال بمنتهى الثقة المقززة: 

— وإنتي كنتِ هتمضي يا دينا.. إنتي طول عمرك بتمضي على أي ورقة أشرحهالك وأنا مغمض عينيكي. رديت عليه والدموع بـتحرق عيني: “لأنك كنت جوزي! الراجل اللي مأمناله على حياتي واسمي!” 

— وعشان أنا جوزك، كان من حقي أحمي الحاجة اللي تخصنا وبتاعتنا احنا الاتنين. زعقت فيه بقهر: 

“مفيش حاجة اسمها (بتاعتنا) لما يكون فيه طرف بيسرق ويخون، والطرف التاني غافل وميعرفش اصلاً إنه يملك حاجة!”

كنت عايزة ألم شنطي وأمشي فوراً ومأقعدش معاهم في مكان واحد، بس المحامي طلب مني أهدا وأستنى كام دقيقة. كان لازم يراجع ملف تيريزا أو “الحاجة ثريا” لقته في شقته التانية وجابته معاها. الملف ده كان فيه صور من بطاقتي الشخصية، ونسخ من شهادة ميلادي، ووصولات مرافق، وأوراق بيضاء كتير عليها توقيعي واسمي متكررين عشرات المرات بخطوط مختلفة! بعض الإمضاءات كانت بتاعتي فعلاً، والبعض التاني كان واضح إنه تزوير وتقليد.

المحامي وكاتب العدل قعدوا يقارنوا بين الخطوط والتوكيعات، والمحامي قال بصدمة:

 “ده واضح إنه كان بيتمرن ويجرب يقلد خطك وإمضاكي عشان يزور عقود تانية!” هنا شريف فقد هدوءه المزيف تماماً، ووشه احمر وعروقه برزت وزعق:

 — دي أوراق قديمة ومسودات ملهاش أي قيمة! ومبتثبتش أي حاجة عليا!

الحاجة ثريا طلعت تليفونها من الشنطة وقالت بـقوة:

 — لأ بتثبت.. وأنا كمان لقيت على تليفونه القديم تسجيلات صوتية بصوته. شغلت التسجيل، وكان مكالمة مسجلة بين شريف وبين محامي تاني أو حد شغال في الحي، كانوا بيتكلموا فيها إزاي يثبتوا تقييم قليل للشقة ومبلغ وهمي، ويمثلوا إن الشقة عليها ديون ووصلات أمانة مأخرة، عشان ينقلوا ملكيتها لشركة مقاولات وهمية تابعة لشريف. وسمعت صوت جوزي في التسجيل وهو بيقول بسخرية:

 “دي مغفلة ومبتراجعش ورايا أي ورقة بوقعلها عليها، وأول ما تتم الـ ٣٠ كل حاجة هتخلص والورق هيبقى رسمي باسمي”.

المحامي بصلي وقالي بحسم:

الكاتبة نرمين عادل همام

 “يا مدام دينا، رأيي إنك تسيبي البيت ده حالا، وتطلعي معايا نلغي أي تفويض أو توكيل قديم في الشهر العقاري، ونعمل بلاغ فوراً في قسم الشرطة بـالتزوير والنصب وخيانة الأمانة”. هزيت راسي بالموافقة وأنا حاسة إن حلقي مقفول ومش قادرة أنطق بكلمة من كتر الوجع والصدمة.

قمت عشان أخد شنطي وأمشي، بس فجأة شريف تحول لـوحش، وجري وقف عند باب الشقة وجسمه حابس المخرج تماماً، وزعق بـجنون وعينيه بتطلع شرار: 

— مفيش مخلوق هيخرج من الباب ده ولا رجل واحدة هتعتب بره

قبل ما نتفاهم ونحل الموضوع ده سوا!….يتبع للجزء الثالث 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *