أضحية العيد ج1 حكايات روماني مكرم
ج1
جوزى جاب عجل بقرى كبير اضحية العيد هيضحى اول يوم العيد قولتله اعمل حساب اتنين كيلو حلوين لاهلى
قالت حماتى لا اهلك لا
هما هيجو يوم العيد ياكلو هنا منابهم وخلاص
من ساعة ما جوزي رجع بالعجل البقري الكبير والشارع كله واقف يتفرج عليه، وأنا قلبي كان مليان فرحة.
العيد داخل… والبيت أخيرًا فيه ريحة خير.
الأطفال في البلكونات بيضحكوا، والرجالة واقفين يساعدوا في ربط العجل قدام البيت، حتى الجيران فضلوا يقولوا:
“ما شاء الله… أضحية تفتح النفس.”
بصيت لجوزي بابتسامة وقلت له بهدوء: “اعمل حسابك يا حبيبي على اتنين كيلو حلوين لأهلي… بابا وماما نفسهم يدوقوا من خيرنا.”
كنت بقولها بمنتهى العادية.
طول عمرنا بنبعت لبعض في المناسبات، وأهلي عمرهم ما قصروا معانا في حاجة.
لكن قبل ما جوزي حتى يرد…
سمعت صوت حماتي جاي من ورايا زي السكينة: “لا… أهلك لأ.”
لفّيت أبص لها وأنا مش فاهمة.
قالت وهي بتعدل طرحتها: “هما هييجوا أول يوم ياكلوا هنا وخلاص. إنما ياخدوا لحمة معاهم؟ لا. العجل ده لبيت ابني.”
سكت المكان فجأة.
حتى جوزي وشه اتغير، لكنه ما اتكلمش.
قلت لها بإحراج: “يا طنط ده مجرد اتنين كيلو…”
قاطعتني بعصبية: “وهو الجزار فاتح جمعية؟! كل واحد ياخد حتة؟! بكرة إخواتك يمدوا إيديهم، وبعده خالاتك، ونلاقي العجل طار.”
حسيت بدموعي قربت تنزل، لكن تماسكت.
الجيران واقفين.
والناس بتبص.
وجوزي… ساكت.
وده كان أكتر شيء وجعني.
دخلت الشقة وأنا حاسة إن قلبي بيتحرق.
مش بسبب اللحمة… لا والله.
بسبب الإهانة.
قعدت على طرف السرير، وافتكرت بابا لما كان ييجي كل عيد شايل أكياس اللحمة ويوزعها على الناس قبل ما يدخل بيته أصلًا.
افتكرت أمي وهي طول عمرها تقول: “الخير لما يخرج من البيت… ربنا بيزيده.”
مسحت دموعي بسرعة لما سمعت باب الشقة بيتفتح.
افتكرت جوزي جاي يصالحني.
لكن اللي دخل كانت حماتي.
قفلت الباب وراها وقالت بصوت واطي: “بصي يا بنت الناس… أنا ساكتالك من أول الجوازة احترامًا لابني، لكن من النهارده لازم تعرفي حدودك.”
قومت واقفة وأنا مذهولة: “حدودي؟”
قالت وهي بتبص حوالين الأوضة: “آه حدودك. البيت ده بيت ابني، والعجل ده بفلوس ابني، وإنتِ ملكيش إنك تقرري حاجة فيه.”
قلت بغصة: “أنا مراته يا طنط.”
ضحكت بسخرية: “مراته؟ ده انتي لسه لحد دلوقتي مخلفتيش ولد يشيل اسمه.”
الكلمة نزلت عليا زي الطوبة.
لأنها عارفة…
عارفة إني بقالي أربع سنين بتعالج، وعارفة قد إيه الموضوع مكسّرني.
لكنها قالتها بمنتهى القسوة.
وفي اللحظة دي… باب الأوضة اتفتح فجأة.
كان جوزي.
وقف يبصلنا الاتنين، ووشه متوتر.
قلت له وأنا بعيط: “سمعت أمك قالت إيه؟”
بص لأمه… ثم بص لي…
ولثواني طويلة ما نطقش.
كنت مستنية منه كلمة واحدة بس.
أي كلمة.
يدافع عني… يسكتها… حتى ياخدني في صفه مرة واحدة.
لكن اللي قاله خلاني أحس إن الأرض بتتهز من تحتي.
قال ببرود: “أمي معاها حق في نقطة.”
شهقت وأنا ببص له بعدم تصديق.
كمل وهو بيتجنب عيني: “إحنا فعلًا محتاجين نحسبها… العجل مكلف جدًا السنة دي.”
حسيت إن روحي خرجت مني.
اتنين كيلو لحمة… هما اللي هيكسروا البيت؟
لكن الصدمة الحقيقية ما كانتش هنا…
الصدمة بدأت تاني يوم.
لما صحيت الصبح على صوت حماتي وهي بتتكلم في الصالة بالموبايل وتقول: “أيوه يا أم محمود… متقلقيش، نصيب بنتي متشال لوحده. ده غير الكبدة والريش… أصل بنتي أولى.”
وقفت مكاني متجمدة.
بنتها؟
يعني أخت جوزي هتاخد لحمة عادي… وأنا أهلي لأ؟
خرجت للصالة وقلبي بيدق بعنف: “يعني إيه؟”
اتلخبطت أول ما شافتني، لكن بسرعة قالت ببرود: “بنتي أخت جوزك… دي من دمه.”
#الكاتب_رومانى_مكرم
قلت وأنا بحاول أتحكم في أعصابي: “وأهلي بقوا إيه؟ شحاتين؟”
في اللحظة دي ظهر جوزي من أوضته.
وبدل ما يهدّي الموقف…
قال الجملة اللي قلبت العيد كله لجحيم:
دخلت الغرفة وقفلت الباب ورايا وأنا جسمي كله بيترعش. الدموع اللي كانت محبوسة نزلت حارقة، مش بس عشان اللحمة ولا عشان التفرقة، عشان الميزان اللي اتقلب في ثانية، والأمان اللي انهار في لحظة.
جوزي دخل ورايا، ملامحه كانت مزيج من التوتر والعصبية، كأنه هو المجني عليه مش الجاني. قبل ما أنطق بكلمة، شاور بإيده وقال بنبرة حادة: “بقولك إيه.. قفلي على الموضوع ده خالص. أختي دي لحمي ودمي، وأمي حرة تديها اللي هي عايزاه من منابها أو من مناب البيت، إنما إحنا مش هنفتحها مضافة لأهلك وأهلي، والعيد مش ناقص نكد ومصاريف.”
بصيت له ودموعي مغرقة وشي وقلت بصوت مخنوق: “ومنابي أنا فين يا أحمد؟ أنا ماليش نفس أطلب لأهلي من خير جوزي؟ أهلي اللي في كل مناسبة بيشيلونا فوق راسهم؟”
رد ببرود وجفاء: “أهلك على عيني وراسي، هييجوا ياكلوا ويتبسطوا، إنما نظام الشيل والتوزيع ده مش هيمشي هنا. الكلمة كلمتي وكلمة أمي، ومش عايز اسمع صوتك في الصالة تاني.”
سابني وخرج، وساب وراه شرخ في قلبي مستحيل يتداوى بكلمتين.
مرت الساعات تقيلة زي الجبل. جه ليلة العيد، الشارع كله كان فرحان وصوت التكبيرات مالي الدنيا، وأنا حاسة إني غريبة في بيتي. حماتي كانت مسيطرة على كل حاجة، بتقسم وتوزع وتتصل بقرايبها تتباهى بالعجل البقري الكبير، وأنا كنت مجرد “شغالة” بتنظف وترتب من سكات، ومن غير ما حد يطيّب خاطري بكلمة.
أول يوم العيد الصبح، جيت اللحظة اللي كنت مرعوبة منها. الجزار جه، والدنيا اتقلبت حركة ودبح. جوزي وحماتي كانوا واقفين يشرفوا على كل صغيرة وكبيرة.
أنا وقفت في المطبخ بجهز الأطباق والخل والثوم عشان الفتة، وحماتي واقفه جنبي بتعبي الأكياس. وفجأة، لقيتها بتعزل كيس كبير مليان من أحسن حتت اللحمة، ومعاه الكبدة كاملة، وبتقول لعامل معاهم: “خد ده انزل بيه واديه لـ “سيد” سواق الميكروباص يوصله لبيت بنتي أم محمود في أول بلادها.”
في نفس اللحظة دي، تليفوني رن. كان أبويا.
رديت وصوتي مكتوم: “كل سنة وأنت طيب يا بابا.”
صوت أبويا الحنين جالي يطبطب على قلبي: ” وأنتِ طيبة وبخير يا حبيبة بابا، وعيد سعيد عليكي وعلى جوزك. إحنا جهزنا نفسنا ونازلين في الطريق إليكم أهو، جايبين معانا الخير كله.”
قفلت مع أبويا، وبصيت لكيس اللحمة اللي نازل لأخت جوزي، وبصيت لحماتي اللي كانت بتبص لي بنظرة انتصار وتشفي.
خرجت للصالة، لقيت أحمد قاعد بيشرب شاي وبيتكلم في التليفون ومبسوط. وقفت قدامه وقلت بنبرة هادية بس قوية، النبرة اللي بتطلع من الوجع الحقيقي: “أحمد.. بابا وماما زمانهم على وصول.”
بص لي وقال: “ينوروا.. جهزي الغدا.”
قلت له: “هينوروا طبعًا، بس قبل ما يوصلوا، أنا عايزة حقي.”
عقد حواجبه وقال باستغراب: “حقك إيه؟”
في اللحظة دي حماتي خرجت من المطبخ وسندت إيدها على وسطها وقالت: “حق إيه يا خطوة عزيزة؟ هو إحنا مقصرين معاكي في الطفح؟”
جاهلت حماتي تمامًا، وفضلت باصة في عين جوزي وقلت: “حق الشرع يا ابن الأصول. العجل ده لسه مدبوح، والشرع بيقول تلت لله، وتلت للقرايب، وتلت لبيت صاحب الأضحية. أنا بقى عايزة تلت البيت.. تلت منابي كزوجة في البيت ده، هاخده وأتصرف فيه زي ما أنا عايزة، ومحدش ليه دعوة هوديه فين، حتى لو هرميه في البحر.”
أحمد وشه احمر وعروقه ظهرت، وقام وقف وقال بعصبية: “أنتِ اتجننتي؟ أنتِ بتملي شروطك عليا في بيتي ويوم العيد؟”
حماتي زعقت: “شايف يا أحمد؟ شايف البجاحة؟ دي عايزة تقسم الأضحية وتوزعها على هواها! مفيش تلات لتلت، اللحمة دي كلها هتقعد هنا، والي مش عاجبه الباب يفوت جمل.”
وقبل ما أحمد ينطق ويقول كلمته اللي كانت واضحة في عينه، الباب خبط.
فتحت الباب وأنا كلي كسرة، وكان بابا وماما واقفين بره. بابا شايل في إيده شنطتين كبار مليانين فاكهة وحلويات، وماما شايلة شنطة تانية. أول ما بابا شاف وشي وعيني المنفوخة من العياط، ابتسامته اختفت.
دخل وهو بيبص لأحمد ولحماتي، وقال بصوته الوقور اللي بيحز في النفس: “خير يا جماعة؟ في إيه يوم العيد؟ وبنتي مالها؟”
حماتي مكدبتش خبر، وقالت بغل: “بنتك جاية تفرض رأيها وتقسم الأضحية وتعمل مشاكل من أولها عشان اتنين كيلو لحمة!”
بابا بص لأحمد وقال له: “الكلام ده صحيح يا أحمد؟ بنتي بتعيط عشان اتنين كيلو لحمة؟”
أحمد سكت وبص في الأرض، وحماتي كملت: “آه، وأنا قلت أهلك يجوا ياكلوا هنا وبس، مفيش شيل.. هو إحنا فاتحينها تكية؟”
بابا في اللحظة دي، نزل الشنط من إيده على الأرض بهدوء مرعب. بص لأمي وقال لها: “افتحي الشنطة اللي معاكي يا أمي.”
مامي فتحت الشنطة الكبيرة، وطلعت منها أربع أكياس لحمة، كل كيس مش أقل من اتنين كيلو، منضفة ومتغلفة من أنضف جزار.
بابا بص لحماتي وبص لأحمد وقال بابتسامة وجع وعزة نفس: “أنا جزار حتتنا دابح من الفجر، وأنا داخل على بنتي، عمري ما دخلت وإيدي فاضية، وجايب معايا لحمة العيد لبنتي وجوزها من قبل ما أعرف قصة عجلكم. بنتي مش شحاتة يا أم أحمد، وأهلها مش جايين طمعانين في كبشة لحمة.”
التفت لي بابا، ومسك إيدي، وقال الجملة اللي هزت الصالة كلها: “لمي هدومك يا بنتي.. البيت اللي يستخسر فيكي تفرحي أهلك بكلمة، والراجل اللي يسمح بكسر خاطرك وخاطر أهلك في يوم زي ده، متلزموش لقمة في بيته.”

