حماتي والغسالة ج الاخير

حكايات زهرة

مصطفى كان باصص للورقة والذهول مالي وشه، وعينيه بتتحرك بين السطور بسرعة ورعب. حماتي لمحت ملامحه والفضول والرهبة قتـ,ـلوها، فشدت الورقة من إيده وهي بتنهج وقرأتها بصوت مرعوش:

> “إقرار وتعهد.. أقر أنا مصطفى محمد، بإنني ألتزم برد كافة منقولات زوجتي (نيرمين أحمد) كاملة وبحالتها الجديدة، مع دفع تعويض مالي قدره 50 ألف جنيه ثمن الغسالة المستوردة التي تم تبديدها من قِبل والدتي.. كما أتعهد بعدم تدخل والدتي في شؤون حياتنا الزوجية نهائياً، وفي حال مخالفتي لأي بند، يحق لزوجتي رفع دعوى طلاق للضرر مع الاحتفاظ بكافة حقوقها الشرعية والمادية.. وتعتبر هذه الورقة بمثابة إقرار رسمي بالتبديد.”

>

حماتي صرخت ورمت الورقة في الأرض كأنها جمرة نار:

“خمسين ألف جنيه؟! وتطردني من بيت ابني وتمنعني أتدخل؟! إنتِ عايزة تلغي وجودي يا فاجرة؟! مش هنمضي يا مصطفى، خليهم يحبسونا، السجن أرحم من الكسرة دي!”

### اللعب على المكشوف

المحضر بص لساعته بملل وقال بصوت حازم:

“خلصونا يا جماعة.. إحنا مش فاضيين، هتمضوا وتتصالحوا هنا، ولا نتفضل على القسم والنيابة هي اللي تتصرف؟”

بصيت لمصطفى بكل برود وربعت إيدي:

“براحتكم خالص.. طنط شايفة إن السجن أرحم، اتفضل يا فندم خدهم معاك، وأنا هحصلكم على هناك مع المحامي بتاعي ومعايا فواتير الأجهزة وشهادة الشهود.”

مصطفى لما لقى الأمناء بيقربوا منه عشان يكلبشوه هو وأمه، انهار تماماً وشال القلم من على الأرض وجري على الحيطة الفاضية وسند الورقة عليها:

“همضي! والله العظيم همضي! أمي مش هتدخل القسم بسببي!”

حماتي جريت عليه وشدت دراعه وهي بتبكي:

“لا يا مصطفى! متكسرش رقبتنا قدامها! دي بتلوي دراعنا في بيتك!”

مصطفى زعق في أمه لأول مرة في حياته بصوت زلـ,ـزل الشقة الفاضية:

“بس بقى يا أمي! كفاية لحد كدة! إنتِ اللي خربتي البيت من الأول! بعتي غسالتها وضيعتي شقانا، وعايزاني أتحبس وأتفضّح في شغلي بسبب خمس تلاف جنيه؟! سيبيني أمضي وأخلص من المصيبة دي!”

### التوقيع والوقوع

فعلاً، مصطفى مضى وبصم على الورقة وإيده بترتعش، وحماتي وقفت تبص له وهي حاسة بمرارة الهزيمة، كبريائها كله اتهد تحت رجليها في لحظة واحدة.

المحضر أخد الإقرار، وبص لي وقال: “تمام يا فندم، كدة الإجراءات القانونية المبدئية تمت والتصالح اتثبت.. تحبي نعمل أي إجراء تاني؟”ـ,ـ

قلت له بابتسامة رقيقة: “شكراً لتعبك يا فندم، اتفضلوا أنتوا.”

أول ما باب الشقة اتمسح وقفل وراهم، الشقة رجعت تاني لهدوئها القـ,ـاتل. مصطفى رمى القلم على الأرض، وبص لي بنظرة كلها لوم وانكسار:

“ارتاحتي كدة؟ مضيت على قيد حريتي، وكسرتي أمي قدام الغريب.. العفش هيرجع إمتى بقى عشان نخلص من ليلة البلاط دي؟”

### المفاجأة التي لم تتوقعها حماتي

ضحكت ضحكة خفيفة وقعدت على طرف السرير اللي جوة، وسبت الباب مفتوح:

“العفش؟ العفش هيرجع لما أضمن إن البيت ده بقى بيتي أنا وبشروطي.. والأهم من كدة، التعويض الـ 50 ألف جنيه يندفعوا كاش في إيدي عشان أنزل أشتري غسالتي بنفسي!”

حماتي وقفت على باب الأوضة وسندت بكتفها وهي مكسورة تماماً، وقالت بصوت دبلان ومبحوح:

“أنا هسيب لكم البيت وماشية.. مش هقعد في مكان اتهنت فيه.”

بصيت لها وقلت لها بكل لؤم:

“تمشي تروحي فين يا طنط؟ مش مصطفى قال لك (يقعد معا مين) والبيت ده بيته؟ لأ خليكي منورة، إحنا لسه ورانا شغل كتير.. مش إنتِ اللي هتعلميني التدبير؟”

وفجأة، الموبايل بتاعي رن.. بصيت في الشاشة ولقيت اسم “بابا”، فتحت الخط وسمعت صوته وهو بيقول لي حاجة خليت عيني تلمع، وبصيت لمصطفى وأمه وقلت لهم:

“جهّزوا نفسكم.. المفاجأة الأكبر لسه واصلة حالا تحت العمارة!”

## الجزء السادس (قبل الأخير): قلب الطاولة النهائي

مصطفى وحماتي اتسمروا في مكانهم، وعيونهم اتعلقت بيا وبالموبايل اللي في إيدي. الرعب رجع ينهش فيهم من تاني.. يا ترى إيه المفاجأة الأكبر اللي ممكن تحصل بعد فضيحة الشرطة وإقرار التبديد والبيت اللي بقى على البلاط؟

مصطفى قرب مني وخطواته بتقيل، وصوته طالع يادوب مسموع:

> “مفاجأة إيه تاني يا نيرمين؟ حرام عليكي، إحنا مبقاش فينا حتة سليمة.. أبوكي جايب إيه تحت العمارة؟!”

>

### زلزال في الشارع

قبل ما أرد عليه، صوت كلاكيس عربيات نقل تقيلة بدأ يرن في الشارع تحت، ومعاها صخب ودوشة عمال طالعين على السلم.

حماتي جريت على البلكونة الفاضية، وبصت لتحت وفجأة لطمت على صدرها وصوتها صهلل بالصدمة:

“يالهوي يا مصطفى! الحقني يا ابني! دي مش عربية عفش واحدة.. دول تلات عربيات نقل، وعمال نازلين يشيلوا حاجات، وجيران الشارع كله واقفين يتفرجوا علينا والفضائح بقت بجلاجل!”

مصطفى جري وراها وبص من البلكونة، وشه بقى أبيض زي الملخية الناشفة، وبص لي وهو مش قادر ينطق:

“نيرمين.. هو حمايا رجع العفش؟ بس إيه العربيات التانية دي كلها؟!”

خرجت وراهم البلكونة بكل ثقة، ووقفت وحطيت إيدي في وسطي وقلت لهم:

“لأ يا درش.. بابا مرجعش العفش.. بابا جاي ياخد بقية حقي وحقه!”

### كشف المستور

في اللحظة دي، الباب المفتوح دخل منه بابا ومعاه أربعة عمال طوال وعراض، وبابا باصص لمصطفى وأمه بنظرة احتقار خلت مصطفى يوطي راسه في الأرض من الخزي.

بابا بص للعمال وشاور على المطبخ والحمام:

> “ادخلوا يا رجالة.. فكوا السخان، وفكوا فلتر الماية، واخلعوا خلاطات الحوض والدش، وشيلوا النجف السلك اللي باقي، ومتسيبوش في الشقة دي مسمار واحد يخص بنتي!”

>

حماتي صرخت وجريت وقفت في وش العمال:

“تخلعوا إيه؟! دي شقة ابني! السباكة والخلاطات دي إحنا اللي شارينها بفلوسنا من جهاز مصطفى!”

بابا طلع من جيب جاكيته دفتر شيكات وفواتير ورمى الفواتير في وش مصطفى وقال بصوت يهز الحيطة:

“فلوس مين يا حاجة؟! الخلاطات دي مستوردة وبنتي اللي منقياها، والفواتير اهي باسمي وأنا اللي دافع تمنها كاش عشان بنتي تقعد في نظافة! وبما إنكم بعتوا غسالتها عشان توفروا، وتعبتوها من أول شهر.. فبنتي مش خسارة فيها الأجهزة بس، دي خسارة فيها الشقة دي باللي فيها!”

### ليلة التجريد الكامل

العمال بدأوا يشتغلوا بسرعة، وصوت الشواكيش والمفاتيح وهي بتفك السباكة والنجف كان نازل على دماغ مصطفى وأمه زي المطارق. الشقة في ظرف ساعة واحدة اتحولت لخرابة حقيقية.. مفيش حتى ماية في الحنفيات بعد ما الخلاطات اتخلعت، واللمبات السلك نزلت، وبقت الشقة عبارة عن حوائط عريانة ومواسير مفتوحة بتنقط!

مصطفى قعد في ركن الصالة الفاضية وبدأ يعيط بدموع قهر حقيقية، وبص لبابا وقال:

“يا عمي.. أنا شارري بنتك، والله العظيم بحبها، وأمي غلطت وأنا انقدت وراها.. بلاش تخـ,ـربوا بيتي بالشكل ده، أنا مستعد لأي شرط!”

بابا بص له ببرود وقال:

“البيت اتخرب يوم ما سمحت لأمك تمد إيدها على حاجة بنتي وتصحيها خمسة الفجر تشغلها خادمة! إحنا جوزنا لك ست البنات عشان تصونها، مش عشان تكسرها!”

### القرار الحاسم

التفتت لمصطفى وأمه، وطلعت مفاتيح الشقة من جيب عبايتي ورميتها على البلاط جمب رجله:

“أهو.. دي المفاجأة اللي زلزلت الأرض تحتكم يا مصطفى. الشقة فضيت تماماً بالملي، وبقت على المحارة زي ما بيقولوا. قدامك بالظبط أسبوع واحد.. الـ 50 ألف جنيه بتوع الغسالة يوصلوا لبيت أبويا، وعفشي يرجع يتفرش كرامته من كرامتي، وأمك الغالية دي ترجع شقتها معززة مكرمة ومشوفش وشها هنا غير زيارة بالود.. وإلا.. قسماً بالله ورقة طلاقي هتوصلني ومعاها حكم حبسك إنت وأمك بتهمة التبديد!”

حماتي كانت قاعدة في الأرض، بتبص للمواسير اللي بتنقط وللشقة الضلمة اللي مبقاش فيها حتى حنفية ينزل منها بوق ماية يبل ريقها، وحست لأول مرة إن جيل “الدلع” ده لما بيقرر يقلب وشه، مبيرحمش!

بابا مسك إيدي وقال لي: “يلا يا بنتي.. سيبيهم يوفروا براحتهم في الضلمة.”

مشيت وسبت ورايا مصطفى وهو باصص لأمه بنظرة غل وندم قـ,ـاتل، وحماتي بتلـ,ـطم في صمت.. لكن الحكاية لسه مقفلتش، لأن الأسبوع ده كان هيحسم كل حاجة في اللحظات الأخيرة…

## الجزء السابع والأخير: نهاية درس التدبير

مرّ الأسبوع على مصطفى وأمه وكأنه مية سنة. سبع أيام عاشوها في الشقة العـ,ـريانة اللي مفيهاش حنفية تخرج ماية، ولا لمبة تنوّر ضلمة، ولا سرير يسند ضهرهم المكسور من برد البلاط.

خلال الأسبوع ده، التلفون مفسلش رن من مصطفى، رسايل اعتذار واستعطاف، وبكاء وندم.. بس أنا كنت واخدة قرار: “الناس دي لو ما اتكسرتش عينها تماماً، عمري ما هعيش معاهم مستورة.”

### ليلة الانصياع التام

في اليوم السابع بالدقيقة، الباب بتاع بيت بابا خبط. فتحت الباب لقيت مصطفى واقف، وشه خسس النص، وعينيه دبلانة، وتحت عينه هالات سودا من قلة النوم والقهر.

بص لبابا وبص لي، وطلع من جيبه ظرف منفوخ وحطه على الترابيزة بكل انكسار:

> “دول الـ 50 ألف جنيه كاش يا عمي.. تمن الغسالة الـ LG المستوردة اللي أمي باعتها. أنا استلفتهم وبعت دهب من بتاع أمي عشان أجمعهم في أسبوع.. المهم مراتي ترجع لي وبيتي يتصلح.”

>

بابا مسك الفلوس وعدّها بالراحة، وبص له وقال:

“تمام.. ده حق الغسالة اللي اتمدت الإيد عليها. والشرط التاني يا مصطفى؟”

مصطفى نزل راسه الأرض وصوته اتهز:

“أمي سافرت البلد النهاردة الصبح يا عمي.. رجعت شقتها القديمة، وأنا اللي وصلتها بنفسي وركبتها القطر، وهي حلف ميت يمين إنها مش عتبة الشقة تاني ولا هتدخل في حياتنا.. أنا عرفت إن اللي عملته كان هيدخلني السجن ويخرب بيتي، وأنا شاري نيرمين ومش عايز غيرها.”

### العودة بشروط الملكة

أنا مبقتش فرحانة في قهرته، بس كنت حاسة بفخر إني عرفت آخد حقي وحق أبويا اللي اتدفع في جهازي. بصيت له وقلت له بنبرة حازمة:

“أنا هيرجع معايا العفش يا مصطفى.. بس الإقرار والعهد اللي أنت مضيت عليه وبصمت عليه قدام المحضر، هيفضل في خزانة بابا.. غلطة واحدة منك بعد كده، أو مكالمة تليفون من أمك فيها كلمة تقلل مني، الورقة دي هتنزل النيابة فوراً.”

مصطفى هز راسه بسرعة وكأنه تلميذ في المدرسة:

“موافق.. موافق على كل شروطك يا نيرمين، بس ارجعي معايا ومتسبنيش في الخرابة دي لوحدي.”

### الدرس الأخير

تاني يوم، عربيات النقل رجعت تاني تحت العمارة، بس المرة دي الجيران كانوا واقفين يتفرجوا على العمال وهم بيرجعوا العفش حتة حتة، والسباك بيركب الخلاطات والسخان من تاني.

دخلت شقتي والعمال بيرصوا الحاجه، ومصطفى واقف بيساعدهم بكل أدب وذوق، وبيسألني عن مكان كل حتة وسجادة كأني ملكة البيت.

وفي نفس اليوم بالليل، وصلت عربية تانية تابعة للشركة، ونزل منها اتنين فنيين شايلين كرتونة كبيرة.. الغسالة الجديدة المستوردة، بلزقتها وضمانها!

وقف مصطفى جمبي وهي بتركب، وبص لي بابتسامة صفرا وقال:

“أهي الغسالة جت يا ستي.. مبروك عليكي.”

بصيت له وابتسمت بثقة وقلت له:

> “الله يبارك فيك يا حبيبي.. عشان بس أمك الغالية تفتكر وتعرف إن جيلنا مش دلوع.. جيلنا لما بيحب بيصون، ولما بيتهان.. بيعرف يزلزل الأرض ويهـ,ـد البيوت فوق راس اللي بيفكر يظلمه!”

>

ومن يومها.. مصطفى بقى بيعمل لي ألف حساب، وحماتي مبقتش تتصل غير عشان تسأل عن صحتي بكل أدب.. ودي كانت نهاية “درس التدبير المنزلي” اللي اتعلموه هما مش أنا!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *