العروسة المكسورة ج الاخير

الكاتبة نرمين عادل همام

الجزء الثاني والاخير العروسة المكسورة بقلم نرمين عادل همام

ليلى فضلت مراقبة مروان من بعيد وهو بيجمع الخيوط بصبر مرعب، كأنه بيبني فخ ملوش مخرج. في ليلة، وقفت على باب مكتبه وقالت له: “إنت ممكن تقتله وتخلص.” مروان رفع عينه من وسط الملفات: “أيوة، أقدر.” “وليه ما عملت كده لحد دلوقتي؟” “عشان الأموات مش بيحسوا بوجع الخسارة.. أنا عايزه يفقد كل حاجة الأول.” دخلت الأوضة وسألته: “دي عدالة ولا انتقام؟”

 رجع بضهره لورا وقال: “على حسب إنتي عايزة إيه.” الكلمة هزتها، لأن مفيش حد سألها هي “عايزة إيه” قبل كده. قعدت قدامه وقالت: “عايزاه يخاف.. مش يخاف من الوجع، يخاف من الحقيقة. عايزة كل اللي حماه يفهموا إنهم اختاروا وحش. عايزاه يدخل أي مكان وما يلاقيش فيه صاحب. عايزاه يعيش كفاية عشان يستوعب إني نجوت منه.” هز راسه ببطء: “أنا قد الكلام ده.” “إنت طول الوقت بتقول ‘أنا’.” “تحبي تشاركي؟” الخوف كان رد فعلها الأول، بس فيه حاجة تانية أقوى ظهرت في عينيها: “أيوة.”

تاني يوم، مروان خدها عشان تقابل “سلمى”، بنت عندها 27 سنة، عايشة في شقة تحت حراسة مشددة من رجالة مروان. سلمى في الأول ما وثقتش في ليلى، ومحدش يقدر يلومها؛ الستات اللي من عيلة “البحيري” مش بيجوا ومعاهم طوق نجاة. سلمى قالت وهي ماسكة كوباية القهوة وإيديها بتترعش: “قال لي محدش هيصدقك.. قال لي إنتي مجرد واحدة سهلة وممكن تتبدلي بغيرك في ثانية.” صوت ليلى اتهز وهي بترد: “وقال لي إني مش وش نعمة وما بنطقش بالجميل.” سلمى رفعت راسها وبصت لها: “قال لك كده إنتي كمان؟” “أيوة.”

دي كانت البداية. لقوا خمس ستات غيرهم. فيه اللي وافقت تتكلم، وفيه اللي كانت مرعوبة. واحدة قفلت السكة أول ما سمعت اسم “جابر”، وواحدة تانية صرخت في ليلى وقالت لها تسيب الماضي مدفون. ليلى كانت فاهمة كل ده، لأنها عاشت كل الأحاسيس دي قبل كده.

بعد أسبوع، “كامل البحيري” طلب اجتماع عاجل. مروان اختار المكان: مطعم كلاسيك في الزمالك، كبائن خاصة، جرسونات ما بيتكلموش، وكل مداخل المكان متغطية برجالة السيوفي. ليلى كانت هتم*وت من التوتر، “دادة راوية” ساعدتها تلبس فستان كحلي شيك، خلاها تبان أكبر وأقوى، مش مجرد ضحية بتقدم للمذبح. راوية قالت بإعجاب: “باين عليكي إنك ناوية على مشاكل.” “حاسة إني هيغمى عليا.” “المشاكل دايماً بتبدأ كده.”

مروان كان مستنيها تحت، أول ما شافها ملامحه لانت لثانية قبل ما يرجع لوش الخشب تاني: “جاهزة؟” “لأ.” “كويس.. ده معناه إنك فاهمة إيه اللي مستنيكي جوه.” وهما في العربية، قال لها جملة واحدة: “إياكي تعتذري.” بصت له باستغراب، فكمل: “مهما قالوا، ومهما بصوا لك.. ما تصغريش نفسك عشان تريحي حد فيهم.”

في المطعم، أهلها كانوا مستنيين، ومعاهم “جابر”. ليلى رجليها وقفت وما قدرتش تمشي. إيد مروان استقرت في أسفل ضهرها، مش بتزقها، لكن بتسندها. “لو عايزة تمشي دلوقتي، نمشي،” قالها بهدوء. جابر ابتسم وهو قاعد: “أهلاً بالعروسة الخجولة.”

ليلى كانت عايزة تهرب وتختفي، ترجع البنت المطيعة اللي بتعيش في الظل عشان تسلم. بس بدل ما تهرب، قعدت جنب مروان. أمها بصت لها بقرف: “شكلك تعبان.” “أنا فعلاً تعبانة.” صفاء (أمها) اتضايقت من صراحتها. 

أبوها بدأ من غير مقدمات: “الاتهامات اللي بتتقال دي لازم تقف الليلة.” مروان كان بيقطع الأكل ببرود: “دي ما بقتش اتهامات، دي بقت أدلة.” جابر ضحك: “أدلة فبركها جوز غيور مش طايق فكرة إن فيه راجل تاني لمس ممتلكاته.” جسم ليلى اتنفض، ومروان ساب الس*ك*ينة من إيده وبص لجابر: “قول الكلمة دي تاني كده.” جابر كمل ببرود: “ممتلكاتك.. ما هي دي الحقيقة، مش الجوازة دي اللي خلتها ملكك؟” “لأ،” ليلى هي اللي ردت. 

الكل بص لها. صوتها كان مهزوز بس ما انكسرش: “أنا عمري ما كنت ملك حد.” أمها اتنهدت: “ليلى، مش وقت دراما.” “أنا اللي بدأت؟ جابر هو اللي بدأ، وإنتي اللي سمحتيله.” 

وش أمها خشب: “إنتي طول عمرك غاوية لفت نظر.”

ليلى حست إنها بتصغر وبتنكمش، بس مروان مسك إيدها تحت التربيزة. مش أمر، كان مجرد تذكير إنه موجود. رفعت راسها وقالت: “إنتي كنتي عارفة.. شوفتي الكدمات، شوفتيني وأنا مش باكل ولا بنام. شوفتيه وهو بيمد إيده عليا وإحنا على العشا، وبصيتي الناحية التانية عشان فلوسه أهم عندك من بنتك.” وش كامل (أبوها) احمر من الغضب: “خلاص، كفاية!”

“لأ مش كفاية،” الصوت ده جه من بعيد. “ياسين”، أخو ليلى الكبير، 

وقف عند أول التربيزة. ما شافتهوش من شهور، كان باين عليه التوتر وتعبان. أبوه بص له بغضب: “اقعد يا ياسين.” ياسين بص لليلى: “الكلام ده بجد؟” ليلى ردت بوجع: “أيوة.” ياسين لف لأهله بصدمة: “وكنتوا عارفين؟” كامل قام وقف: “دي أمور شغل وعيلة.” صوت ياسين بقى بارد: “لو دي العيلة، فأنا بتبري منها.”

العشا اتحول لتهديدات وصياح. كامل وصف مروان بقلة العقل، وأمها وصفت ليلى بإنها مريضة نفسياً. وجابر وهو خارج، مال على ودن ليلى وهمس: “كان أحسن لك تفضلي ساكتة يا قطة.” مروان اتحرك بسرعة البرق لدرجة إن جابر مالحقش يهرب: “لو نطقت معاها كلمة تانية، هقطع لسانك قدام المحامين بتوعك.” جابر مشي ووشه أصفر.

بره، ليلى كانت بتترعش لدرجة إن مروان قلع الجاكت ولفه حواليها. ياسين قرب منها بتردد: “أنا آسف.” بصت له وهي بتعيط: “إنت كنت عايش معانا في نفس البيت.” “عارف.” “شوفتني وأنا بنطفي.” “عارف.” “وليه ما ساعدتنيش؟” السؤال كان أقوى من أي قلم. ياسين بص في الأرض: 

“عشان كنت جبان. عشان أبويا رباني إن الشغل قبل أي حاجة. وكان أسهل لي أصدق إنك بتتدلعي بدل ما أعترف إن عيلتنا فاسدة.” بلع ريقه وكمل: “مش هقدر أصلح اللي فات، بس هقف جنبك دلوقتي.” ليلى ما سامحتهوش ليلتها، بس سمحت له يمشي معاهم.

بعد تلات أيام، بدأت “الاشاعات” تطلع زي السم في السوق. كلام إن ليلى هي اللي كانت بتجري ورا جابر.. إنها هي اللي أغوته.. وإنها ألفت القصة دي عشان مروان يلاقي سبب يكسر بيه عيلة البحيري. 

وبعدين وصلتها “الرسالة”. من غير اسم راشد، تلات جمل بخط إيد جابر: “قولي لجوزك يلم نفسه، وإلا الصور هتنزل للعلن. الكل هيشوف حقيقتك. علمتك الكسفة مرة، وأقدر أعلمهالك تاني.”

ليلى رمت الورقة كأنها نار. مروان قراها بوش خالي من التعبيرات: “صور إيه؟” ما كانتش قادرة تنطق: “صور صورها.. وقتها.. مش عارفة عددهم. قال لي لو اتكلمت هينشرهم والناس هتفتكر إن ده كان بمزاجي.” مروان نزل لمستواها وقعد قدامها: “اسمعيني كويس.. 

مهما كان اللي في الصور دي، ده دليل على “ج*ر*يمته” هو، مش “عار” ليكي.” “إنت ما شوفتهمش.” “مش محتاج أشوفهم.” “ممكن تكرهني.” بص لها بوجع: “أكرهك عشان اتأذيتي؟” دموعها نزلت، فقال لها بصوت واطي: “مفيش طريقة “غلط” عشان تنجي من وحش.. إنتي عملتي اللي قدرتِ عليه.”

في الليلة دي، ليلى بطلت تستخبى في المكتبة. كلمت سلمى، وبعدها ماريا، وبعدين ستين كمان كانوا رافضين يتكلموا. قالت لهم إن الخوف هو س*لاحه، والسكوت هو السجن اللي حابسنا فيه. على الصبح، كان فيه أربع ستات وافقوا يقفوا في وشه علناً. ومروان دعا “مجلس كبار العائلات” في القاهرة لاجتماع طارئ.

الاجتماع اتعمل في قاعة كبيرة في بيت واحد من كبارات السوق، أرض محايدة، الرخام بيلمع والنجف الكريستال منور المكان، وحواليهم جيش من الرجالة اللي لابسين بدلات شيك ومستعدين يقلبوها حرب في ثانية. ليلى كانت واقفة ورا الستار قبل ما الكل يدخل، بتسمع همهمة الرجالة وهما بيقرروا يا ترى وجع الستات “مفيد” ليهم سياسياً ولا يطنشوا أحسن.

ياسين ظهر جنبها. “محتاجك تثقي فيا الليلة دي،” قالها بهدوء. بصت له بمرارة: “إنت بتطلب طلب صعب أوي.” “عارف.”

وقبل ما ترد، مروان السيوفي طلع على المنصة. ما ضيعش وقت، ومسك الميكروفون وقال: “جابر ده وحش.. بقاله سنين بيستخدم نفوذه وفلوسه عشان يكسر ستات ملهمش حد يحميهم. الليلة دي، الستات دي هي اللي هتتكلم.”

القاعة اتقلبت صياح، وجابر وقف من وسط الناس وزعق: “دي تمثيلية!” وفجأة، ياسين طلع على المنصة. ليلى حست بقلبها هيقف. ياسين خد الميكروفون من مروان، وقال ببرود: “أختي بتكذب.”

القاعة سكتت خالص، لدرجة إنك تسمع دبة النملة. ليلى حست إن الأرض بتتهد تحتها. مروان لف وبص لياسين وعينيه كان فيها نظرة م*وت. ياسين كمل وكلامه ثابت: “ده الكلام اللي أبويا قاله لي الليلة دي. قال لي أقف هنا وأقول إن ليلى مجنونة وكلامها تأليف، عشان أحافظ على اسم عيلة البحيري.”

طلع جهاز تسجيل صغير من جيبه وضغط على زرار التشغيل. صوت “كامل البحيري” ملأ القاعة: جابر عرف يلمها ويسيطر عليها أربع سنين.. إنت فاكر إني كنت حابه؟ البنت دي كانت حمل تقيل علينا، دلوعة وضعيفة. جوازتها من السيوفي حلت مشكلتين: عطينا لمروان عروسة مكسورة، وعطينا لنفسنا حد نرمي عليه اللوم لو البت دي جرالها حاجة في عقلها.

وبعدين جه صوت أمها “صفاء” ببرود يقتلع القلب: لو ليلى كانت عرفت تلم نفسها وتتصرف صح، ما كانش كل ده حصل.

وفي الآخر، ضحكة جابر الرزلة: اهدا يا كامل.. البنات اللي زي ليلى مش بينكسروا قدام الناس، دول بينهاروا في الدرا، وهي هتنكر حتى خيالها لو أنا طلبت منها.

القاعة انفجرت غضب. ليلى مكنتش قادرة تتحرك من مكانها. ياسين لف وبص لها وعينيه مدمعة، وقال في الميكروفون قدام الكل: “أنا آسف.. كان لازم أكون أخ ليكي بجد من زمان.”

الكلمة دي كسرت كل الحواجز. “سلمى” طلعت الأول، وبعدها “ماريا”، والباقيين. واحدة ورا التانية حكوا الحقيقة. فيه اللي بكت، وفيه اللي اتكلمت ببرود، وواحدة كانت بتترعش لدرجة إن دادة راوية طلعت سندتها. بس كلهم اتكلموا.

لما جه دور ليلى، وقفت قدام الميكروفون وبصت لجابر في عينه: “بقالك أربع سنين بتقولي محدش هيصدقك.. الليلة دي أنا مش محتاجة الكل يصدقني، أنا بس محتاجة عدد كفاية يبطلوا يمثلوا إنهم مش عارفين إنت مين.”

راجل من الكبارات اسمه “الحاج منصور” وقف وقال: “أنا مصدقها.” واحد ورا التاني بدأوا يعلنوا تضامنهم. عالم جابر كان بيتهد قدام عينيه.

وفجأة، جابر اتحرك بجنون. قبل ما حد يستوعب، كان سحب ليلى من دراعها وحط طبنجة في جنبها. الكل اتفزع، ومروان سحب س*لاحه، بس جابر صرخ فيه: “حركة واحدة وهخلص عليها!”

ليلى شمت ريحته وحست بنفسه المقرف في ودنها، ولثانية رجعت لورا أربع سنين، البنت الضعيفة اللي ملهاش صوت. بس بصت لوش مروان.. ما كانش فيه خوف، ولا عجز. كان “مستني”.. كان “واثق فيها”.

ليلى داست بكل قوتها بكعب جزمتها على رجل جابر، وض*ربته بكوعها في رقبته زي ما مروان علمها. جابر شرق وقبضته فكت، وفي ثانية مروان كان عنده، هبده في الأرض هبدة خلت الرخام يتشرخ. الطبنجة طارت بعيد، ومروان ثبت س*لاحه على راس جابر. “اديني سبب واحد بس عشان أفرغ الرصاص في دماغك،” مروان قالها بفحيح مرعب.

ليلى قربت منهم وهي بتترعش: “مروان.. لأ.” مروان ما شالش عينه من على جابر، وإصبعه كان على الزناد. “مروان عشان خاطري، بلاش كدة،” همست وهي بتعيط، “لو قتلته هيبقى مجرد ج*ث*ة.. أنا عايزاه يفضل حي عشان يبقى ‘دليل’ على اللي عمله.”

مروان كان كأنه بيصارع وحش جواه، وبعدين نزل الس*لاح بالراحة. جابر ضحك بدمه وقال: “إنت فاكر إنها هتخلص في محكمة؟ أنا القضاة كلهم في جيبي.” ياسين قرب منه وقال: “مش بعد النهاردة.”

في ظرف 24 ساعة، جابر  كان مقبوض عليه. وفي ظرف يومين، “كامل وصفاء البحيري” اتوجهت لهم تهم تستر، وترهيب شهود، وجرائم مالية. الحكومة دخلت بيت البحيري وطلعت بلاوي.. دفاتير ورشاوي وحياة ناس كتير اتدمرت.

بس الشر مش بينتهي بسهولة. بعد أسبوع، جابر خرج بكفالة عن طريق قاضي مرتشي.. واختفى. فيلا السيوفي اتقلبت ثكنة عسكرية، الحراسة زادت، والكاميرات شغالة ليل نهار. مروان كان بينام على كرسي بره أوضة ليلى، ما بيدخلش إلا لو هي طلبت، بس دايماً قريب لدرجة إنها لو قامت من كابوس، بتسمع صوت نفسه وبتطمن.

في الليلة السادسة، جابر اتصل. مروان فتح “الاسبيكر”. “أنا عايز حبيبتي ترجع لي تاني،” جابر قالها ببرود. ليلى جسمها قشعر. “عمرها ما كانت ليك،” مروان رد عليه. جابر ضحك: “أنا اللي صنعتها وخليتها ليلى اللي إنت شايفها دي.” ليلى غمضت عينها، ومروان مسك إيدها يطمنها. جابر كمل: “هاتها لي عند مخازن المهندسين بكرة نص الليل. من غير حراسة، من غير أخوها، ومن غير ألاعيب.. وإلا هبدأ أقتل كل اللي ساعدوها. سلمى الأول، وبعدين أحفاد دادة راوية، وبعدين ياسين.” الخط قطع.

مروان رمى الموبايل في الحيطة: “لأ.. مستحيل!” ليلى وقفت وقالت بثبات: “أيوة هروح.” مروان بص لها بجنون: “بقولك مستحيل يا ليلى!” “أنا مش باخد إذنك.. هو هيقتلني لو ما روحتش، ولو فضلت مستخبية والناس بتم*وت بسببي، يبقى لسه قوانينه هي اللي ممشية حياتي.” مروان كان هينفجر من خوفه عليها: “إنتي فاكرة إنك لما تمشي لرجلك للفخ يبقى دي حرية؟” “لأ.. بس إني أختار إزاي أدخل الفخ ده، هو ده اللي هيخليني حرة.”

قعدوا يخططوا 18 ساعة. خطة مش كاملة، لأن الخطط الكاملة مش للي قلبهم موجوع. مروان حط رجالة في كل حتة حوالين المخزن، وياسين نسق مع شرطة العمليات الخاصة. دادة راوية نقلت سلمى والباقيين لمكان سري. ليلى فضلت تتدرب لحد ما جسمها وجعها، عشان بس تفتكر إنها تقدر تقاوم.

قبل نص الليل بشوية، ليلى ومروان وصلوا عند المخزن في منطقة مهجورة. مخزن قديم ضلمة، وصوت النيل جنبه مدي للمكان وحشة. مروان بطل الموتور وبص لها: “لسه فيه فرصة نرجع يا ليلى.” ليلى بصت لباب المخزن وقالت: “لأ.”

“بقى لي أربع سنين مصدقة إن الخوف هو اللي بيخلي الواحد يسمع الكلام.. النهاردة عايزاه هو اللي يشوف إن الخوف ممكن يخلي الواحد يتقدم وياخد حقه.”

جوه المخزن، كانت الريحة عبارة عن صدى ومية نيل راكدة. جابر كان مستني تحت لمبة قديمة بتترعش، وشه كان مخطوف وعينيه واسعة من التوتر، وماسك الطبنجة في إيده باستهتار. “عروسة قلبي،” قالها بسخرية. مروان خد خطوة لقدام، فجابر رفع الس*لاح: “مش إنت.. هي اللي تقرب.”

ليلى حطت إيدها على دراع مروان: “ما تخافش.. أنا تمام.” مروان رد بصوت واطي ومخنوق: “مش تمام يا ليلى، الموضوع يقلق.” بصت في عينه وقالت: “أنا عارفة.. بس أنا قدها.” خدت خطوة لقدام.

جابر ابتسم: “بصي لنفسك.. لسه بتترعشي.” ليلى ردت بثبات: “أيوة.. أنا خايفة فعلاً.” ابتسامته بدأت تختفي. “بس جيت برضه.”

بدأ يلف حواليها زي الديب: “هو السيوفي اللي حفظك الكلمتين دول؟” “لأ.. مروان علمني إني أقدر أقول ‘لأ’.. والباقي اتعلمته لوحدي.” ملامح جابر اتغيرت وبقت شرسة. “إنتي فاكرة إنه بيحبك؟ اللي زينا مش بيحبوا يا حلوة.. إحنا بنتملك، وبناخد اللي عايزينه. هو بس شاطر إنه يخلي القفص اللي إنتي فيه مريح شوية.”

ليلى بصت لمروان اللي كان واقف مكانه، مطلع إيده لفوق، وواثق فيها لدرجة توجع القلب. “هنا إنت غلطان،” قالت له، “القفص بجد هو لما حد يقرر بدالك إنتي عايزة إيه.. ومروان هو اللي فتح لي الأبواب.”

جابر اتحرك بسرعة ومسكها من معصم إيدها. المرة دي ليلى ما اتجمدتش مكانها. لفت بسرعة، وض*ربت كتفه المصاب، وادته ركبة في جنبه خلت الطبنجة تقع من إيده. بدأوا يتخانقوا، وخبطوا في ترابيزة حديد. جابر كان أقوى جسدياً، بس كان يائس ومصاب، واليأس ده خلاه يتصرف بغباء. “يا بنت الـ…” زعق ب غل وهو بيحاول يسيطر عليها.

ليلى زقته لورا وطلعت جهاز التسجيل الصغير من جيبها. عينيه وسعت من الصدمة.. كل كلمة نطقها كانت واصلة لشرطة العمليات الخاصة اللي مستنية على بعد شارعين. صوت السارينة بدأ يعلى في المكان. جابر اندفع ناحية الطبنجة اللي على الأرض، بس ليلى كانت أسرع. سحبت الطبنجة ووجهتها ناحية صدره.

صوت مروان جه من وراها، هادي بس باين فيه القلق: “ليلى.” جابر ابتسم بدمه: “اعمليها.. وريني إني عرفت أصنعك على إيدي.” إيدها كانت بتترعش على الزناد. في ثانية واحدة، شافت كل صورها القديمة.. البنت المطيعة، الضحية، العروسة المكسورة.. والست اللي واقفة دلوقتي وبتاخد حقها. نزلت الطبنجة شوية وض*ربت طلقة في الأرض جنب إيده بالظبط. جابر صرخ ورجع لورا، وفي لحظة كان المكان مليان رجالة صاعقة وعمليات خاصة.

مروان وصل لها أول ما رجليها بدأت تضعف وتنهار. حضنها بالراحة كأنها أغلى حاجة عنده، بس في نفس الوقت كأنها بطلة. همست وهي في حضنه: “ما قتلتوش.” “عارف.” “كنت عايزة أقتله أوي.” “عارف يا حبيبتي.”

بصت لجابر وهو بيتكلبش، لسه بيشتم ويهلفط، ومش قادر يستوعب إن قوته انتهت أول ما هي بطلت تخاف منه. “أنا مبسوطة إني ما قتلتوش،” قالتها وهي بتاخد نفسها. مروان حضنها أقوى: “وأنا كمان.”

المحاكمة قعدت تسع شهور. جابر  اتدبست له تهم لدرجة إن ليلى ما كانتش قادرة تحفظهم. “كامل البحيري” جاله جلطة ومات قبل ما الحكم يصدر. وأمها “صفاء” عاشت لحد ما سمعت القاضي بيوصفها بإن “قسوتها كانت بمزاجها ولمصلحتها.” ياسين شهد ضد أبوه وأمه. وليلى كمان شهدت.

لما محامي جابر سألها ليه ما اتكلمتيش من زمان، مسكت الميكروفون وردت بكل ثبات: “عشان الوجع بيعلمك إنك تعيش في سكات. أنا واقفة هنا النهاردة لأني اتعلمت إن السكوت عمره ما كان أمان.. ده كان مجرد أوضة تانية محبوسة فيها.” المحلفين ما خدوش خمس ساعات تفكير. “مذنب”. جابر هيم*وت في السجن.

ليلى ما صرختش من الفرحة، ولا انهار ت. هي بس غمضت عينها وخدت نفس طويل، كأن حمل جبل انزاح من على صدرها. الرحلة بدأت تهدى بعد كدة. الموضوع ما كانش سهل، كان زي ما تكون بتصلح بيت بعد حريق كبير، بتصلح أوضة أوضة. فيه ليالي كانت لسه بتقوم فيها بتترعش. وفيه أيام كانت لسه بتعتذر فيها على حاجات ملهاش ذنب فيها. وفيه أيام مروان كان بيمد إيده يلمسها، وهي متبقاش طايقة اللمس، فكان يهز راسه ويتراجع، ويحبها من بعيد بكل احترام. ده بالذات، هو اللي علمها يعني إيه حب. الحب مش إنك تملك اللي قدامك. ولا إنك “تتقمص” دور البطل اللي بينقذها. الحب هو إن فيه حد واقف جنبك عند الباب، ومستنيكي إنتي اللي تقرري تفتحيه إمتى.

بعد ست شهور من الحكم، ليلى استخدمت التعويضات اللي خدتها من عيلة البحيري وافتتحت مركز لدعم الضحايا في القاهرة. “سلمى” بقت أول موظفة معاها، و”ماريا” كانت بتيجي تتطوع مرتين في الأسبوع. ودادة راوية كانت مسؤولة عن كل حاجة بسلطة “جنرال” داخل حرب. ياسين كان بيجي كل جمعة ومعاه قهوة ووشه فيه ندم. ليلى ما سامحتوش بسرعة. بس في يوم وهما بيرتبوا هدوم تبرعات، قالت له: “إنت لسه بتيجي؟” بص لها وقال: “لو سمحتي لي طبعاً.” عطته قميص وقالت له: “طب كمل تطبيق وإنت ساكت.” ضحك، ودي كانت بداية إن الدنيا تتصلح بينهم.

بعد سنة من جوازهم الأولاني، مروان طلب إيدها تاني في المكتبة. ما كانش فيه زيطة، ولا أوركسترا، ولا ورد. مروان بس، واقف بارتباك جنب الكرسي اللي بكت عليه زمان. “أنا عارف إننا متجوزين،” قال وهو ماسك علبة قطيفة، “بس الجوازة دي كانت عقد شغل.. أنا دلوقتي بطلب إنك تختاري.” ليلى بصت للخاتم، كان بسيط ورقيق أوي. “إنت فاشل جداً في الخطب الرسمية،” قالت وهي بتضحك. “عارف والله.” ضحكت وهي بتعيط: “موافقة.. المرة دي أنا اللي بختارك.”

فرحهم التاني كان بسيط جداً. ليلى لبست فستان أزرق هادي. مروان عيط، وأنكر طبعاً بعد كدة. دادة راوية جابت التورتة، وياسين قال كلمة خلت مروان يهدده إنه هيطرده عشان بيسيح له قدام الناس. وسلمى حدفت البوكيه وجت فيها فبقت متضايقة، والكل ضحك.

بعد سنين، الناس لسه بتحكي الحكاية غلط. بيقولوا إن مروان السيوفي “أنقذ” مراته. بس ليلى عمرها ما سمحت للكلام ده يعدي. مروان حماها، وصدقها، وحارب جنبها. فتح لها الأبواب لما ما كانتش لاقية الأكرة. بس ليلى هي اللي مشيت بطل طول الطريق ده.

وفي الصبحيات الهادية، لما الشمس بتدخل من الشباك وإيد مروان محوطاها بحنان، ليلى ساعات بتفتكر البنت اللي كانت لابسة فستان الفرح وبتقول “أبوس إيدك ما تلمسنيش”. كانت بتتمنى ترجع وتقول للبنت دي الحقيقة. إن الخوف ده ما كانش فشل. وإنك تعيشي وتنجي ده مش عار. وإن الأيد اللي هتتمد ليكي في يوم من الأيام، مش هتكون أيد بتوجعك. وإنك تكوني “كاملة” مش معناه إنك تكوني من غير جروح. معناه إنك تبني حياة كبيرة أوي، تخلي الجروح دي مجرد فصل صغير في القصة. مش النهاية. عشان مفيش نهاية أبداً.

تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *