ج1 انا مخطوبة حكايات روماني مكرم
أنا مخطوبه من سنه كنت عاملة جمعية كبيرة عشان أجهز نفسي للجواز أهلي الحمد لله عمرهم ما قصروا معايا لكن أنا مكنتش حابة أضغط عليهم في كل حاجة، فقررت أدخل جمعية مع زمايلي في الشغل وأجيب احتياجاتي
. من كام يوم اخدت مبلغ الجمعية، وكنت فرحانة جدا لأني كنت ناوية أنزل أشتري باقي الحاجات اللي ناقصاني.
أنا كنت قايلة لخطيبي قبل كده على موضوع الجمعية وعارف إني اخدت الفلوس.
اتفاجئت بحماتي بتكلمني وبتقولي إنها عايزة تتكلم معايا في موضوع مهم، وقالتلي أنا عارفة إنك بنت أصول ومش هتكسفيني. قولتلها اتفضلي
قالتلي إن ابنها محتاج الفلوس دي عشان يخلص التشطيب وانتى اهلك يجهزوكى وده واجبهم يجبولك كل حاجه.
فمن الصدمة مابقتش عارفة أنطق، الكلام وقف في زوري.. يعني بدل ما تبارك لي، جاية تقولي هاتي شقايا وتعب سنة عشان ابنها يخلص بيه شقته؟ وبكل بساطة بترمى الحمل كله على أهلي وكأن ده فرض عليهم يقطموا وسطهم عشان هي تاخد الفلوس على الجاهز!
بصيت للموبايل وأنا مش مصدقة، ولقيت نفسي من كتر حرقة دمي والضغطة اللي حسيت بيها، رديت عليها وقلت: “وبعد كده لما آخد ورثي، تقولي لي اديهم لابنك برضه؟!”
الدنيا اسودت في عيني، والدم طار من عروقي وأنا سامعة نبرة صوتها اللي مفيهاش ريحة الحرج، كأنها بتطلب حقها مش فلوس شقايا وتعب شهور! يعني خطيبي اللي المفروض سندي، يروح يشتكي لأمه ويخلّيها تدخل الدخلة دي عشان تاخد فلوس تعبي؟ تعبي اللي كنت ببات أفكر فيه وأحسب له الحسبة عشان مخليش أبويا يمد إيده لحد ولا أكسر ضهره بمصاريف فوق طاقته.
قعدت ثواني ساكتة، النفس رايح جاي بصعوبة، وصوت حماتي لسه بيرن في ودني وهي بتقول “ده واجبهم” بكل برود.. حسيت بنار قايدة في صدري، ومقدرتش أتحمل طريقتها اللي فيها استعلاء واستغلال لطيبيتي، لقيت نفسي من كتر حرقة دمي والضغطة اللي حسيت بيها، رديت عليها وقلت: “وبعد كده لما آخد ورثي، تقولي لي اديهم لابنك برضه؟!”
أول ما الكلمة طلعت مني، حسيت الخط قطع فجأة.. كأن الكلمة نزلت عليها زي الصاعقة. قعدت في مكاني مشلولة مش عارفة أتحرك، الظرف اللي فيه الفلوس كان قدامي على السرير، وبدل ما كنت ببص له وفرحانة، بقيت حاسة إنه بقى لعنة وهيقوم حريقة بيني وبين خطيبي.
مفيش خمس دقائق، ولقيت التليفون بينور وبيتهز في إيدي.. كان هو. رديت وأنا إيدي بترعش، وقبل ما أقول ألو، لقيت صوته طالع زي الرعد، لسه أمه مالحقتش تقفل معايا إلا وكانت شاحناه ومقومة الدنيا عليا. زعق وقال لي: “أنتِ إزاي تتكلمي مع أمي بالطريقة دي؟! بقى أمي بتقولك كلمتين عشم، تقوم ردة عليها الرد القاسي ده وتقولي لها ورث ومورثش؟ أنتِ بتعايرنا يا بنت الأصول؟!”
#الكاتب_رومانى_مكرم
كلامه جرحني في مقتل، بدل ما يحس بيا ويفهم إن أمه بتظلمني وبتظلم أهلي، جاي يهاجمني ويطلعني أنا الغلطانة! قولت له بصوت مخنوق بالدموع: “أنا مبعيرش حد يا ابن الناس، بس دي فلوس شقايا، وتعب سنة كاملة كنت بقطم في نفسي عشان مجيش على أهلي، تقوم مامتك بكل بساطة عايزة تاخدهم على الجاهز وتقول لي أهلك يجبولك كل حاجة؟ هو أنت بتتجوزني أنا ولا بتتجوز أبويا؟”
قفل السكة في وشي من غير ما يديني فرصة أشرح، وسابني غرقانة في دموعي ومخي عمال يودي ويجيب.. صدمتي في خطيبي كانت أكبر بكتير من صدمتي في أمه، وعرفت إن الموضوع مش هيعدي بالساهل، وإن الحكاية لسه بتبتدي..
الخط قفل.. والصوت اللي كان زي الرعد ساب وراه سكات مرعب، سكات بياكل في الأعصاب. بصيت للموبايل اللي شاشته ضلمت، وبصيت لظرف الفلوس اللي على السرير.. الفرحة اللي كانت مالية الأوضة اتبخرت، وحل مكانها غمة كتمت على نفسي.
دموعي نزلت مغرقة وشي، مش بس من زعل، لأ.. من قهر. القهر واعر قوي لما ييجي من أكتر حد كنتِ فاكراه أمانك وسندك. قعدت على سريري وضامة رجلي لصدري، مخي عمال يعيد مكالمته ومكالمة أمه.. “كلمتين عشم؟!”.. هو العشم بقى معناه إن الناس تمد إيدها في جيبك وتاخد تعبك وتستبيح شقاك وشقى أهلك؟
مرت ليلة كاملة منمتش فيها دقيقة واحدة. الموبايل مرنش تاني، وهو مبعتش حتى رسالة يعاتب فيها بهدوء. ليلتها عرفت إن اللي جاي مش هيعدي بالساهل، وإن القناع اللي كان متجمل بيه خطيبي طوال سنة الخطوبة، بدأ يتشال ويبان اللي تحته.
تاني يوم الصبح، قمت من سريري وأنا واخدة قراري. غسلت وشي، وأخدت ظرف الفلوس وحطيته في قاع شنطتي، ونزلت رحت الشغل.. كنت حاسة إن عيون زمايلي بتراقبني، هما عارفين إني قبضت الجمعية وعارفين فرحتي بيها، لكن مكنش حد فيهم يعرف النار اللي قايدة جوايا.
على الساعة اربعة العصر، وأنا بلم حاجتي عشان أمشي، لقيت رسالة منه على الواتساب:
“أنا جاي عندكوا البيت بالليل مع أمي وأخويا الكبير.. عشان نحط نقط فوق الحروف، ونشوف قلة القيمة اللي حصلت مع أمي دي آخرتها إيه.”
قلبي دق بسرعة، بس المرة دي مكنش خوف، كان وجع مخلط بتحدي. رديت عليه بكلمتين بس: “تنوروا.”
رجعت البيت، مكنتش قادرة أخبي على أمي أكتر من كده. حكيت لها كل اللي حصل من أول مكالمة حماتي لحد رسالته. أمي قعدت تسمعني وهي حاطة إيدها على قلبها، عيونها دمعت وقالت لي: “يا بنتي إحنا عمرنا ما استخسرنا فيكي حاجة، وأبوكي لو معاه هيرهن روحه عشان يجهزك، بس الأسلوب ده فيه طمع، والطمع في الأول بيبان آخره.”
دخلت أوضتي غيرت هدومي، وسمعت صوت جرس الباب بيرن الساعة تمانية بالليل. صوته كان كفيل يخلي جسمي كله يتشد.
دخلوا الصالون، وبابا استقبلهم بكل ذوق وأدب كعادته. قعدت جنب أمي وأنا باصة في الأرض، مكنتش قادرة أحط عيني في عين خطيبي اللي كان قاعد ونفخة الكداب مالياه، وأمه قاعدة ووشها خشب، كأنها هي المجني عليها ومش هي اللي بدأت الغلط.
أخوه الكبير بدأ الكلام وقال: “يا حاج أحمد، إحنا جايين وأصولنا متشيلناش نيجي من غير ما نصفي النفوس. خطيبة ابننا غلطت في والدتي، وتقولها ورث ومورثش، والكلمة دي كبيرة في حقنا، وإحنا ناس لينا قيمتنا.”
بابا بصلي بنظرة عتاب خفيفة، وبعدين بص لأخوه وقال: “بنتي متربية وعارفة الأصول يا أبو سليم، ومبتغلطش في حد أكبر منها.. بس إيه اللي جاب سيرة الورث والفلوس أصلاً؟”
هنا حماتي اتكلمت بنبرة فيها استعلاء تضايق أي حد: “أنا هقولك يا حاج.. أنا كلمت البنت بكل ذوق، وقولتلها ابننا مزنوق في تشطيب الشقة، وإنتوا كتر ألف خيركم كأهل هتكفوا بباقي جهازها، فبدل ما تنزل تشتري حاجات ملهاش لازمة، تدي الفلوس لخطيبها يخلص الشقة اللي هتسترها، تقوم طالعة فيا ولقحة جث..ة وبتقولي بكره تاخدوا ورثي؟ هو إحنا شحاتين يا حاج أحمد؟”
بابا وشه اتغير، الملامح الهادية الطيبة اتقلبت لجدية شديدة. بص لخطيبي وقاله: “وإنت يا عريس؟ إنت موافق على الكلام ده؟ موافق إن خطيبتك تديك فلوس جمعيتها اللي بقالها سنة بتقطم في قوتها عشان متضغطش عليا وتجيب جهازها؟”
خطيبي اتعدل في قعدته وقال بنبرة ناشفة: “يا عمي مفيهاش حاجة، ما إحنا هنبقى بيت واحد، والفلوس اللي هتدفعها في الجهاز، تدفعهالي في الشقة، وإنتوا كتر ألف خيركم تجهزوها.. ده الأصول وده اللي بيحصل في كل البيوت، ولا هي فلوسها عزيزة عليا والشقة مش شقتها؟”
النفس في الأوضة بقى تقيل، وبابا بصلي وسكت ثواني.. ثواني كأنها سنين. كنت مستنية أشوف خطيبي يدافع عني، أو على الأقل يقول كلمة تطيب خاطري، لكن كلامه كان رصاصة تانية في قلبي.
بابا خد نفس طويل، وبص لخطيبي وأمه وقال بكل هدوء وثقة: “الأصول يا بني إن الراجل يشيل شقته من ألفها لليائها، والست بتساعد باللي تقدر عليه بالرضا والمحبة، مش بالفرض والضغط.. وبنتي شقاها ليها، وجهازها أنا اللي هجيبه برقبتي ومش هخليها تحتاج لحاجة.. بس اللي أوله شرط، آخره رضا.”
خطيبي وقف فجأة وقال بصوت عالي: “يعني إيه يا عمي؟ يعني بنتك مش غلطانة؟ يعني كلام أمي ملوش قيمة؟ أنا مش هقبل أتجوز واحدة شايفة إن فلوسها خسارة فيا، وبتقيس علاقتنا بالورث والمادة من قبل ما ندخل البيت!”
الكل وقف، الأوضة اتكهربت، وبقيت حاسة إن السقف هيقع فوق مننا. بصيت لخطيبي وهو واقف بيزعق في بيتنا وقدام أبويا، وحسيت إن الغشاوة اتمسحت تماماً من على عيني.. وعرفته على حقيقته.
