حكايات امانى السيد الجزء الاخير

في صباح اليوم التالي، نزلت عنان من شقتها والابتسامة تزين وجهها، تشعر لأول مرة منذ سنوات بأنها تتنفس حرية. دخلت المركز الطبي وبدأت في تنظيم الملفات واستقبال الحالات بنشاطها المعتاد. كان الدكتور راكان يراقبها من مكتبه الزجاجي، وفي عينيه نظرة تقدير وإعجاب يزداد يومًا بعد يوم بهذه المرأة التي تحدت ظروفها لتبني نفسها من جديد.

في منتصف الدوام، ساد الهدوء أرجاء المركز، فخرج راكان متوجهًا إلى مكتب الاستقبال وبيده كوبان من القهوة. مد يده بأحدهما لعنان قائلًا بابتسامة هادئة:

“أعتقد إنك محتاجة بريك يا مدام عنان، الشغل انهارده كان ضغط كبير عليكي.”

شكرته عنان وأخذت الكوب قائلة: “شكراً يا دكتور، تعبك معايا ومع سارة مش هنساه أبدًا. أنا بجد ممتنة للمكان هنا ولأمان اللي حاسة بيه.”

نظر إليها راكان بعمق وقال: “الأمان ده حقك يا عنان.. والشخص اللي يفرط في إنسانه زيك وزي طيبتك ودقة شغلك، يبقى أعمى.”

احمرت وجنتا عنان وخفضت عينيها بخجل، لكن هذه اللحظة الدافئة لم تدم طويلاً. فجأة، دُفع باب المركز بقوة أحدثت جلبة شديدة، ودخل وليد وعيناه تتطاير منهما شرارات الغل والانتقام، وخلفه والدته التي كانت تلتفت يمينًا ويسارًا بحقد.
تسمّرت عنان في مكانها، وسقط كوب القهوة من يدها لينكسر على الأرض، بينما تراجع قلبها خطوات إلى الوراء قبل أن تستجمع قوتها وتتذكر أنها لم تعد تلك الضعيفة المستسلمة.

صاح وليد بصوت هز جدران المكان: “أهلاً يا ست عنان! فاكرة نفسك هربتي؟ فاكرة الشويتين بتوع المستشفى والورق اللي مضيتيني عليه بالتهديد هيخيلوا عليا؟ أنا جبتك وجبت الكلبة صاحبتك اللي مخبياكي!”

تقدّمت الحماة بوقاحة وقالت وهي تشير بإصبعها لعنان: “فين الذهب يا حرامية؟ فين الفلوس اللي سرقتيها من دولاب ابني؟ جاية تعملي فيها ست هانم وتشتغلي في مراكز نظيفة بفلوسنا؟”

انتفض راكان ووقف حائلًا بين وليد وعنان، ونظر لوليد بنظرة حادة ملؤها الهيبة والبرود وقال بصوت جهوري: “أنت مين وإزاي تسمح لنفسك تدخل مركز طبي محترم بالأسلوب ده؟ اخرج برة فوراً قبل ما أطلب لك الأمن والشرطة.”

نظر إليه وليد باحتقار وقال: “أنت بقى الدكتور اللي مشغلها عندك؟ دي مراتي.. قصدي طليقتي، ومأكلاني منوم وممضياني على ورق سرقة، وسارقة ذهب أمي وفلوسي وهربانة بالعيال! ابعد من وشي عشان أنا مش هسيبها انهارده.”

هنا، تقدمت عنان من خلف راكان، وقفت بثبات وعيناها تتحديان وليد، وقالت بصوت مسموع لكل الموجودين: “أنا مش ههرب تاني يا وليد. والورق اللي معاية ورق رسمي، أنت مضيت عليه بكامل إرادتك عشان تنجد نفسك من القضية اللي كنت هرفعها عليك. والذهب ده دهبي.. شرعي وحقي اللي أمك سرقته مني زمان، والفلوس دي نفقة ولادك اللي أنت رميتهم ومسألتش فيهم عشان تصرف على مزاجك وسهراتك!”
جن جنون وليد وحاول الاندفاع نحوها ليمسكها من ملابسها، لكن راكان كان أسرع؛ أمسك بذراع وليد ولواها خلف ظهره بقوة جعلت وليد يصرخ متألمًا، وقال راكان في أذنه بنبرة حاسمة كالسكين: “قلت لك المكان هنا ليه حرمته، والست دي في حمايتي وحماية القانون. أي خطوة تانية منك هترهقك بقية عمرك في السجن.”

صاحت الحماة وهي تحاول تخليص ابنها: “سيب ابني يا جدع أنت! إحنا مش هنمشي من هنا غير بالشرطة، وإحنا اللي هنجرجرها في المحاكم!”

في تلك اللحظة، دخلت سارة مسرعة ومعها فردين من أمن المبنى ورجل شرطة كان يمر بالصدفة في الشارع واستنجدت به.

تقدم الشرطي قائلًا: “في إيه هنا؟ الصوت عالي ليه والناس ملمومة؟”

أسرع وليد بالحديث وهو يمسك ذراعه: “يا فندم الست دي سر.قتني وهربت بالعيال ومضتني على ورق تحت الته.يد، والدكتور ده بيعتدي عليا!”

ابتسمت عنان بهدوء وثقة، وأخرجت من حقيبتها ملفًا كانت تحتفظ به تحسبًا لهذه اللحظة، وقدمته للشرطي قائلة: “يا فندم، ده ورق طلاقي الرسمي، وده تنازل موثق منه عن البيت وعن حضانة الأولاد والولاية التعليمية. والتقرير الطبي اللي معايا من المستشفى الحكومي بيثبت إنه مكنش فيه أي حالة تسمم زي ما بيدعي، ده كان واخد مهدئات من اللي متعود يشربها، والناس لقوه في الشارع. هو جاي هنا يتبلى عليا ويتهجم على مكان أكلي وعيشي أنا وولادي.”

تصفح الشرطي الأوراق بدقة، ثم نظر لوليد وأمه باش.مئزاز وقال: “الأوراق كلها سليمة وموثقة. وأنت يا أستاذ مفيش في إيدك أي إثبات أو بلاغ رسمي بالسرقة. تهجمك على مركز طبي وسب وقذف موظفة أثناء عملها دي جريمة لوحدها.”

التفت الشرطي لأفراد الأمن وقال: “خدوا الاتنين دول برة، ولو عتبوا باب العقار ده تاني اطلبوا النجدة فوراً وهتعملهم محضر عدم تعرض.”

سحب الأمن وليد وأمه وسط صراخ الحماة وتهديدات وليد المكتومة، وهو ينظر لعنان بنظرات توعد بالدمار، بينما كانت عنان تقف شامخة، تشعر بأن كابوس الماضي بدأ يتلاشى جديًا.
التفت راكان إلى عنان، ونظر إلى يديها المرتجفتين رغماً عن شجاعتها، وقال بنبرة دافئة غيرت ملامحه الجادة: “أنتِ كويسة يا عنان؟”

أومأت برأسها والدموع تترقرق في عينيها: “أنا كويسة.. شكراً ليك يا دكتور، بجد مش عارفة أقولك إيه.”

راكان بابتسامة ذات مغزى: “متشكرنيش.. دي البداية بس، والي جاي هيخليكي أقوى بكتير من الأول. اطلعي ارتاحي انهارده مع أولادك، والشغل يكمل بكرة.”

صعدت عنان إلى شقتها، ضمت أولادها إلى صدرها بقوة، لكن في أسفل المبنى، كان وليد يقف بعيداً في زاوية الشارع، يراقب مدخل العمارة وعيناه تشعان بالشر، وهو يهمس لأمه: “وحياة دموعي وإهانتي قدام الناس دي كلها يا عنان، لأخليكي تدفعي التمن غالي.. والمرة الجاية مش هتبقى محاكم ولا ورق!”
مرت عدة أشهر على حادثة المركز الطبي، واستقرت حياة عنان بشكل ملحوظ. أثبتت كفاءة منقطعة النظير في إدارة المركز، ونالت ثقة الدكتور راكان الكاملة، الذي لم يعد يرى فيها مجرد موظفة ممتازة، بل رأى فيها شريكة حياة مخلصة وقوية. تقدم راكان لخطبة عنان رسميًا بعد أن لمس فيها نقاء السريرة وتحمل المسؤولية، وافقت عنان بعد تفكير عميق، خاصة وأن أولادها أحبوا راكان الذي عاملهم كأب حنون وعوضهم عن جفاء والدهم.

كانت الترتيبات لحفل الزفاف البسيط تجري على قدم وساق، وعنان تعيش أيامًا من السعادة الممزوجة بالقلق الخفي من غدر وليد، الذي اختفى تمامًا ولم يعد يظهر في الأفق منذ طرده من المركز. لكن هذا الاختفاء لم يكن زهدًا أو ندمًا، بل كان الهدوء الذي يسبق العاصفة.

في إحدى الليالي، وقبل الزفاف بأيام قليلة، كانت عنان في الشقة تجهز عشاءً خفيفًا لأولادها، وسارة تجلس معهم تمازحهم. فجأة، انقطعت الكهرباء عن الشقة بأكملها وساد الظلام الدامس.

سارة باستغراب: “إيه ده؟ النور قطع ليه؟ دي المنطقة هنا مبتقطعش فيها الكهرباء خالص.”

عنان بقلب مقبوض: “مش عارفة يا سارة، خليني أشوف من البلكونة كده العمارة كلها ضلمة ولا عندنا بس.”

خرجت عنان إلى الشرفة، لتفاجأ بأن الشارع مضاء بالكامل، وأن عمارتهما هي الوحيدة المظلمة، بل إن الأمر بدا وكأن لوحة مفاتيح شقتهم تحديدًا قد عُبث بها. وقبل أن تستدير لتخبر سارة، سمعت صوت حركة غريبة عند باب الشقة الخارجي، تلاها صوت تكة المفتاح.. الباب يُفتح!

تسمّرت عنان في مكانها، وخرجت سارة من الصالة وهي تضيء كشاف هاتفها المحمول قائلة برعب: “عنان! في حد بيفتح الباب بمفتاح مصطنع!”

دُفع الباب بقوة، ودخل ظلان مألوفان عبر ضوء كشاف الهاتف. كان وليد، ومعه رجل ضخم البنية يرتدي ملابس رثة وعيناه تملأهما القسوة.

صرخت سارة: “وليد! أنت إزاي تدخل هنا؟ اخرج برة وإلا هطلب الشرطة!”

وليد بابتسامة مرعبة ظهرت تحت ضوء الكشاف: “اطلبي اللي أنتِ عايزاه.. عقبال ما ييجوا هكون أخدت اللي أنا عايزه. النور مش هيجيبوه لأن صاحبي فصل العمومي بتاع الدور كله.”
التفت وليد إلى عنان التي كانت تقف متماسكة رغم الرعب الذي ينهش صدرها، وقال بفحيح الأفاعي: “فاكرة إنك كسبتي يا عنان؟ فاكرة إنك هتاخدي عيالي وتتجوزي بيهم الدكتور بتاعك وتعيشي هانم؟ أنا راقبتم وعرفت كل خطوة بتخطوها. انهارده بقى مفيش ورق، ومفيش شرطي واقف على الباب يحميكي.”

تحركت عنان بحذر لتصبح أمام غرفة أولادها لحمايتهم، وقالت بصوت حاولت جعله قويًا: “أنت عايز إيه يا وليد؟ أنت مضيت على كل حاجة ومبقاش ليك صفة هنا، اخرج برة وسيبنا في حالنا!”

وليد بغل: “عايز عيالي.. هاخدهم معايا، وعايز الذهب والفلوس اللي سرقتيها. ولو فتحتي بقك أو حاولتي تمنعيني، صاحبي ده ملوش غالي، والشقة ضلمة ومحدش هيسمعلك حس.”

أومأ الرجل الضخم بيده وتقدم خطوة نحو عنان، بينما تراجعت سارة للخلف وهي تحاول الاتصال بالشرطة، لكن وليد لمحها واندفع نحوها ليمسك الهاتف ويقذفه على الأرض ليتحطم تمامًا.

في تلك اللحظات العصيبة، اندفعت عنان نحو المطبخ الذي كان قريبًا منها، واستلت سكينًا حادًا وقفت به في مواجهة وليد والرجل الضخم، وقالت بعيون تشع ب غريزة الأمومة والشرر: “ورحمة أمي يا وليد.. لو قربت خطوة واحدة من أوضة العيال لأكون مخلصة عليك بجد المرة دي، ومش هتبقى كدبة ومنوم زي المرة اللي فاتت! أنا معنديش حاجة أخسرها!”

تردد الرجل الضخم عندما رأى نبرة المو.ت في عيني عنان والسكين يلمع في يدها، ونظر لوليد قائلًا: “يا عم أنت مقلتش إن الحرمة هتقلب قلبة دي، إحنا كده هندخل في جناية!”

وليد بغضب أعمى: “أنت هتخاف من حتة ست؟ ادخل هاتها وهات العيال!”

وفي تلك اللحظة التي كان يستعد فيها الرجلان للهجوم، سُمع صوت خطوات ركض سريعة وقوية على سلم العمارة، يتبعها صوت ضربات عنيفة على باب الشقة المفتوح جزئيًا، وصوت مألوف يصرخ بقوة وهيبة: “عناااان! سارة!”

كان الدكتور راكان، الذي شعر بانقباض في قلبه بعد أن حاولت سارة الاتصال به مرارًا قبل أن ينقطع الخط فجأة، وجاء مسرعًا ليجد ظلام الدور الرابع مريبًا.
دخل راكان الشقة كالإعصار وهو يضيء كشاف هاتفه الأقوى، ليرى المشهد: عنان بالسكين، وسارة منهارة، ووليد والرجل الضخم يستعدان للفتك بهما.

لم يتردد راكان ثانية واحدة، بل اندفع بكل قوته نحو وليد والرجل الضخم، لتشتعل معركة عنيفة في ردهة الشقة المظلمة، معركة ستحدد مصير الجميع في الجزء القادم والأخير.

التحم راكان مع الرجل الضخم في عراك عنيف وسط ظلام الردهة التي لم تكن تضاء إلا بومضات عشوائية من كشافات الهواتف الملقاة على الأرض. كان الرجل ضخم البنية وقاسي الضربات، لكن راكان كان يدافع عن شرفه وحياة الإنسانة التي اختارها قلبه، فضربه بقوة وثبات مستغلاً تشتت الآخر.

في تلك الأثناء، استغل وليد انشغال راكان بالرجل الضخم، واندفع بنذالة نحو عنان ليتخلص من السكين التي بوشاح يدها ويأخذ الأولاد. صرخت سارة برعب: “حاسبي يا عنان!”

لكن عنان لم تعد تلك المرأة المهزوزة التي تخاف ظله؛ تفادت اندفاعه بذكاء، وبحركة سريعة ومباغتة، ضربته بمقبض السكين الخشبي الثقيل على جبهته، ثم دفعتها غريزة الأمومة لتسديد ركلة قوية إلى بطنه، في نفس الموضع الذي كان يتألم منه يوم “عشاء الانتقام”. سقط وليد على الأرض يلهث بغل وألم، والسكين ما زال مثبتًا في يد عنان فوق رأسه كصقر يوشك أن ينقض.
في الجانب الآخر، استطاع راكان تسديد ضربة قاضية لفك الرجل الضخم، أطاحت به أرضاً ليرتطم رأسه بحافة المقعد ويفقد وعيه تماماً. وفي نفس اللحظة، دوت أصوات سرينات الشرطة في الشارع أسفل العقار، فقد تبين أن سارة كانت قد أرسلت رسالة استغاثة سريعة لشرطي المعارف قبل أن يحطم وليد هاتفها.

اقتحمت قوة من الشرطة الشقة بكشافاتهم العالية، وأعاد أحد الجيران التيار الكهربائي للدور، ليتضح المشهد بالكامل. انخرط وليد في بكاء مرير وهو ملقى على الأرض، بينما تم تقييد الرجل الضخم الذي بدأ يستعيد وعيه.

تقدم ضابط المباحث ونظر إلى وليد باش.مئزاز: “أنت تاني؟ مش هتعقل وتجيبها لبر؟ اتهام بالبلاغ الكاذب، ودلوقتي اقت.حام مسكن، وترويع آمنين، ومحاولة خ.طف وخارجين عن القانون!”

صاح وليد وهو يُقاد مكلبش الكفين: “دي مراتي ودي شقتي! هي اللي سرقتني!”

رد الضابط بحزم: “الورق اللي قدمته الأستاذة المرة اللي فاتت يثبت إنك مطلقها ومليكش أي صفة هنا، والبيت ده إيجار باسم صديقتها. هتمو.ت في السجن المرة دي يا وليد أنت والبلطجي بتاعك.”

التفت راكان إلى عنان، وأخذ السكين من يدها المرتجفة برفق، ثم جذبها إليه ليضمها في أمان واحتواء، وخرج الأولاد من غرفتهم يركضون نحوها، فاحتضنتهم وهي تبكي دموع الفرح والراحة.. لقد انتهى الكابوس إلى الأبد.
بعد مرور شهرين..

كانت قاعة الأفراح تضج بالموسيقى الهادئة والأنوار الدافئة. كانت عنان ترتدي فستانًا أبيض ناصعًا يعكس نقاء قلبها الذي عاد ينبض بالحياة، وبجانبها راكان يمسك يدها بفخر واعتزاز، وأولادها يرتدون بدلات صغيرة ويركضون حولهما بسعادة غامرة لم يعرفوها من قبل.

اقتربت سارة منها وهي تبتسم وعيناها تلمعان بالدموع: “مبروك يا أحلى عروسة في الدنيا، ربنا عوضك كبير ويستاهل كل اللي مريتي بيه.”

نظرت عنان لزوجها راكان، ثم التفتت إلى أولادها، وابتسمت ابتساماتها المعتادة.. لكن هذه المرة، لم تكن ابتسامة رعب أو انتقام، بل كانت ابتسامة نصر، وسلام، وبداية حياة جديدة كُتبت بحروف من كبرياء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *