غدر الخيانة ج2 بقلم نرمين عادل همام
بقلم نرمين عادل همام
غدر الخيانة ج2 بقلم نرمين عادل همام
في لحظة غرقت تاني في بحر الذكريات.. المرة دي عقلها جابها لليلة الدخلة. ليلتها اللي كانت فاكراها ليلة العمر.
افتكرت وقفتهم مع بعض في الأوضة لأول مرة، نبضات قلبها اللي كانت مسموعة من كتر التوتر والخوف، وهو بيقرب منها بكل حنية. نظراته ليها كانت مليانة إعجاب وشغف يدوّخ. افتكرت لمسة صوابعه الدافية وهي بتتحرك برقة وتبطأ على ضهرها وهو بيفتح لها سحاب الفستان، حست وقتها بقشعريرة هزت جسمها كله. الفستان نزل على الأرض، وهي لسه واقفة مكسوفة، ومخبية عينيها في الأرض.
وفجأة، لقت نفسها بتترفع من على الأرض؛ شالها بين إيديه بمنتهى الرقة والحذر، كأنه شايل حتة ألماظ خايف عليها تتجرح. مشي بيها خطوتين وحطها بالراحة على السرير، ونزل جنبها.
افتكرت لما ضمها لصدره لأول مرة في الليلة دي، حضن قوي وطويل، دفا جسمه وهو بيحتويها خلاها تنسى الخوف والدنيا كلها. مع كل لمسة وبوسة وحضن في الساعات دي، فريدة كانت حاسة إنها مش على الأرض.. كانت حاسة إنها طارت فوق وسكنت وسط النجوم، وكل نجمة بتنور عشانها هي وبس. حست إنها ملكت الكون كله في حضنه، وإن العاطفة والشغف اللي طالعين منه هما أصدق حاجة في حياتها.
فتحت عينيها والابتسامة اختفت، واتنهدت بوجع وهي بتقول لنفسها: “حتى الليلة دي.. ليلة ما طيرتني للنجوم.. كانت مجرد بداية لتمثيلية ملوش فيها آخر.”
عادت من الذكريات وكلمة عيالنا خبطت زي الرمح. يوسف رفع راسه من حضنها وهمس: “عيالنا؟” فريدة قفلت عينيها بوجع.
وش سليم اتقلب أول ما يوسف نطق. كانت حتة صغيرة اتهزت في وشه ميبانش لأي حد، بس فريدة لقطتها. سليم الدالي اللي الدنيا بتترعب منه، كان باصص لابنه كأنه شايف معجزة وجرح في نفس الوقت. قال بصوت أهدى بكتير: “آه يا حبيبي… عيالنا”.
يوسف بصلة من تحت رموشه المبلولة: “أنت عندك بيت كبير؟” سليم رمش بعينيه وهو مستغرب السؤال. الحاجة فتحية طلعت تنهيدة واجعة وضخمت بضحكة سخرية. سليم جاوب بحذر: “آه… عندي”. “فيه كابوريا وقواقع؟” “لأ… مفيش”. يوسف بدا عليه إنه زعل واتقمص.
هنا نور قدمت بوشها وسألته سؤال ثقيل: “أنت بتقتل الناس؟” العربية كلها سكتت… السكوت بقى مسموع. فريدة كلبشت في عيالها وضمتهم أكتر. سليم بص لبنته… ومكدبش عليها: “آه… بقتل”.
نور استوعبت الكلمة وسألته: “الناس الوحشين؟” “ساعات”. “والساعات التانية؟”
فريدة حست إن الهوا هرب من صدرها. بوق سليم اتشد وجز على سنانه: “الساعات التانية… الناس اللي بيقفوا في طريقي”. نور رجعت لورا وسندت ضهرها: “أنا مش بحب كده”. سليم نزل عينه الأرض وقال: “حقك… المفروض ماتحبيش كده فعلاً”.
فريدة كانت باصة له وهي مذهولة ومش مصدقة. سليم اللي تعرفه زمان كان هيقول “العيال ملهمش دعوة بكلام الكبار”. بس سليم اللي قدامها ديلوقتي كان باين كأن حكم بنته الصغيرة عليه ضربه في مقتل تحت ضلوعه في حتة مكنش عامل حسابه ليها.
فضلوا يجروا بالعربية ساعات… الشط والبحر اختفوا، ودخلوا في وسط طرق زراعية، وبعدين طريق صحراوي، لحد ما وصلوا لطرق خصوصية مقفولة ببوابات حديد وكاميرات مستخبية وسط الشجر. على المغربية كده، وصلوا لبيت شبه الحصن، مبني على جبل عالي باصص على البحر الإسكندراني. مش القصر القديم اللي فريدة هربت منه؛ المكان ده كان أقدم, أبرد، كله حجر رمادي وشبابيك ضيقة، كأنه متقفل عشان يستحمل حرب وحصار.
جوة الحصن، الرجالة كانوا بيتحركوا بسرعة وبسكات. الدكاترة جم عشان يشوفوا كتف الحاجة فتحية. وست تانية عينيها طيبة جابت بطاطين ودفى للعيال. فريدة رفضت تماماً إن أي حد ياخد العيال من قدام عينها ولو ثانية. سليم مجبرهاش على حاجة. وده اللي قلقها وخوفها أكتر؛ الجبروت بيبان، بس الحنية دي وراها حاجة.
اداهم جناح في آخر الطرقة اللي عليها حراسة مشددة. أوضتين نوم، صالة، دفاية، وشبابيك مابتتفتحش. قفص فخم… بس قفص في الآخر.
لما العيال ناموا أخيرًا مع بعض في نفس السرير، وإيد يوسف ماسكة في كم نور، فريدة خرجت للصالة ولقت سليم واقف مستنيها. كان غير قميصه اللي فيه دم طبعاً. لازم… سليم الدالي يحب السيطرة والنظافة دايماً.
قال لها: “تقدري تسيبيهم نايمين جوة… هما في أمان ديلوقتي على ما نتكلم”. فريدة قفلت باب الأوضة بالراحة: “أنا مستحيل أسيبهم معاك لوحدك”. الوجع مر على وشه بسرعة لدرجة إنها كادت متلمحوش: “خلاص… اقفي في الحتة اللي تخليكي شطورة وشايفة الباب”. ووقفت فعلاً.
قعدوا فترة محدش فيهم بينطق. النار في الدفاية كانت بتطلع صوت طرقعة في وسط السكوت. أخيراً، فريدة قالت: “قولي كل حاجة… بالتفصيل”.
وسليم حكى لها كل حاجة. حكى لها عن عمه “منصور الدالي”، اللي كان شايف إن سليم ضعيف ومش نافع عشان اتجوز عن حب. وعن عيلة “الرفاعي” اللي كانوا عايزين يخلوا سليم مش متزن ويهدوا إمبراطوريته. وعن الخطة اللي مكنتش معمولة عشان تقتل فريدة، لأ… دي كانت معمولة عشان تخليها تهرب وهي حامل، فيشتتوا انتباه سليم ويضربوا الإمبراطورية بتاعته وهو دايخ وراها.
سليم قال بصوت ناشف وخالي من المشاعر بس إيده اتقفلت وبقت قبضة حديد: “نور أختك كانت مجرد طُعم… أنتِ كنتِ الهدف… والعيال هما الجايزة اللي عايزين يكسروني بيها”. بطن فريدة قلبت: “ليه؟” “سلالة… كارت ضغط… انتقام… اختاري اللي يعجبك”. “وفضلنا خمس سنين في اللعبة دي؟” “أنا قعدت أدور… في السكات الأول، وبعدين قلبت الدنيا. قتلت كل واحد اعترف إنه ليه يد في اللوضوع ده… أغلبهم ماتوا من غير ما ينطقوا بكلمة”. وكانت مصدقاه في دي… سليم يعملها.
“وعمك منصور؟” سليم رفع عينه ليها: “مات”. “إزاي؟” “أنا اللي حطيت رصاصة في زوره”.
النار طرقعت تاني. فريدة محستش بحاجة… لا رعب ولا شماتة. كانت يدوب حاسة بـ هدد حيل وفصلان تام.
“والراجل اللي عامل التاتو؟” “لسه فص ملح وداب… بندور عليه”. “يا محاسن الصدف!”. عينيه ضيقت: “أنتِ فاكرة إني ممكن أسيبه عايش لو طولته؟” “أنا شايفة إن الرجالة اللي زيك دايماً عندهم أعداء أكتر من الإجابات والحلول”.
هو اللي ودى عينه الناحية التانية الأول… والحركة دي خطفتها؛ سليم مبيسيبش عينه تروح. قال لها بصوت واطي: “أنا أستاهل منك الكلمة دي فعلاً”.
فريدة ضمت ذراعاتها حولين نفسها جامد: “نور مدفونة فين؟” “في المدافن بتاعة عيلتكم”. زورها اتخنق: “أنت سبت أبويا وأمي يدفنوها؟” “آه”. “وقلت لهم إيه؟” “قلت لهم إنك في أمان”. ضحكت بمرارة: “بس أنا مكنتش في أمان يا سليم!”. بص لها وقال: “عارف… مكنتيش في أمان”.
السكوت المرة دي كان ألعن وأصعب. فريدة بصت لـ باب أوضة النوم: “عيالي مش هيعيشوا ولا هيقعدوا في العالم القذر بتاعك ده”. “هما جواه بالفعل من ديلوقتي”. “لأ!”. “فريدة… اللي حصل النهارده مش المحاولة الأخيرة. ديلوقتي بعد ما عرفوا إن عندي توأم، كل حوت وكل منافس ليا في السوق هيجري وراهم عشان يلووا ذراعي بيهم!”.
دمها اتمص وبقى تلج: “خلاص… اخليهم يقفوا! اقطع دابرهم!”. “هعمل كده فعلاً”. البساطة اللي قال بيها الكلمة خضتها.
“أنت فاكر إن القتل والعنف بيحل كل حاجة؟” “لأ… بس بيحل مشاكل الرجالة اللي مابتفهمش غير لغة العنف”.
لفت وشها الناحية التانية بعيد عنه. صوت أمواج البحر كانت بتخبط في الصخر تحت الجبل. بقالها خمس سنين عايشة مع صوت بحر أهدى وأحن بكتير… في عزبة البرج، الموج كان بيطبطب عليها ويمسيها. هنا… الموج طالع صوته زي طبول الحرب والدفوف.
سليم قرب منها، بس وقف على بعد خطوتين تلاتة: “أنا عمري ما لمست نور أختك يا فريدة… عمري”. قفلت عينيها: “ماتتكلمش… خلاص”. “أنا عايزك تبقي عارفة دي ومصدقاها بس”. “أنا مبقتش عارفة إيه الحقيقة وإيه الكذب في حياتي!”. “أنتِ عارفاني أنا كويس”. لفت له بسرعة وعينيها فيها شرار: “وهي دي المصيبة السودا يا سليم!”.
في اللحظة دي… شاع بين الاتنين شرار قديم… حب متقطع ومتبهدل بالغدر، رغبة مستخبية وميتة تحت الوجع، وغضب معجون بالذكريات. سليم كان باصص لها كأنه هيموت ويعدي الخطوتين دول ويضمها، بس كان عارف إنها لو لمسها ديلوقتي ممكن تنهار وتتفتت في إيده. فعشان كده… فضِل واقف في مكانه زي الصنم. وقال لها بصوت حنين: “أنا مش هاخدهم منك… مش هحرمك من عيالك”.
حبست نفسها وهي مش مصدقة: “أنت متوقع مني أصدق البقين دول ديلوقتي؟” “لأ… مش متوقع، بس هثبتلك ده بالأيام”. “يا حنين… يا ابن الأصول”. “أنا مش ابن أصول… ومفيش فيا ريحة النبل”. “على الأقل متفقين في دي!”.
بوقه كان هيتحرك… مكنتش ابتسامة، كان طيف ضحكة سخرية من نفسه. وفي الثانية دي بالظبط… تليفونه رن وفصل السيرة!
سليم بص لشاشة التليفون… واللي شافه شفط الدم من وشه وخلاه زي قماش الكفن.
رد على المكالمة. وفريدة كانت واقفة بتسمع. التحول اللي حصل فيه كان في ثانية واحدة؛ الراجل رجع “كبير عيلة الدالي” اللي مفيش في قلبه رحمة. الزوج، الأب، الحنين… كلهم اختفوا ورا طبقة من التلج.
قال ببرود يرعب: “ابعتها…” وقفل السكة. جسم فريدة قشعر: “في إيه؟ انطق!” سليم مردش.
تليفونه رن تاني… جاتله رسالة. لأول مرة من الليلة دي، فريدة تشوف صدمة حقيقية بتهد ثبات سليم الدالي وسيطرته على نفسه. زعقت فيه بقلق: “فيه إيه يا سليم؟! اتكلم!” بالراحة كده، سليم لف التليفون وورّاها الشاشة.
الصورة اللي على الشاشة كانت لسه ملقوطة من كام دقيقة بالظبط… “يوسف” و”نور” نايمين في أوضة الجناح جوة الحصن!
قلب فريدة وقف… ونفسها اتقطع. تحت الصورة كانت مكتوبة رسالة: “عيال زي الورد… نور أختك كانت هتموت فيهم لو شافيتهم”.
والمصيبة إن فيه رسالة تانية نزلت وهما بحلقين في الشاشة: “قول لفريدة إني مكنتش قاصد أخليها تهرب وتتبهدل المسافة دي كلها”.
فريدة مبقتش قادرة تتحرك، ركبها سابت. سليم كان ماسك مسدسه في إيده وباصص ناحية باب الأوضة وعينيه بتطلع شرار.
وفجأة… وصلت رسالة تالتة. المرة دي كانت فيديو… الصورة الأولى للفيديو كانت مبينة ست قاعدة في أوضة ضلمة، ووشها نصه متداري في الظل. شعر أصفر… وفي رقبتها السلسلة الفضة إياها.
فريدة رجليها مالت وكانت هتقع على الأرض، بس سليم لحقها وضمها قبل ما تقع. وعلى الشاشة… الست دي رفعت راسها وبصت للكاميرا… وابتسمت!
“نور” أختها… واقفة بطولها وبتبص في الكاميرا وقالت بحنية مسمومة: “إزيك يا فري… بتهيألي جه الوقت اللي تسمعي فيه حكايتي من ديلوقتي”.
الفيديو كان سبع ثواني بس، بس السبع ثواني دول كانوا كفيلين يهدوا خمس سنين من العياط والوجع والأسية. نور كانت قاعدة تحت لمبة صفرا سهاري. شعرها الأصفر كان أقصر من زمان، مقصوص عند فكها بشكل مبهدل. دلاية الهلال الفضة لسه في رقبتها بتتحرك مع كل نفس بتاخده.
وبعد ما قالت جملتها… الشاشة اسودت. فريدة كانت مبحلقة في التليفون لحد ما الدنيا لفت بيها وغامت. همست بذهول: “لأ… مستحيل”.
سليم كان واقف جنبها، المسدس في إيده، ووشه خاطف لونه. لأول مرة في حياته، سليم الدالي—الراجل اللي البلد بتخاف من اسمه—كان باين عليه الذهول والصدمة زي مراته بالظبط.
فريدة قالت ونبرتها ضايعة: “دي ماتت… أنت قلت لي إنها ماتت!”. صوته طلع واطي زي الرعد البعيد: “أنا دفنت جثتها بإيدي…”. فريدة لفت له ببطء: “أنت دفنت أختي؟”. “أنا دفنت ست، المستشفى والطب الشرعي طلعوا ورقها باسم نور”. “بس دي مش هي!”. سليم جز على سنانه: “عارف… مش هي”.
من جوة الأوضة، يوسف اتحرك وهو نايم. فريدة جِريت في ثانية، حطت إيدها على الأكرة وقفت بجسمها سد بين عيالها وبين الصالة اللي مليانة أسرار تموّت.
الحاجة فتحية، رغم إنها كانت خاسرة دم كتير وكتفها مربوط بالضمادات، كانت قاعدة على الكرسي وباصة لسليم بغل: “يعني يا إما أعدائك بيصحوا الموتى من الترب… يا إما فيه حد لغّجك وعملك أرجوز ولعب بيك الكرة يا ابن الدالي!”. عيون سليم بقت أبرد من التلج: “محدش بيلعب بيا مرتين”.
فريدة ضحكت ضحكة مكسورة وهستيرية: “لا لعبوا بيك… ولعبوا بيا. خلوني أهرب خمس سنين، وخلّوك تجري ورا الخيال، وخلوا أختي تختفي من قبرها!”. سليم سكت تماماً… والسكوت ده كان بيخوف فريدة أكتر من زعيقه وغضبه.
في اللحظة دي، دخل عادل الصاوي والصدمة على وشه، التليفون في إيده، والجرح اللي في راسه مربوط بشاش والدم معلم على ياقة قميصه. قال بنهجة: “تتبعنا الرسالة يا باشا… عدت على ست سيرفرات برة البلد، وآخر لقطة ليها كانت من سيرفر في بيروت، المصدر الأساسي مخفي تماماً ومتشفر”.
سليم خطف منه التليفون: “والصورة بتاعة العيال؟” عادل بلع ريقه: “مبعوتة من جوة البيت هنا…”.
كل الأنوار في الجناح كأنها ضلمت مرة واحدة. فريدة كلبشت في أكرة الباب: “من جوة البيت؟!”. عادل هز راسه: “فيه حد اخترق الجناح الشرقي للحصن… أو فيه حد من اللي شغالين جوة معانا هو اللي بعتها”.
سليم لف وشه بالراحة ناحية الطرقة. الحصن القديم اللي مبني زي القلعة، فجأة بدا فاضي وخاوي. الحراسة اللي برة، الكاميرات، الأبواب المصفحة… كل ده مابقاش ليه تمن. الخطر مكنش جاي في الطريق… الخطر كان قاعد معاهم جوة!
فريدة فتحت باب الأوضة وبصت على عيالها؛ يوسف كان واخد نور في حضنه، وإيد نور الصغيرة مكلبشة في كم البلوفر بتاعه. لوهلة، مكنتش قادرة تتحرك من مكانها. وبعدين دخلت بسرعة، شالت يوسف على ذراعها، وبالإيد التانية صحّت نور براحة. “ماما؟” يوسف برطم وهو مغمض. فريدة همست بالكلمة السر: “الضلمة”.
عينين نور فتحت على الآخر في ثانية. ومنطقتش ولا كلمة… شالت الشنطة بتاعتها فوراً.
سليم ظهر عند الباب، ولما سمع الكلمة السر والعيال بيتصرفوا كده، ملامحه اتهزت؛ يمكن كان وجع، يمكن كان فخر بذكائهم… بس فريدة منفضتلوش ومكنتش فاضية لدموعه. سليم قال: “هننزلهم المخزن السري اللي تحت الأرض (البروميان)”. فريدة ردت بنشفان: “أنا اللي بحدد عيالي يروحوا فين”. “يبقى حددي بسرعة لأن مفيش وقت!”.
وفجأة… صوت صرخة قطعت الطرقة برة! مكنتش صرخة عالية، ولا طويلة… دي كانت صرخة راجل بيموت وفيه إيد مكتومة على بوقه!
سليم خطى خطوة لقدام، بس فريدة قفشت في ذراعه: “ماتسيبناش لوحدنا…”. الكلمات طلعت منها قبل ما كبريائها يمنعها. سليم بص لإيدها اللي ماسكة قميصه، وبعدين بص في عينيها: “مش هسيبكم”.
عادل الصاوي سحب طبنجته. والحاجة فتحية حاولت تقوم من على الكرسي وهي بتتحامل على كتفها المضروب. فريدة زعقت فيها بحدة: “أنتِ رايحة فين؟! اقعدي مكانك!”. الحاجة فتحية برقت لها: “نعم يا ختي؟” “أنتِ نزفتِ دم كتير ومفيش فيكي حيل… اقعدي!”. الحاجة فتحية برطمت: “أنا ست بركة وعضمي ناشف… ماشي”.
صوت طلقة تانية رن من الدور اللي تحت. يوسف بدأ يعيط. سليم وطى شاله بسرعة قبل ما فريدة تعترض. الواد اتخشب في الأول، خايف من الراجل الغريب اللي عليه دم ده، بس سليم حضنه بطريقة تانية خالص… مش كأنه بيملك حاجة، ولا كأنه وريث، حضنه بحذر وخوف شديد كأنه شايل حتة زجاج وخايف تتكسر في إيده. يوسف كلبش في بالطو سليم. فريدة شافت سليم وهو بيبلع ريقه وصدره بيعلو ويهبط.
تحركوا بسرعة من الباب السري المستخبي ورا الدفاية، ونزلوا سلم حجر ضيق وضلمة بيودي لأساسات البيت تحت الأرض. نور كانت ماسكة إيد فريدة وجسمها صاحي وبتتلفت. سألت بصوت واطي: “ماما… هي طنط نور بقت عفريت؟” قلب فريدة اتعصر: “مش عارفة يا قلب ماما”. نور بصت لفوق: “بس في الفيديو مكنتش شبه العفاريت”. سليم بص للبنت الصغيرة وقال لها: “صح يا نور… مكنتش عفريت، كانت طُعم”.
وصلوا تحت… الباب الفولاذي اتفتح على مخزن حديد مليان شاشات مراقبة، ومؤن، وأسلحة مقفول عليها بـ أقفال حديد. فريدة كرهت المكان ده في ثانية؛ أمان اه… بس شبه القبر!
سليم نزل يوسف على الأرض: “خليك هنا جنب مامتك”. يوسف مسح دموعه كمامه: “أنت رايح تقتل الأشرار؟” سليم نزل على ركبته وبقى في مستوى طول الواد. المشهد كان غريب لدرجة إن عادل والحاجة فتحية سكتوا وبصوا ليهم. سليم قال له: “أنا رايح أدور عليهم… وعشان أوقفهم عند حدهم”. يوسف بصلة بعدم ثقة: “وهترجع تاني؟” سليم تردد… والتردد ده فهم فريدة كتير قوي عن طبيعة الحياة السودا اللي الراجل ده عايشها؛ عمره ما وعد حد إنه هيرجع لأن الموت دايماً أقرب له من ديله. بس بص في عين ابنه وقال: “آه… هيرجع”.
نور قربت منه وقالت بنشافة: “احلف بجد… ووعد حقيقي”. سليم بصلها: “إزاي؟” “حط إيدك على قلبك… ماما بتقول الوعود بتبقى حقيقية لما جسمك يسمعها”.
فريدة قفلت عينيها… وسليم رفع إيده الكبيرة وحطها على قلبه وبص لنور وبص لفريدة: “ووعد مني… هيرجع”. نور درست ملامحه زي القاضي: “تمام”.
سليم قام وبص لفريدة. كان فيه ميت حاجة وحاجة واقفة بينهم؛ الغدر اللي طلع فخ، الوجع اللي طلع سرقة عمر، والحب اللي ماماتش بس طلع له سنان في الضلمة. قال لها كلمة واحدة: “اقفلي الباب ورايا بالترباس الفولاذ”. ومشي… والباب اتقفل وراه.
لمدة عشر دقائق، الشاشات جوة المخزن كانت جايبة برجل ودوشة من غير صوت. رجالة بتجري… حراس بيتحركوا في الطرقة… وفيه جثة مرمية جنب السلم الغربي. سليم كان ماشي في بيته زي العاصفة السودا، مسدسه لِتحت، وعينيه بتلقط كل شبر وضِل.
فريدة كانت بتراقب الشاشات وهي حاطة إيد على يوسف وإيد على نور. وفجأة… شاشة منهم غلوشت. وظهرت ست… نور.
كانت واقفة جوة مكتب سليم في الدور اللي فوق! عايشة وبتتنفس، وباصة للكاميرا دايركت… كأنها شايفة فريدة. فريدة النفس اتكتم في صدرها. نور ابتسمت… ورفعت صباعها على بوقها بتقول لها: “اششش”. ووراها… على مكتب سليم… كان محطوط خاتم جواز فريدة الألماظ!
سليم لقى الخاتم قبل ما يلاقي نور. كان محطوط في نص المكتب فوق ورقة بيضا مطبقة، وبيلمع تحت إضاءة اللمبة كأنه تهمة. نفس الخاتم اللي فريدة رمته ورا مكنة البيبسي من خمس سنين، ونفس الخاتم اللي سليم قلب عليه تلات محافظات عشان يلاقيه.
عادل الصاوي دخل وراه وجسمه مشدود: “مستحيل يا باشا… إزاي ده وصل هنا؟” سليم ملمسش الخاتم، حرك بوز المسدس وفتح بيه الورقة المطبقة: “مفيش حاجة مستحيلة… كله بفلوسه”.
الورقة كان مكتوب فيها أربع كلمات بس بالملي: “هي مشيتش لوحدها”.
لثانية واحدة، حتى نفس سليم وقف. وفجأة، صوت الانتركم اشتغل، وصوت فريدة ملا الأوضة من المخزن اللي تحت: “سليم…”. سليم بص لأقرب كاميرا مراقبة. وش فريدة ظهر على الشاشة؛ كانت بيضا من الغضب والعيال وراها: “الكلام ده معناه إيه؟”. سليم بص للورقة: “لسه مش عارف”. “ماتكذبش عليا يا سليم!”. رفع عينه للشاشة: “مش بكذب”. “يبقى خمن!”.
عادل الصاوي قرب من الورقة وعينيه مفيهاش أي تعبير: “ممكن يكون معناها إن فيه حد ساعد الست فريدة وهي بتهرب زمان”. وش فريدة على الشاشة بقى زي الحجر: “محدش ساعدني… أنا مشيت لوحدي”.
سليم منطقش… بس الذاكرة بدأت تشتغل في دماغه وتجمع الخيوط بسرعة: الليلة دي… المطر والشبورة… الدولاب الفاضي… الخزنة اللي ملمستش… الفلوس الكاش اللي اتمسحت من هواية حمام الضيوف… والكهرباء والكاميرات اللي قطعت لمدة تسع دقائق بالظبط عند المدخل الشمالي للقصر! وقتها، سليم افتكر إن فريدة ذكية وقدرت تعمل كده من وراه. هي فعلاً ذكية… بس أكيد فيه حد فتح لها الباب وسهل لها السكة. فيه حد كان عايزها تخرج برة البيت ده وتختفي!
الحاجة فتحية طلع صوتها من برة كادر الشاشة: “يا فايزة يا بنتي… فيه حد شافك وأنتِ ماشية الليلة دي؟” فريدة هزت راسها: “سواق تاكسي… بياع تذاكر في الموقف… محدش تاني”. هنا نور الصغيرة اتكلمت براحة: “أمال الست اللي كانت في الاستراحة يا ماما؟” فريدة لفت وشها ليها: “ست مين؟”
نور كشرت كأنها بتفتكر حلم قديم: “أنتِ حكيتي لنا مرة وأنا عندي السخونية… قلتِ إن فيه ست عجوزة ديتك شاي دافي في الاستراحة وقالت لك أوعي تبصي وراكي ولا تثقي في الطريق اللي جيتي منه”.
فريدة اتجمدت مكانها… وسليم شاف الحركة دي على الشاشة. الذاكرة بدأت ترجع لفريدة ببطء… حمام الاستراحة… إيدها اللي بترتعش… صبغة الشعر اللي بتاكل في فروة راسها… وست عجوزة ببالطو رمادي ظهرت جنبها عند الحوض. عيونها كانت طيبة، ومدت لها كوباية شاي ورق: “اشربي يا بنتي… أنتِ باين عليكي الموت بيجري وراكي”. فريدة شربت الشاي لأنها كانت تعبانة، وخايفة، وحامل… وبعدها… نامت بتاع تلات ساعات في الأتوبيس، ولما صحيت لقت نفسها في حتة أبعد بكتير من اللي كانت ناوية تروحها!
همست فريدة برعب: “يا نهار أسود…”. صوت سليم نزل لدرجة واطية: “كان شكلها إيه الست دي؟” “مش فاكرة… شعرها قطن فضي… يمكن عندها ستين سنة… بس كان ليها لكنة غريبة في الكلام”. “لكنة إيه؟” فريدة حطت إيدها على بوقها: “لكنة روسية”.
وش عادل الصاوي اتقلب في ثانية… وسليم لقط اللقطة: “فيه إيه يا عادل؟” عادل بصلة وقال بحذر: “كان فيه ست شغال مع منصور الدالي عمك زمان… اسمها (إيرينا)… كانت بتهرب سلاح وبتنظف وراهم العمليات. الست دي اختفت في نفس الوقت اللي اتقال إن نور أختها ماتت فيه”.
نظرة سليم بقت نظرة دبح وقتل: “وأنت كنت عارف المعلومة دي؟” “كنت فاكرها ماتت يا باشا”. “كل الناس بتبقى ماتت لحد ما يبعتوا فيديوهات!”.
صوت فريدة طلع بيترعش من الانتركم: “وليه واحدة من رجالة عمك منصور تساعدني أهرب؟!” سليم بص للخاتم الألماظ اللي على المكتب وقال: “لأنها مكنتش بتساعدك تهربي يا فريدة… دي كانت بتنقلك للمكان اللي هما عايزينه!”.
السكوت حل… وفجأة، صوت “نور” طلع من سماعات المكتب: “أخيراً فهمتوا!”.
كل الكاميرات غلوشت والشاشات اسودت، ما عدا شاشة واحدة… نور ظهرت تاني، قاعدة في نفس الأوضة الضلمة، بس المرة دي مكنتش بتبتسم: “طول عمرك بطيء وفهمك على قدك لما الموضوع يخص فريدة يا سليم”.
فريدة طلعت منها شهقة وعياط من الانتركم: “نور؟! أنتِ بجد؟” عيون نور حنت لثانية: “إزيك يا فري…”. فريدة قفشت في لوحة التحكم بتاعة المخزن: “أنتِ فين؟ انطقي!” “في مكان أمان أكتر من المكان اللي أنتم محبوسين فيه ديلوقتي”.
سليم قرب من الشاشة: “لو الكلام ده صح، مكنتيش استخبيتي ورا السيرفرات المشفرة”. ابتسامة نور رجعت تاني، مكسورة وتعبانة: “ولو أنت قوي وجامد زي ما أنت فاكر، مكنتش هعرف أمشي جوة بيتك وأدخل لحد مكتبك وأحط الخاتم!”.
إيد سليم اتفتت على المسدس: “أنتِ شغالة مع مين؟” “لأول مرة في حياتي… شغالة لحساب نفسي”. فريدة هزت راسها والدموع نازلة: “قالوا لي إنك متّي!”. نور قالت: “مت فعلاً… على الورق، وفي المشرحة، وجوة الكفن. دي كانت الطريقة الوحيدة عشان أعرف أعيش برة سجن عيلة الدالي”. “وليه مجيتيش ليا؟” وش نور اتهد لثانية واحدة… وبعدين قفلت ملامحها تاني: “عشان كنت فاكرة إني بحميكي”. فريدة ضحكت وسط دموعها: “كل الناس بتحميني بأنها تخرب حياتي وتدمرها!”.
نور اتهزت من الكلمة… وسليم خد باله، وفريدة كمان. فريدة سألتها: “إيه اللي حصل الليلة دي من خمس سنين؟” نور بصت لإيدها: “أنا جيت لسليم وأنا متخدرة وجاهزة… بس مش عيلة الرفاعي اللي خدروني”.
سليم وقف مكانه زي الصنم… وعادل مالمش رمش. نور رفعت عينها وقالت: “منصور الدالي هو اللي حط لي المخدر. كان عايز يشغل سليم، وكان عايز يكسر فريدة، وكان عايز يخلي الوريث اللي في بطنها من غير حماية”.
صوت سليم طلع زي التلج: “منصور عمي مات”. نور قالت: “آه مات… وكان يستاهل الألعن من كده”. “ومين اللي ساعده من جوة؟”
نور لفت وشها وبصت دايركت لـ عادل الصاوي! لأول مرة من سنين طولها، عادل الصاوي—دراعه اليمين ومستشاره—يبان في عينيه الرعب والخوف. سليم لف وشه بالراحة لعادل. عادل رفع إيديه الاتنين بسرعة: “سليم… اسمعني…”.
صوت نور قطع الأوضة من السماعات: “اسأله الكاميرات قطعت تسع دقائق ليه؟ اسأله هو اللي طلع ورق جثتي وبصم عليه ليه؟ اسأله خاتم فريدة مظهرش ديلوقتي ليه؟ اسأله هو ليه قال لمنصور عمك إن فريدة حامل من الأساس؟!”.
دم فريدة بقى تلج. سليم متكلمش… ومكنش محتاج يتكلم. الأوضة اتغيرت حولين عادل في ثانية؛ الحراس اللي واقفين عند الباب رفعوا أسلحتهم وعمروها في وشه. وش عادل فضي من التعبير… وبعدين، بابتسامة حزينة، بص لسليم وقال: “أنت طول عمرك كنت هتختارها هي في الآخر وتفضلها عليا… يا سليم”.
سليم كان مبحلق فيه. عادل تحرك بسرعة البرق… مش ناحية سليم… تحرك ناحية المكتب! ورزع كف إيده بكل قوته فوق الخاتم الألماظ!
جهاز مستخبي جوة الفص نور باللون الأحمر… سليم نط عليه عشان يلحقه… بس الوقت كان فات.
بـوووووووووم!
القصر انفجر! مش كله… مش لدرجة تموت كل الناس. بس لدرجة تهد الحوائط وتفتح أبواب الجحيم.
الانفجار طيّر شبابيك المكتب، وحدف سليم على الحيطة بقوة، والأوضة اتملت نار ودخان أسود يعمي. المخزن اللي تحت الأرض اتهز جامد. فريدة صرخت والتراب والأسمنت نازل فوق راسهم من السقف، ويوسف كلبش في وسطها بكل قوته.
على الشاشة… وش نور اختفى. الباب الحديد الفولاذي اللي فوق المخزن طلع صوت تزييق ووقع عليه حجر. الحاجة فتحية سحبت بندقية آلية من الرف بتاع الطوارئ بذراعها السليم: “أنا زهقت من قرف الأغنياء والعيشة المرة دي!”.
ودن فريدة كانت بتصفر: “سليم!” زعقت في الانتركم: “سليم!!! رد عليا!”. مفيش إجابة… مفيش غير دخان ونار على الشاشة.
وفجأة نور الصغيرة شاورت على شاشة تانية: “ماما… بصي!”. كان فيه كاميرا واحدة لسه شغالة… مبينة الطرقة اللي برة المكتب فوق. عادل الصاوي كان ماشي وسط الدخان، غرقان في دمه بس عايش وبطوله… وفي حضنه وشايله بين إيديه… جسم سليم الدالي وهو فاقد الوعي تماماً!
قلب فريدة وقف. عادل الصاوي رفع عينه وبص للكاميرا دايركت… وابتسم لفريدة وقال لها بالملي: “قولي للعيال… إن أبوهم بقى بتاعي أنا ديلوقتي”.
فريدة مستنتش إذن من حد عشان تخرج من المخزن تحت الأرض. فريدة بتاعة زمان كانت ممكن تتجمد مكانها وتصوت. العروسة المكسورة اللي خرجت في المطر من خمس سنين كانت ممكن تجري في عكس الاتجاه، وتضم عيالها لـ صدرها وتهرب وتستخبى في آخر الدنيا عشان تحميهم. بس الست اللي فتحت باب المخزن ديلوقتي مكنتش العروسة دي… دي كانت “أم”. وسليم الدالي—ربنا ينتقم منه ويسامحه—يبقى أبو عيالها!
الحاجة فتحية وقفت في طريقها وسدت السكة: “لأ… مش هتخرجي”. “اوعي من وشي يا حاجة!”. “أنتِ معاكي عيلين وراكي يا فريدة!”. “وأبوهم اتخطف من الراجل اللي شارك في تدمير أختي وموتها!”.
عيون الحاجة فتحية حنت، والحركة دي نرفزت فريدة أكتر: “يا فايزة يا بنتي…” قطعت كلامها بزعيق: “اسمي فريدة!”.
الكلمة نزلت في المخزن زي إعلان حرب. يوسف بحلق فيها… ونور كانت بتراقب بسكات. فريدة لفت ليهم، ونزلت على ركبها عشان تبقى في مستوى عينيهم: “عايزاكم تسمعوني كويس قوي وبتركيز. الحاجة فتحية هتاخدكم من النفق اللي تحت ده… فيه مركب مستنياكم على الشط. هتمشوا معاها، واللي هتقوله لكم هيتنفذ بالملي ومن غير ولا كلمة”.
يوسف هز راسه بالرفض فوراً والدموع في عينيه: “لأ! هنفضل مع بعض!”. فريدة خدت وشه بين إيديها: “أنا هجيلكم… وهلاقيكوا”. “كل الناس بتقول الجملة دي ومابترجعش تاني!”. قلبها اتشرخ نصين.
نور الصغيرة قدمت خطوة: “أنتِ رايحة وراه؟” “آه”. “عشان بتحبيه؟”
فريدة اتجمدت مكانها… والمخزن بقى ساكت سكوت مرعب. قالت بصدق ومن قلبها: “أنا مش عارفة أنا حاسة بإيه ناحيته ديلوقتي يا نور… بس أنا عارفة ومستوعبة إنه رجع وعرّض نفسه للموت عشاننا”.
عينين نور الصغيرة ضيقت بنفس الطريقة الناشفة والقاسية بتاعة سليم الدالي بالملي: “خلاص… يبقى ترجعي أنتِ كمان”. فريدة باست راسها: “ووعد حقيقي ومن قلبي… هرجع”. وحطت إيدها على قلبها: “هرجع لكم”.
نور هزت راسها تلوت رقبتها: “تمام”. الحاجة فتحية شتمت في سرها، وحضنت فريدة بذراع واحد، وزقت العيال ناحية النفق: “ماتموتيش يا بت… مش ناقصة قهر”. فريدة كانت هتبتسم: “هحاول”. “حاولي بجد ومتستسهليش!”.
أول ما باب النفق اتقفل وراهم، فريدة لفت وشها لرف السلاح. اختارت طبنجة صغيرة وسهلة، لأنها كانت الحاجة الوحيدة اللي إيدها مهتزتش وهي ماسكاها.
القصر فوق كان مجروح ومتبهدل بس ماماتش. الدخان كان ماشي في الطرقة اللي مليانة صور لرجالة عيلة الدالي اللي افتكروا القسوة والافترا هيبة وورث. رشاشات المية بتاعة الحريق كانت بتنزل مية زي المطر، والإنذار بيصفر ويزعق. في حتة ما، حد كان بيزعق وبيدي أوامر… وفي حتة ثانية، حد كان بيتشاهد وبيصلي.
فريدة كانت ماشية وسط كل ده حافية، لأنها مالحقتش تلبس جزمة وهي خارجة. الإزاز المكسور كان بيجرح رجليها ويسيل دم… بس فضلت ماشية وموقفتش.
عند باب المكتب، لقت راجل من حراس سليم بيموت وساند ضهره على الحيطة. الراجل مسك معصم إيدها بضعف ونطق بصوت حشرجة: “يا هانم…”. بقالها خمس سنين محدش قالها يا هانم دي. سألته بلهفة: “خده على فين؟! انطق!”. “الـ جراج… طريق الساحل الشمالي… عادل الصاوي شاري رجالة من جوة البيت… مش بتوعنا…”. “كام واحد؟” “كتير… كتير قوي…”. قبضته اتشدت على إيدها بآخر نفس فيه: “ماتثقيش في (الجامع)…”. ومات… إيده سابت.
فريدة بحلقت فيه والكلمة بترن في ودنها… الجامع! الجامع اللي اتكتب كتابها هي وسليم فيه… الجامع اللي في العزبة القديمة بتاعة عيلة الدالي!
وفجأة الفكرة نورت في دماغها وفهمت كل حاجة… عادل الصاوي مكنش بيخون سليم عشان فلوس ولا عشان بيزنس… ده خانه عشان “حب” قديم وجوايا اتفرتك واتقلب لـ “غل وسواد وكراهية” متموتش! عادل كان عايزه ليه هو وبس!
فريدة جِريت… برة القصر، العاصفة والمطر كانوا شغالين على آخرهم. المطر كان نازل يغرق الطرق اللي على حافة الجبل. لقت عربية جيب رانجلر مركونة والمفاتيح في تابلوهها بقلمي نرمين عادل همام. ركبت وسوقتها بغشم وعنف، العربية كانت هتتقلب منها وتقع من على الجبل مرتين.
ووراها… كان حصن سليم الدالي بيتحرق حتت في قلب الضلمة. وفجأة… تليفونها اللي في جيبها رن… من رقم مجهول!
فتحت فريدة الخط، وجاء صوت “نور” مالي سماعة العربية وسط صوت المطر: “فريدة.. اسمعيني كويس. عادل الصاوي واخد سليم ورايحين على المخزن القديم والمهجور اللي في أطراف العزبة”.
زور فريدة اتقفل: “أنتِ فين يا نور؟” “قريبة كفاية عشان أساعد.. وبعيدة كفاية عشان أفضل علماشي وعايشة”. دموع فريدة نزلت بغل: “أنتِ سبتيني فاكرة إنك موتي!”. وجاء صوت نور مخنوق: “عارفة”. “سبتيني أعيش في قهرك وعزاكي!”. “عارفة”. “خلتيني اسمي بنتي على اسمك وأنتِ مش موجودة!”.
الخط سكت ثانية.. وبعدين نور همست بصوت مكسور: “أنا كنت واقفة برة المستشفى وشفتك وأنتِ بتولدي..”. فريدة كانت هيفلت منها الدريكسيون والعربية تتقلب: “إيه؟! أنتِ بتقولي إيه؟!” “كنت هناك.. كنت هتموت وأدخل لكِ.. بس (الست فوزية) منعتني”. “مين فوزية دي كمان؟!” “الست اللي هربتك.. وهربتني.. الست اللي كانت بتلعب بالكل من قبل ما تتجوزي سليم الدالي”.
جسم فريدة اتنفض: “وليه؟ بتعمل كل ده ليه؟!” “عشان (منصور الدالي) عم سليم، سرق ابنها الرضيع من تمانية وعشرين سنة!”. المطر كان بيرزع في أزاز العربية بغشم. فريدة زعقت: “وإحنا مالنا ومال الليلة دي كلها؟!” نور ردت بهدوء يقطع القلب: “لينا كل العلاقة.. كل حاجة”. والخط قطع.
المخزن القديم والمهجور بتاع عيلة الدالي كان واقف وسط شجر أسود وضلمة، وكانت الشبابيك بتاعته منورة بنور شموع خفيف قوي ومريب من جوة. فريدة ركنت العربية بعيد عن البوابة، ومشت وسط الشجر، والطين بيبتلع رجليها الحافية، وماسكة الطبنجة بإيديها الاتنين وجامدة.
لقيت اتنين حراس عند الباب الجانبي للمخزن. وقبل ما تفكر هتعمل إيه، ظهر ضِل من وراهم.. نور خرجت من وسط العتمة ونزلت بكعب الطبنجة على دماغ واحد فيهم جابته الأرض. التاني لف وسحب سلاحه.. فريدة ضربت نار!
الصوت خضها هي شخصياً. الراجل وقع على الأرض وهو بيصرخ بعد ما الرصاصة جت في كتفه. نور بحلقت في فريدة.. وفريدة بحلقت فيها. وفي ثانية.. فريدة نزلت بكف إيدها على وش نور وادتها قلم رن في المكان!
نور حطت إيدها على وشها وقبلت القلم: “أنا أستاهل أكتر من كده”. “أنتِ تستاهلي الدبح!”. “عارفة”. ومع ذلك.. فريدة قفشت فيها وخدتها في حضن عنيف وناشف.. حضن فيه وجع خمس سنين. لثانية واحدة، الأختين كانوا بيرتعشوا.. بعدين فريدة زقتها بعيد: “الحساب بعدين.. سليم الأول”. بوق نور اتلوى: “أنتِ لسه بتموتي فيه”. “ماتفتحيش بوقك!”. “أنا مش بحكم عليكي”. “أنتِ خسرتِ الحق إنك تعليقي على مشاعري وحياتي من زمان يا نور!”. نور وطت راسها: “حقك”.
اتسحبوا ودخلوا من الباب الجانبي للمخزن القديم. المكان ريحته تراب ورطوبة وشمع حامي وصاج مصدي. في صدر المخزن، سليم كان مكلبش ومتربط في كرسي خشبي، والدم نازل من راسه على وشه. راسه كانت مايلة لقدام، بس حتى وهو فاقد الوعي كانت هيبته تخوف، كأن الأوضة حبست ذئب بري ومكتفاه بدوبارة رخيصة.
عادل الصاوي كان واقف جنبه وماسك طبنجة. نفس الهدوء الخشب اللي كان بيقعد بيه في ضل سليم سنين.. بس عينيه المرة دي كانت طايرة ومجنونة. قال أول ما فريدة خطت خطوة في الممر بين الصناديق: “جيتي.. كنت عارف إنك هتيجي”.
سليم رفع راسه أول ما سمع اسمها، ونطق بصوت مبحوح ويموت: “فريدة..”. الراحة كانت هتقعّد فريدة من طولها. عادل الصاوي حط بوز الطبنجة في رقبة سليم: “أول خطوة هتموتيه”.
هنا نور ظهرت من ورا فريدة. ابتسامة عادل اتمسحت ووشه جاب ألوان: “أنتِ؟!” نور مالت براسها: “وحشتك؟” “كان لازم أتأكد من الجثة بنفسي في المشرحة!”. “ما أنت طول عمرك مابتشغلش بالك بالستات اللي بتعتبرهم ورق كلينكس وترميه يا عادل”. وشه اتلوى من الغل.
سليم كان مبحلق في عادل، وسأله كلمة واحدة.. كلمة كان مخبيها من سنين: “ليه؟”. إيد عادل الصاوي اترعشت: “عشان أنت اديتها كل حاجة!”. سليم سكت. عادل ضحك ضحكة مكسورة ومليانة سواد: “أنا اللي بنيت معاك الإمبراطورية دي خطوة بخطوة! أنا اللي نظفت دم ضحاياك من على أرضية الرخام! كذبت عشانك، وقتلت عشانك، ودفنت رجالة أنت عمرك ما سألت عن أساميهم! وفي الآخر.. هي تدخل عليك بالثوب الأبيض، وفجأة تفتكر إنك عايز عيال واستقرار ومستقبل ونظافة؟! والكلب عادل ملوش مكان؟!”.
عيون سليم وسعت: “أنت بعت مراتي وخنتني عشان كنت بتحبني أنا؟!” “كنت بنقذك من الضعف يا سليم!”. “أنت اللي خدرت نور أختها!”. “منصور عمك هو اللي خدرها.. أنا يدوب فتحت له الأبواب وسهلت له السكة!”. “وأنت اللي قلت لهم إن فريدة حامل!”. “قلت لهم اللي محتاجين يسمعوه عشان يكسروك وترجع لي!”.
سليم تحامل على الحبال وقدم بوشه لقدام وعينيه اسودت: “أنت عرّضت عيالي للخطر..”. ملامحه عادل اتغيرت، ولأول مرة الخوف يدخل قلبه من نبرة سليم. سليم قال له بصرامة: “ودي الحتة اللي لازم تندم عليها ديلوقتي.. وتتشاهد”.
عادل اتجنن ونزل بظهر الطبنجة على وش سليم فتح له جرح تاني. فريدة جِريت قبل ما نور تمنعها وزعقت: “كفاية!! ارفع إيدك عنه!”. عادل لف لها وعينيه بتطلع جنون: “أنتِ اللي دمرتي وجوده وهيبته!”. فريدة ضحكت ضحكة باردة وقوية: “لأ.. الرجالة الصغار اللي زيك دايماً بيحتاجوا ست يرموا عليها فتاوى فشلهم، عشان مش قادرين يستوعبوا إنهم مجرد ناس عاديين ومالهمش قيمة!”.
وش عادل بقى أصفر كأنه كركم: “أنتِ مابتفهميش حاجة!”. “أنا فاهمة كويس إن سليم اختارني أنا، وأنت غرّقت إمبراطورية كاملة في الدم عشان مش قادر تعيش وأنت مجرد (الرقم اتنين) في حياته!”.
المخزن كله سكت. وفجأة.. سليم الدالي ابتسم. كانت ابتسامة صغيرة.. مرعبة.. وتخوف. عادل شاف الابتسامة دي وفقد أعصابه تماماً، ولف الطبنجة ووجّهها لـ صدر فريدة! بقلمي نرمين عادل همام سليم غار بجسمه كله على الحبال والكرسي بيحف في الأرض الخرسانة وبيطلع صوت تزييق.. ونور صرخت.. صوت طلقة رن في المكان وهز الحيطان!
بس فريدة موقعتش.. عادل الصاوي هو اللي وقع!….تابع للجزء الثالت تفتكروا عادل وقع في ايه
