ضيفة كل شهر ج1 الكاتبة نرمين عادل همام
ج1 قالولي يامخلفة البنات ياشايلة الهم لل
ضيفة كل شهر
قالولي يامخلفة البنات ياشايلة الهم لل.. بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
بسم الله والصلاه والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
زي أي بنت في سني، كنت بعشق اللعب بعرايسي مع صاحباتي وبنات الحارة. كنت بحب أجري وأملى صدري هوا نضيف، وساعات كان الهوا ده بيتمزج بشوية عفار من جزمة العيال اللي بيجروا ورا الكورة في الشارع.
حياتي كانت بسيطة.. بسيطة أوي وعلى قدنا.. بس كان عندي أحلام مالهاش آخر ولا حدود. أكبر طموحاتي في الدنيا إني أشخبط على شفايفي بقلم الروج الأحمر بتاع أمي المستخبي يوم العيد الصبح، وأطير من الفرحة أول ما أسمع إن في فرح وهليلة في الحارة، عشان أطلع فستاني “المنفوش” بتاع العيد وأقعد ألف بيه قدام البنات وأعمل دايرة كبيرة وأنا حاسة
ومنتشية إني ملكة جمال المنطقة كلها. كنت دايماً أسمع الجيران والستات الكبار بيقولوا في القعدة: “هم البنات للممات”.. بس عمري في حياتي ما فهمت الجملة دي ولا دخلت دماغي. إزاي نكون “هم” وإحنا أحلى وأطعم من الصبيان مية مرة؟ ده إحنا شعرنا طويل وبنعمله ضفاير، وبنساعد أمهاتنا في ترويق البيت ومسح السلم، وأشطر من العيال الصبيان في المدرسة بمراحل وبنجيب درجات تقفل الوش!
فضلت عايشة ببراءتي دي، وبروح الطفولة اللي فيا، وضفايري السمرة الطويلة اللي بتطير ورايا يمين وشمال وأنا بجري.. فضلت بقلبي الصافي اللي مليان حيوية، لحد ما جه اليوم “الأسود” اللي قسم عمري نصين وشقلب حياتي. اليوم اللي شالني ونترني بالعافية من عالم الطفولة واللعب، وسط عرايسي وبراءتي، عشان أتحول فجأة في نظرهم لـ “ست كاملة ومكملة” وشايلة الهم زي ما كانوا بيقولوا وهما بيلغوا ويزغرطوا في الصالة.
لسه فاكرة اليوم ده بالملي كأنه حصل إمبارح الصبح.. وقتها كان عندي يادوب 12 سنة. كنت زي عادتي كل يوم بلعب في الحارة مع بنات عمي وبنات الجيران. كنا بنجري يمين وشمال، ونضحك ونصرخ بأعلى صوت، ونروح بقلب ميت نرمي طوبة على شباك منور “عم حسني” الجزار،
ونجري بسرعة البرق أول ما نسمع صوت الزجاج وهو بيتكسر، وعم حسني يطلع بكرشه الكبير وهو بيزعق ويشتم ويحاول يلحقنا بعصايته الكبيرة واحنا مستخبيين وبنموت من الضحك وكاتمين نفسنا. كنا نتفنن في “ضرب جرس” الشقق ونجري بسرعة البرق على السلم،
ونستخبى ورا الكراكيب أو في أي زنقة مدخل قبل ما حد يلمحنا أو يعرفنا. ويا سلام بقى على فراخ “خالة أم سيد” السايبة فوق السطوح.. كنت أستنى الفرخة لحد ما تقعد تفتفت وتبيض، وأول ما تخلص وتكاكي، نجري وراها ننشها ونطردها من مكانها، واللي تمسك البيضة السخنة الأول مننا تروح حدفاها في وش التانية عشان يبقى ريحة شعرها زفرة وما تطلعش مهما غسلتها بالشامبو وتقعد تعيط! (بقلم الكاتبة نرمين عادل همام)
مكناش بنخاف أوي من عواقب الحكاية.. أخرتنا الكبيرة كانت شوية تهزيق من أهالينا، أو “قلمين على الماشي” من أبويا، أو ضربة بـ “الشبشب الطاير” من أمي من بعيد وهي بتجري ورايا، وساعات كانوا الكبار بيعدوها ويقولوا بـتهاون: (معلش هانت.. لسه عيال صغيرة وبتلعب)! صغيرة؟!! طب ليه فجأة كدة وفي يوم وليلة مابقتوش شايفيني طفلة؟ ليه في لحظة وعين مجردة بقيت في نظركم ست مسؤولة ومستعدة تشيل مسؤولية بيت، وزوج، وتحكم، وعيال؟
مش عارفة إيه اللي حصل فجأة في الساعادي.. لمحت نظرة الخوف والبربرة في عيون بنات عمي، عيونهم كانت متسمرة ومبحلقة على فستاني الأصفر بتاع الخروج.. حسيت فجأة بحاجة “لزجة” ودافية كدة نازلة عليا، مكنتش فاهمة دي إيه ولا إيه اللي بيجرى لي. بصيت لنفسي وللفستان تحت عشان أعرف هما مصدومين ومبحلقين ليه، وفي ثانية قلبي اتخطف وركبي سابت، وحطيت إيدي على بوقي وأنا مش مصدقة ومنهارة.
جسمي كله اترعش وقشعر، وحسيت بنار ونفوخي قايد دم، وحرارة جسمي بدأت تعلى وتولع من الخضة والرعب. يا ربي.. إيه ده؟ هو إيه اللي جرى لي وحصلي؟ سندت بضهرى على حيطة الحارة وانكمشت على نفسي وبدأت أعيط بالدموع وأشهق من كتر الرعب. كنت خايفة من أمي.. خايفة أوي ومش عارفة ليه الخوف ده بالذات، بس كل اللي حساه ومستوعباه إن قلبي بيتعصر عصر بين ضلوعي، كأن في إيد حديد وقوية بتخنقني وبتسحب الروح مني.
واحدة من بنات عمي سابت اللعب وجرت بسرعة البرق على السلم عشان تنده لأمي، وأنا جريت وراها على السلم وأنا بصرخ وبصوت بهستيريا:
— “يا طنط.. يا طنط.. تعالي شوفي “سناء” حصلها إيه وغرقانة!”
وأنا بصرخ وراها وبتحايل عليها: — “وحياة أغلى عندك ما تقولي لماما.. والله ما هعمل كدة تاني ولا هلعب في الطين!”
على صوت الصويت والسرينة اللي عملناها، أمي طلعت تجري من شقتنا وهي لسه لابسة إسدال الصلاة، وعينيها كانت مليانة قلق وخوف طالع من وشها. نظرتها دي رعبتني أكتر وشلت حركتي، ريقي نشف ومبقتش بلعاه، ورجعت لورا بخوف لحد ما لزقت في حيطة السلم. قلت وأنا بترعش وصوتي بيروح وييجي:
— “والله ما أنا يا ماما.. والله ما عملت حاجة غلط ولا كسرت حاجة!” (بقلم الكاتبة نرمين عادل همام)
أمي قربت مني بخطوات سريعة وورا بعضها، ومع كل خطوة بتقربها كنت بقطع النفس وأنا حاطة إيدي على راسي ومستنية “العلقة السخنة”. كنت مستنية تنهال عليا بالضرب والقرص والشتيمة زي كل مرة ببهدل فيها لبسي.
لكن أول ما قربت مني ووقفت جمبي، حصلت حاجة غريبة؛ نزلت على ركبها في الأرض وبقت في طولي، وطبطبت عليا بحنية وهي مبتسمة.. ابتسامتها وهدوءها ده كانوا صدمة عمري اللي مكنتش عارفاها! حصل عكس كل اللي كنت متخيلة ومرعوبة منه تماماً. أمي ما ضربتنيش.. ولا هزأتني..
ولا حتى زعقت وشخطت فيا قدام بنات عمي. كل اللي عملته إنها ابتسمت في وشي بـراحتها، وأخدت وشي بين إيديها بكل حنان وأمومة وقالت بصوت واطي ومطمن: — “من هنا ورايح يا “سناء”.. مفيش لعب في الشارع ولا في الحارة تاني خلاص.. يلا يا حبيبتي امسحي دموعك وتعالي معايا على الشقة.”
مشيت وراها زي القتيل وأنا مش فاهمة أي حاجة من اللي بتقولها.. يعني إيه مفيش لعب في الحارة تاني؟ وإيه الحاجة اللزجة دي اللي بوظت فستاني الأصفر الجديد وخلت لونه أحمر من تحت كدة؟
دخلتني الحمام، غسلتني بحنية وغيرتلي لبسي المتبهدل، ولبستني حاجة تانية غريبة ومكنتش متعودة عليها خالص وضبتني! قلت لها بـاستغراب ولواية بوز:
— “إيه ده يا ماما اللي بتلبسيهولي ده؟ أنا مش عيلة صغيرة ولا بيبي عشان ألبس البتاع ده ومضايقني!” أمي ضحكت بصوت عالي وقالتلي وهي بتطبطب على ضهري:
— “ده مش للصغيرين يا حبيبتي وعيب تقولي كدة.. ده للكبار بس، ومن النهاردة وطالع أنتي بقيتي (آنسة) كاملة ومكملة والكل يعمل حسابك.” بصيتلها بكل براءة العيال وقلت: — “ليه هو أنا مكنتش كاملة قبل كدة يا ماما ونقصني حاجة؟” ردت عليا وهي بتسرح شعري: — “يا حبيبتي في حاجات وأمور مابتجيش للبنت أول ما تتولد، بيبقى ليها وقت، وسن، وأوان محدد من عند ربنا واليوم أوانك.”
كلام أمي وشرحها كان طلاسم وحاجات مبهمة بالنسبة لعقلي الصغير.. لويت بوزي وكشرت في وشها، الزاير الجديد الرخم والمفاجئ ده كان مضايقني ومحجمني ومكنتش طيقاه في حركتي، طب أمي فرحانة، ومنشكحة، وبتضحك كدة ليه وعلا إيه؟ وفجأة وبدون أي مقدمات، البيت والشقة اتملوا بصوت الجيران، وستات عمامي، وخالاتي،
داخلين الشقة ورا بعض يزغرطوا ويباركوا لأمي بصوت عالي سمع الحارة كلها، بعد ما بنات عمي الصغار جِريوا ورا الصدمة و”قروا” ونشروا الخبر في الحارة كلها والكل عرف. كل حاجة حواليا كانت غريبة ومش مفهومة وكأني في حلم مش بتاعي.. بيباركوا على إيه بالظبط؟ هو إيه العظيم اللي حصل؟ إحنا لا عندنا فرح، ولا حد خطب، ولا النهاردة وقفة عيد عشان اللمة دي كلها! (بقلم الكاتبة نرمين عادل همام)
الزيطة دي، والحفاوة، والنظرات زودت حيرتي وخوفي، ونظرات الستات وضحكهم المكتوم وهمساتهم لبعض في ودنهم وهما بيبصوا عليا ويقولوا لأمي:
“مبروك يا أم سناء.. مبروك يا سعاد.. سمعنا إن بنتك سناء زهرة جتلها وبقت شابة؟” أنا زهرة ولا وردة؟!! هو أنا شجرة ولا غصن ورد ؟
الورد والزهر ده بيطلع للأغصان والشجر اللي في الجناين بس، أنا بنت! عقلي الصغير وتفكيري المحدود بتاع العيال مكنش مستوعب الكلمة دي ولا هاضمها أبداً.. أمي مهدتليش ولا اتكلمت معايا قبل كدة لليوم ده، ولا فهمتني أي حاجة تخص جسمي، أصل عندهم في العرف
“عيب وحرام” الكلام في المواضيع والأسئلة دي قدام البنات الصغار وميصحش.. بس أنا في نظرهم وعينهم دلوقتي خلاص مابقتش عيلة صغيرة بتلعب بـبراءة، أنا “زهرة مين زهرة ” وبقيت “آنسة” وجاهزة للجواز!
قربت مني مرات عمي الكبيرة، وقرصتني من خدي قرصة خفيفة وجعتني وهي بتقول بضحكة عريضة مالية وشها السمين: — “مبروك يا سنأء يا حبيبتي.. كبرتي وبقيتي عروسة زي القشطة يا عروسة .”
صدمة تانية تضاف لصدماتي أخدتها في نفس الساعة.. من شوية كنت بقيت صبية وآنسة ودلوقتي بقيت عروسة؟ بس الصراحة الكلمة دي دغدغت مشاعري وبسطتني شوية؛ يمكن عشان أنا بموت وبعشق فستان العروسة الأبيض المنفوش، ونفسي من زمان ألبسه وأقعد ألف بيه في الصالة وأرقص الرقصة السلو اللي العرسان بيرقصوها مع بعض في التلفزيون.. كان نفسي أوي أحط مكياج زي الكبار وأجرب الروج الأحمر الفاقع وألون خدودي بكل الألوان وأتمنظر قدام البنات.
ابتسمت ونزلت راسي في الأرض بكسوف وخجل عيال،….تابع للجزء الثاني

