ج 2 متجوز من 8 سنين حكايات روماني مكرم

ج2

جسمي كله اتنفض، وعربية الإسعاف بتعدي من جمبي وصوت سرينتها بيشق وداني ويزلزل قلبي. من غير ما أفكر، لقيت رجلي بتجري وراها زي المجنون. الشارع كان لسه بيفوق، والناس بتبص عليا وأنا بجري بنهج، والشرار اللي كان في عيني من كام ساعة اتقلب لرعب حقيقي. الرعب من إني أكون خسرت كل حاجة في لحظة غباء وكبرياء أعمى.

العربية دخلت فعلاً الشارع اللي فيه بيت حمايا، ووقفت بالظبط قدام باب البيت القديم. البيت اللي عاشت فيه مراتي طفولتها، البيت اللي طفح فيه الراجل ده الدم عشان يربيها ويوصلها للي هي فيه.

وصلت وأنا بنهج، روحي بتطلع، لقيت الباب المفتوح والناس بتتجمع. طلعت السلم تلاتات، وكل خطوة كانت بتفكرني بنظرة مراتي الباهتة وكلماتها: “أنا مكنتش هقدر أكسر بخاطر أبويا”. دخلت الشقة، لقيت الصالة مقلوبة، وإخواتها الصغيرين واقفين في الزاوية بيعيطوا وركبهم بتخبط في بعض.

وعلى السرير جوة، كان حمايا غايب عن الوعي، ودكاترة الإسعاف بيحاولوا يركبوا له أجهزة الأكسجين وينقلوه على الترولي. وفي وسط الأوضة، كانت هي.. مراتي.. حبيبتي وأم عيالي اللي ظلمتها. كانت قاعدة على ركبها في الأرض، ماسكة إيد أبوها الميتة من التعب، وبتصرخ بصوت قطع أحشائي: “عشان خاطري يا أبويا متسبنيش.. متسبنيش لوحدي في الدنيا دي.. أنا ملاليش غيرك يا حبيبي.. متكسرش ضهري!”

وقفت على الباب، دموعي نزلت مغرقة وشي. حسيت إني قزم، إني أصغر بكتير من الست دي. الست اللي شالت هم مرض أبوها ومصاريف إخواتها تمن سنين من غير ما تشتكي، ولا تحسسني بنقص، ولا تخليني أقصر في حق بيتي. وأنا في أول اختبار، فتش وراها، واتهمتها في شرفها المالي، وعايرتها بأهلها، وطلبت منها تقطع علاقتها بالراجل اللي بيموت ده!

المسعفين رفعوا حمايا على الترولي وبدأوا يتحركوا بيه بسرعة. هي قامت وراهم زي السكرانة، مش شايفة قدامها. وأول ما خرجت من الأوضة، عينها جت في عيني.

اتسمرت مكانها لثانية. عينيها مكنش فيها الغضب بتاع البارح، كان فيها انكسار ووجع يهد جبال، مكسورة من الدنيا كلها، ومني أنا بالذات. حاولت أقرب منها وأمد إيدي: “ندى.. أنا..”

ما ادتنيش فرصة أتكلم. زقتني من سكتها بقوة تانية خالص، قوة حد معندوش حاجة يخسرها، وقالت بنبرة فجعتني: “إياك تلمسني يا أحمد.. إياك. أبويا بيموت بسبب الكلمتين اللي أنت قلتهم له في التليفون.. روّح لعيالك، وسيبني في مصيبتي”.

نزلت جري ورا الإسعاف، وسابتني واقف وسط إخواتها الصغيرين اللي بيبصوا لي بنظرات كلها عتاب وخوف. جريت وراها على المستشفى. فضلت قاعد في الطرقة تلات ساعات، وهي قاعدة في الناحية التانية، ضامة رجليها لصدفها وبتعيط في صمت، وكل ما أحاول أقرب منها، أخوها الصغير يقف في وشي ويقول لي: “عشان خاطر ربنا يا أبيه أحمد، سيبها في حالها دلوقتي”.

بعد تلات ساعات كاملين، خرج الدكتور من العناية المركزة وهو بيقلع الكمامة ونظراته للأسف متبشرش بالخير. جيبنا كلنا عليه، وندى كانت أول واحدة تمسك في بالتو الدكتور: “طمني يا دكتور.. أرجوك قولي إن أبويا كويس”.

الدكتور اتنهد وقال: “الحمد لله، قدرنا نسيطر على الغيبوبة الناتجة عن نقص الأكسجين الحاد، وضغط الدم استقر شوية.. بس للأسف، الحالة متأخرة جداً يا جماعة، والسرطان متمكن من الرئة بالكامل. الأزمة النفسية أو الانفعال الشديد اللي تعرض له الصبح سبب له جلطة خفيفة، وهو محتاج رعاية مركزة ومصاريف علاج طارئة وأدوية مش متوفرة في المستشفى الحكومي هنا.. لازم تتصرفوا وتجيبوها من برة فوراً، وإلا الساعات الجاية هتبقى خطيرة جداً”.

ندى حطت إيدها على بوقها وبدأت تبكي بانهيار، وطلعت شنطتها بسرعة، وبقت تفرّغ اللي فيها على الكرسي.. فتحت المحفظة، وطلعت الفيزا وقالت لأخوها بصوت مرعوب: “انزل يا حسن.. انزل اprivate على أي مكنة اسحب المرتب كله.. الـ 12 ألف كلهم.. هات بيهم الأدوية دي حالا”.

حسن بص في الأرض ودموعه نزلت: “يا ندى.. مكنة البنك مش هتطلع الفلوس دي دلوقتي، والفيزا واقفة من تلات أيام عشان تحديث البيانات اللي قلتيلي عليه، ومفيش معانا سيولة خالص في البيت.. والأدوية دي لازم كاش في الصيدلية اللي برة المستشفى”.

الدنيا لفت بيا وأنا سامع الحوار ده. افتكرت كلامي ليها البارح: “عايز الفلوس ترجع جنيه ينطح جنيه.. يبيعوا أرض يبيعوا دهب!”. واكتشفت إن الفلوس اللي كنت بدور عليها كانت بتشتري نفس للراجل ده عشان يعيش يوم زيادة وسط عياله.

مديت إيدي في جيبي، وطلعت المحفظة.. طلعت كل الكاش اللي معايا، وطلعت فيزا المشتريات اللي كنت شايلها للزمن، وشلتها من تمن سنين عشان “اليوم الأسود”. واكتشفت إن مفيش يوم أسود من اليوم اللي البني آدم يخسر فيه إنسانيته.

قربت من حسن، وحطيت الفلوس والكروت في إيده وقلت له بصوت حازم: “خد يا حسن.. انزل مع دكتور الصيدلية هات كل الأدوية اللي مكتوبة، ولو عوزت مليم زيادة كلمني فوراً.. اخلص يابني بسرعة”.

ندى بصت لإيدي وبصت للفلوس، وبعدين رفعت عينها في عيني. النظرة دي قطعت حتة من قلبي.. مكنش فيها امتنان، كان فيها عزة نفس مجروحة. وقفت بطولها وقالت لي بحدة: “شيل فلوسك يا أحمد.. أنا مش هقبل منك مليم بعد الكلام اللي قلته البارح. أنا هكلم صحابي في الشغل يتصرفوا، لكن أنت لاء”.

قلبي اتقبض، وحسيت إن الست دي فعلاً بتضيع من بين إيدي.. كبريائي اتمسح تماماً، وبقيت مستعد أعمل أي حاجة بس تسامحني.

قربت منها، ومن غير ما اهتم بالناس اللي واقفة في طرقة المستشفى، نزلت على ركبي قدامها، ومسكت طرف فستانها ودموعي نازلة زي المطر: “عشان خاطر العيال يا ندى.. عشان خاطر تمن سنين عيش وملح.. متعمليش فيا كدة. أنا كنت غبي، كنت أعمى، الشيطان عمى عيني والكلب ركب دماغي.. أنا فديت عمري كله بفلوس الدنيا، وجزمتك أنتي وأبوكي فوق راسي.. وافقي بس ننقذ عمي، واقطعي رقبتي بعدين.. أرجوكي يا ندى!”

الطرقة كلها سكتت، وإخواتها واقفين مذهولين من منظر أحمد “الراجل الناشف” وهو مكسور بالمنظر ده تحت رجلين أختهم..

ندى بصت لي، وشفايفها كانت بترتعش، لسه هتتكلم وترد عليا وتديني حكم الإعدام أو السماح.. فجأة، جهاز إنذار نبضات القلب جوة العناية المركزة صفر صَفارة متواصلة ورعب.. والدكاترة جريوا على جوة كأن فيه مصيبة حصلت!

ندى صرخت صرخة هزت المستشفى، وأنا قمت وقفت مكاني ورعب الدنيا كله سكن في قلبي.. هل حمايا مات؟ وهل لو مات، ندى هتعرف تسامحني ليوم الدين؟

#الكاتب_رومانى_مكرم

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *