ج3 بعد ولادتي
حكايات روماني مكرم

مرت الأيام وتوالت شهور الشتاء، وحمزة كمل سنته الأولى وبدأ يخطي خطواته الأولى في حوش البيت، صوته بيملا المكان ضحك وفرحة ورجع لأبوي وأمي شبابهم. وفي الوقت اللي كانت حياتنا فيها الهدوء والستر، كان الجانب التاني بيغرق في ظلمات الأفعال اللي زرعوها.
في القاهرة، السوس اللي نخر في بيتهم كبر وبقى يهد الحيطان. حماتي اللي كانت بتصول وتجول وصوتها يرج العمارة، جتلها جلطة خفيفة أثرت على حركتها وقعدتها في ، ما بقتش قادرة تتحرك ولا تخدم نفسها. الشقة الكبيرة اللي كانت بتتباهى بيها وبنظافتها، بقت زي الكهف المهجور، التراب غطا كل حتة فيها، نفس التراب اللي كانت عايزه تهد جسمي وجرحي ناضح دم علشان تنضفه!
أخته اللي في السعودية، لما عرفت بمرض أمها، بعتت مصاريف علاج بسيطة بس رفضت تنزل تقعد معاها أو تخدمها، وقالت لأخوها في التليفون بجفاء: “أنا جوزي وولادي أولى بيا، تصرف أنت يا فلان وأجر لها شغالة من نفقتك، أنا مش هسيب بيتي وحياتي وأجي أقعد بين المرض والهم!”
هنا بس، جوزي حس بطعم العلقم. افتكر كلام أمه وهي بتقول له: “أختك نازلة من السفر ومينفعش تنضف وأنت عندك هانم تخدمها!” افتكر إزاي دمر بيته وشرد مراته وابنه عشان خاطر أخت ما كلفتش خاطرها تنزل تسند أمها في مرضها!
الندم أكل قلبه وعقله. بقى يرجع من شغله طافح الكوت، يغير لأمه، يعمل لها الأكل، وينضف الشقة بأيده. كل ما يمسك المكنسة أو يقف ينضف التراب من على شباك، دموعه تنزل مغرق وشو وهو بيفتكرني وأنا واقفة بتسند على الحيطة وبترجاه وأنا جرح القيصرية مشدود عليا ودمي ينزف، وهو بيجبرني أروح أخدم. بقى يتخيل صورتي في كل ركن في الشقة، وصوت ضحكتي اللي اختفت، وريحة ابنه اللي انحرم منها.
في ليلة من ليالي البرد القارس، أمه كانت بتتألم على السرير وبتبكي من قلة الحيلة والوجع، بصت لابنها وهو قاعد على الكرسي جنبه جردل المية والمسحة ووشه أسود من التعب والهم، وقالت له بصوت مرعوش ومكسور:
“يا فلان.. اتصل بـ شيماء.. اتصل بيها وخليها تسامحني.. الجرح اللي في جسمي والرقاد ده بسبب حوبتها وحوبة أهلها الغلابة اللي عيرتهم بالفقر.. أنا بقيت مش قادرة أرفع إيدي، والبيت اللي كنت خايفة عليه بقى قبر عليا!”
