الورقة المنسية ج ا للكاتبة نرمين عادل همام
ج1 خلف كل باب حكاية واقعية
البيه جوزي كتب البيت بأسم امه وبيقولي أل عندك اعمليه اخبطي راسك بالحيطة، البيت اللي قعدت أبني فيه طوبة طوبة، وأضحي بعمري وصحتي علشانه، ما كانش مجرد حيطان وسقف.. ده كان عُمري اللي كان بيتسرسب من بين إيديا وأنا فاكرة واهمة نفسي إني بتعب وبأمن مستقبل دافي لعيالي.
أنا هند.. ست عاشت 12 سنة كاملة تحت سقف واحد مع راجل كانت فاكراه سندها وضهرها، مصطفى. الـ 12 سنة دول ما كانوش مجرد أرقام في النتيجة، لأ.. دول كانوا أيام طاحنة ومليانة تعب وشقا مابينتهيش. فاكرة كويس أوي الأيام والمواعيد الصعبة، لما كان منبه الموبايل يصحيني في عز البرد والفجر بيشقشق الساعة أربعة ونص الصبح. كنت أقوم وجسمي كله بيرتعش من السقعة والإرهاق، ألبس هدومي قوام قوام، وأبص بـقـلـق على عيالي وهم نايمين في سرايرهم،
قبل ما أنزل وأجري على شغلي. مشواري ما كانش سهل أبدًا، وساعات الشغل كانت مابتشفقش على حد، بس كنت بستحمل رخامة المديرين وضغط الوظيفة وقرفها، وكل ده عشان قرش واحد زيادة أحوشه.
ولما كان يوم الشغل يخلص والناس تروح ترتاح، كانت بتبدأ ورديتي الثانية في البيت. أرجع ورجلي مش شيلاني، ألاقي في الوش تلال مواعين في الحوض، وغسيل كوم عيازة يتغسل، وعيال عايزين اللي يأكلهم ويذاكر لهم، وطبيخ لازم يخلص. كنت بلف في الشقة زي الإنس آلي اللي مابيتعبش، وكل ما أحس إن حيلي مهدود، كنت أطبطب على نفسي وأقول:
“كله عشان بيتنا.. كله عشان أمان ولادنا”.
ومصطفى كان شايف كل ده بعينيه، شايفني وأنا حارمة نفسي من اللقمة ومن أبسط حاجات ممكن تفرح أي ست، لا فستان جديد ولا خروجة مع صحابي، عشان أوفر كل جنيه لمشروع العمر. ولما ربنا كرمنا ولقينا حتة الأرض المناسبة، ما ترددتش ثانية واحدة. رحت جارية فتحت حصالتي السحرية—حسابي البنك الصغير اللي كنت بشيل فيه القرش الأبيض لليوم الأسود
—وسحبت منه نص تمن الأرض كاش وفوقيهم بوسة، وسلمتهم له وأنا الفرحة مش سيعاني والرضا مالي قلبي.
وما وقفتش لحد هنا.. لما بدأنا نبني والفلوس عجزت معانا، والمقاولين بقوا يطالبوا بدفعات ورا دفعات، بصيت في إيدي وفي علبة صيغتي. ما هانش عليا حلمنا يتهد، وضحت بأغلى حاجة تملكها أي ست؛ بعت دهبي كله، حتى الشبكة اللي جابها لي في خطوبتنا وكان ليها معزة خاصة في قلبي وفيها ذكريات حبنا الأولاني، بعتها كلها ومن غير ما أرمش. فاكرة يومها كويس أوي وهو باصص في عيني وبيتكلم بنبرة كلها وعود وجميل وقال لي:
— يا هند، البيت ده مش بتاعي لوحدي، ده أمان ليكي وللعيال، وعمري في حياتي ما هنسى وقفتك دي جنبي. ويا لخيبتي وسذاجتي.. صدقته وأمنته على عمري وهو ما يستاهلش.
مرت السنين والبيت كبر وخلص، ونقلنا وعشنا فيه. وفي يوم عادي جداً، كنت محتاجة أخلص شوية ورق ومعاملات في البنك، وكان من ضمن الطلبات صورة من عقد ملكية البيت. دخلت بكل نية صافية على المكتبة الصغيرة اللي بنشيل فيها ورقنا وملفاتنا. قعدت أنبش مابين الورق، شهادات ميلاد العيال، قسيمة الجواز، فواتير النور والمياه.. بس العقد ملوش أي أثر، فص ملح وداب.
استغربت ووقعت في حيرة، فقلت أستنى مصطفى لما يرجع من بره. وفي السهرة وإحنا قاعدين في الصالة، سألته ببساطة وبنبرة عادية جداً: — بقولك إيه يا مصطفى، أنا كنت بدور على عقد البيت في الملفات وملقيتوش، هو فين؟ عشان عايزة صورة منه أقدمها في البنك.
في الثواني دي، شفت وشه اتقلب 180 درجة. جسمه اتخشب، ونظرة عينيه زاغت بشكل غريب عمري ما شفته منه في الـ 12 سنة جواز. فرك إيديه في بعض وتنحنح، وفجأة اتنطر واقف في مكانه ورد عليا بزعيق ونبرة حادة خضتني: — وأنتِ بتنبشي ورايا وبتدوري على العقود ليه أصلاً؟! مالكيش دعوة بالكلام ده، دي حاجات ورجالة وشغل رجالة وأنا قايم بالواجب وزيادة!
الكلمتين دول نزلوا عليا زي القلم على وشي. ما كانش ده مصطفى اللي أنا عارفاها، ولا دي طريقته معايا أبدًا. اتصدمت ولجمت لسان الخوف، وفضلت ساكتة وأنا شيفاه بيمشي من قدامي بخطوات متوترة ويدخل الأوضة. ومن الليلة دي، الشيطان زرع الشك في قلبي، وبدأ ياكل في روحي وعقلي. هو اتوتر ليه كدا؟ وإيه اللي مخبيه في العقد ده ومخليه مرعوب؟
عدى كام يوم تقال وزي الهم، كنت ماشية في البيت زي الفرخة المدوخة، وعيني وسط راسي بمشي ورا كل حركة بيعملها. وفي يوم في العصرية، ومصطفى فاكر إني نايمة وجوا الأوضة مع العيال، كان واقف في الطرقة اللي جنب المطبخ وماسك تليفونه. سحبت رجلي بالهداوة، وكنت حافية عشان الخشب ما يعملش أي صوت. وقفت ورا الحيطة بالظبط، وحبست نفسي وأنا حاطة ودني وبسمع مكالمته مع أمه.. المكالمة اللي شقلبت حياتي وكسرت ظهري…
صوته في التليفون كان طالع واثق أوي، وهو بيهمس بنبرة كلها لؤم ومكر، وفي نفس الوقت متطمن ومتهني وهو بيقول: “ما تقلقيش يا أمي.. البيت كله بقى باسمك رسمي خلاص، الورق كله اتخلّص ومحدش يقدر يفتح بقّه بربع كلمة”.
في اللحظة دي، حسيت كأن تلج جمد عروقي، والأرض بدأت تلف بيا زي الساقية. رجعت خطوة لورا وسندت ضهري على الحيطة الساقعة، وكنت بنهج وبحاول ألقط نفسي اللي هرب مني فجأة. وداني صرّت بطنين عالي، وشريط الـ 12 سنة شقا وعمر مر قدام عينيا زي فيلم سينما بيتحرق. فضلت واقفة مستنية..
الثواني كانت بتمر عليا كأنها سنين، لحد ما سمعت صوت قفلة السكة.
ما قدرتش أستخبى أكتر من كدا ولا أتحمل الصمت اللي بيموت، اندفعت على الصالة وجسمي كله قايد نار، ودقات قلبي كانت مسموعة وبتسبق رجليا، ودخلت عليه فجأة قبل حتى ما يلحق يحط الموبايل في جيبه. وقفت قدامه وجسمي كله بيرتعش، بس عيني كان بيطلع منها شرار من كتر الغل والصدمة. قطعت السكون ده وزعقت بصوت مخنوق ومرعوش بس بحاول ألم نفسي:
— إيه اللي أنا سمعته ده؟ إيه يعني البيت بقى باسم أمك؟! فهمني كدا الكلام ده معناه إيه ومن ورايا؟!
الكاتبة نرمين عادل همام
بصلي كدا كام ثانية وهو ساكت، وما شفتش في عينيه نقطة دم واحدة من الكسوف أو الارتباك اللي شفتهم من كام يوم. وشه كان لوح تـلـج، وتنهد بملل وزهق وقال بمنتهى البرود اللي يقهر:
— أيوه.. اللي سمعتيه صح، البيت بقى باسم أمي.
من كتر الصدمة، ومن كتر ما عقلي مش قادر يستوعب الخيانة والندالة دي، ضحكت بمرارة وكسرة، على أمل إنها تطلع نكتة بايخة، وقلتله:
— أكيد بتهزر يا مصطفى صح؟ مش ممكن تعمل فيا كدا بعد كل اللي عملته عشانك وعشان البيت ده!
بس وشه ما اتهزش ولا ابتسم، بالعكس، كمل كلامه بنبرة ناشفة وقليلة الذوق، ونطق الجملة اللي ذبحتني:
— وأصلاً البيت باسمي أنا من الأول، في الأوراق الرسمية الأرض والمباني باسم مصطفى.. وأنا راجل حر، أكتبه باسم اللي أنا عايزه، أمه، أخته.. أنتِ مالك ومال الموضوع ده أصلاً؟
في اللحظة دي، رجليا ما شالتنيش، اترميت وسندت على طرف السفرة اللي جنبي، وحسيت برعشة هدت حيلي كله، وقلت وصوتي رايح وخانقاه الدموع:
— أنا مالي؟! وفلوسي؟ وشقا عمري؟ وتحويشة السنين اللي حطيتها في الأرض؟ ودهبي وشبكتي اللي بعتهم تمن للطوب والأسمنت والخرسانة اللي إحنا واقفين وسطيهم دول؟ كل ده راح فين؟!
وهنا بقى حصلت الحاجة اللي عمري ما تخيلتها في ألعن كوابيسي.. ضحك! آه والله العظيم ضحك بسخرية واستهزاء كسروا قلبي ونفسي. بصلي بكل بجاحة وقال:
— فلوسك؟ فلوس إيه دي يا حبيبتي؟ وريني كدا أي ورقة تثبت إنك دفعتي مليم أحمر في البيت ده؟ الأرض باسمي، وفواتير المون باسمي، والرخص باسمي، والبيت باسمي.. إثبتي بقى يا شاطرة إنك دفعتي حاجة!
وفي وسط الخناقة دي، عيني جت على حماتي اللي كانت قاعدة على الكنبة في ركن الصالة، قاعدة بتتفرج على حرقة دمي بملامح باردة ولا كأن في أي حاجة تهمها. وما اكتفتش بالفرجة، لأ.. دي حشرت نفسها في الكلام، ولوحت بإيدها بتعالي وفوقية وهي بتقول بنبرة تقطر سم:
— البنت العاقلة والأصيلة يا هند، تشكر جوزها إنه مأويها في بيت ملكه، ومربي عيالها وفاتح لها باب ستر ومقعدها هانم.. مش تقعد تتحاسب معاه وتعد عليه المليم والقرش!
حسيت ساعتها إن دمي بيغلي في عروقي، وضغط دمي ضرب في العالي لدرجة إني ما بقتش قادرة أشوف اللي قدامي بوضوح. لفيت ووشي ليهم هما الاتنين وجسمي بيتنفض من القهر والظلم وقلت:
— يعني إيه؟ يعني بعد 12 سنة طحن وتعب وتضحية، أصحى الصبح ألاقي نفسي مجرد ضيفة في بيتي؟ ضيفة ممكن تطردوها وترموها في الشارع في أي لحظة؟!
مصطفى وقف وبكل طوله، وبثقة عمياء تفرس وهو حاسس بنصر مزيف، شاور بإيده ناحية الباب وقال بمنتهى الجفاء:
— اعملي اللي تعمليه.. أعلى ما في خيلك اركبيه، مش هتعرفي تاخدي مني ولا تعملي أي حاجة.. القانون لا يحمي المغفلين يا هند!
الكلمة دي بالذات: “اعملي اللي تعمليه مش هتعرفي تعملي حاجة”، فضلت ترن وتزن في وداني زي الدبانة أيام وليالي، طيرت النوم من عيني وحولت عيشتي لجحيم من كتر التفكير والغل والقهر.
بس مصطفى، في وسط ثقته وزهوه بنفسه وغروره اللي عماه وخلاه يشوف نفسه انتصر، كان ناسي حاجة مهمة أوي.. ما كانش يعرف إن فيه حاجة واحدة بس، ورقة قديمة، كنت شايلاها ومحتفظة بيها في أبعد درج في المكتب من سنين طويلة.. حاجة من كتر السنين اللي مرت، حتى أنا نفسي كنت ناسيّاها وماتت في ذاكرتي، بس هي كانت هناك، مستنية اللحظة المناسبة عشان تطلع للنور وترد لي حقي وتجيب مناخيرهم الأرض.
بعد أسبوع كامل من الهم والنكد، أسبوع ما دوقتش فيه طعم النوم، وكنت ماشية في البيت زي الـمـيـتـة اللي بتتحرك، وجوايا نار قايدة من كتر الظلم والقهر. وفي يوم، كنت محتاجة أطلع شهادة ميلاد كمبيوتر لواحد من العيال عشان المدرسة، رحت للمكتب القديم اللي مركون في الأوضة الجوانية، وبدأت أنبش في الأدراج اللي تحت خالص، الأدراج المهجورة اللي ماليها التراب ومحدش بيمد إيده فيها من سنين.
وأنا بزق ورق قديم وفواتير ملهاش عازة، إيدي خبطت في ملف لونه بني، تقيل ومترب، الكتل التراب كانت مغطياه تماماً. سحبته بالهداوة ونفضته، وبمجرد ما فتحته.. اتهندت في مكاني، ونَفَسي اتكتم كأن حد ضربني على صدري.
جوا الملف ده كانت أوراق عمري كله، أوراق كنت فاكرة ومتأكدة إنها ضاعت واترمت في الزبالة من زمان وقت النقل والعزال.
لقيت إيصالات استلام نقدية، وتحويلات بنكية رسمية من حسابي القديم لحسابه هو، وعقود ابتدائية..
الكاتبة نرمين عادل همام
بس وسط الركام ده كله، عيني وقعت على ورقة واحدة، ورقة صفرا شوية ومكتوبة بخط إيد مصطفى نفسه، خطه اللي أحفظه صم زي اسمي.
الورقة دي كان ماضي عليها وبصمته واضحة في آخرها، كتبها ومضى عليها يوم ما حط أول طوبة في البناء، ويوم ما بعت دهبي كله وسيلت حسابي في البنك. وقتها، افتكرت الموقف ده بحذافيره كأنه بيحصل قدامي دلوقتي.. افتكرته وهو بيضحك وبيهزر معايا بـتـفـاهـة وبيقولي:
“خدي يا هند، خلي الورقة دي معاكي في وسط حاجتك احتياط للزمن يا ستي”.
وأنا بقرا الورقة دي من تاني، ودموعي بتنزل وسامعة صوته بيرن في وداني، ضحكت بوجع وقلت في سري: “سبحان الله.. أهي طلعت احتياط فعلاً، بس احتياط ليا أنا عشان الزمن لما يدور يرجع لي حقي منك”. الورقة دي ما كانتش مجرد إقرار، دي كانت “عقد اتفاق وشراكة وبند جزئي يهد جبال” ومكتوب بخط إيده وبشهود كمان من أصحابه القدام.
الكاتبة نرمين عادل همام
وفي اليوم الموعود، اليوم اللي جمع فيه محامي حماتي كل الورق والعقود الجديدة اللي اتكتبت باسمها، عشان يعملوا إشهار ويثبتوا إن البيت ملكها بالكامل ومحدش ليه فيه سنتيمتر واحد، دخلت عليهم الشقة بكل هدوء وثبات انفعالي عمري ما عشته قبل كدا. كانوا قاعدين على السفرة وفاردين الورق،
دخلت ومن غير ولا كلمة، حطيت الملف البني المترب قدام المحامي على الترابيزة.
المحامي استغرب، عدل نضارته وبص لمصطفى وحماتي، وبعدين مد إيده وفتح الملف بفضول. بدأ يقرا أول ورقة، وشه ما اتغيرش، قلب وفتح الورقة التانية.. ملامحه بدأت تـتـشـد، قلب وفتح الورقة الثالثة..
وفجأة، السكوت حل في الأوضة، والمحامي لجم لسانه وما بقاش بينطق، وعينيه بقت رايحة جاية على السطور برعب.
مصطفى لما شاف السكوت ده، افتكر المحامي بيجاملني أو بيقرا كلام هبل، فابتسم بسخرية وتريقة وقال وهو بيهز رجله:
— جرى إيه يا متر؟ ما تضيعش وقتنا ووقتك في ورق مالوش لازمة، خلصنا وشوف شغلك عشان ننهي الحوار ده.
لكن المحامي ما ردش عليه خالص، ولا حتى رفع عينه يبص له. كان مركز بكل جوارحه وحواسه في الورقة الأخيرة، الورقة اللي بخط إيد مصطفى. في ثواني، لون وش المحامي اتخطف، وبقى أصفر زي الليمونة، وبص لمصطفى بنظرة كلها صدمة ولوم، وبعدين التفت وبص لحماتي اللي كانت قاعدة مربعة إيدها ومتبغددة، وبعدين قفل الملف بالراحة خالص وببطء شديد وهو بينهج.
المحامي بصلهم هما الاتنين، ونطق جملة واحدة خلت الابتسامة تختفي من وش مصطفى، والشر اللي في عين حماتي يتحول لرعب في ثانية:
الكاتبة نرمين عادل همام
— حضرتكوا متأكدين وعارفين إيه اللي في الملف ده؟ أنتوا بجد عايزين تكملوا في الموضوع ده ونروح بيه للمحكمة؟
حماتي من خضتها ونبرة المحامي، قامت واقفة على حيلها وسندت على الترابيزة وهي بتقول:
— في إيه يا متر؟ خضيتنا! ورق إيه ده اللي يوقفنا؟….يتبع للجزء الاخير
