والبادئ أظلم ج الاخير الكاتبة نرمين عادل همام
الأحداث بعد اليوم ده جريت بسرعة البرق، أسرع بكتير من طلقة الرصاص. طارق ما كذبش خبر ووقع لشوشته، لقى في نورا كل الحاجات اللي كان محروم منها ومشتاق ليها؛ لقى الدلع، والهدوء، والأنوثة الطاغية، والراحة اللي دايماً مفتقدهم مع ريهام اللي كانت عايشة معاه في البيت بدور “الأسد القاسي” والمتحكم في كل صغيرة وكبيرة. وفي خلال شهرين بس من المقابلات والكلام، كان المأذون قاعد وكاتب الكتاب في السر من غير ما حد يعرف، وأنا طبعاً، من ورا الستار، كنت الشاهدة الأولى، والمهندسة، والمدبرة والمخططة لكل خطوة في الجوازة دي.
بس القنبلة الحقيقية والضربة القاضية مكنتش مجرد الجواز في السر.. القنبلة اللي مكانتش على البال إن نورا ربنا كرمها وطلعت حامل من أول شهر جواز! طارق لما عرف الخبر ده، كان هيطير في السماء من كتر الفرحة والإنبساط، رجعت له روحه وكأنه أول مرة في حياته كلها هيخلف ويبقى أب، وكأن ولاد ريهام التلاتة اللي مقضيينها دوشة وقرف ملهومش أي وجود في حياته. وهنا بقا.. جه وقت الحساب المظبوط.. “يوم الجمعة العظيم” اللي خططت له.
جمعت الكل عندي في البيت وكأنها عزومة عادية صلة رحم: عصام جوزي اللي لسه عايش في الوهم وفاكرني هبلة ونايمة على وداني ومش دارية بجوازته، وريهام، وطارق، وحماتي. كنت مجهزة السفرة بأفخم وأقوى أصناف الأكل اللي تشرف، ووشي كان منور بابتسامة نصر وثقة، مدارية وراها بركان شغال غليان ومستني لحظة الانفجار. وإحنا قاعدين بعد الأكل بنحلي وبنشرب الشاي في هدوء، مسكت المعلقة الصغيرة وخبطت بيها على كباية الشاي عشان الكل ينتبه لي، وبصيت في عيونهم واحد واحد، وقولت بصوت عالي، هادي، وثابت ومفيش فيه أي رعشة:
— “يا جماعة.. اسمعوني لو سمحتوا، أنا عايزة أقول كلمتين مهمين أوي، ومحشورين في زوري بقالهم فترة ولازم يطلعوا النهاردة.”
الكل انتبه في اللحظة دي، والسكوت المفاجئ ساد الصالة كلها، حتى نفس العيال الصغيرين كتموه وكأنهم حاسين باللي هيحصل. بصيت لعصام جوزي اللي كان قاعد واثق من نفسه، ووجهت له نظرة قوية وصافية، ورسمت على وشي ابتسامة هادية جداً وقولتله:
— “مبروك يا عصام.. مبروك على جوازك الجديد يا حبيبي، مبروك العروسة الصغيرة اللي نقيتها. ويا رب تكون عجباك ومسطّح مععاها ومبسوط، وتجيبلك بقا الولد والذرية اللي كنت دايماً بتذلني وتكسر بخاطري بسببها إنت وأهلك.”
عصام في ثانية واحدة وشه جاب ألوان الطيف كلها، اتقلب من الأبيض للأحمر للاصفر، والصدمة شلته، والشوكة وقعت من إيده ورنت على السفرة برنة عالية. حماتي وريهام بصوا لبعض برعب وذهول، وعينيهم كانت هتطلع من مكانها. ريهام، بجبروتها المعتاد والشر اللي في عينها، حاولت بسرعة “تلم الدور” وتداري الخيبة، وبصت لي وبكل بجاحة وقالت:
— “أيوه يا ليلى، وماله؟ الشرع حلل له أربعة ومحللش حاجة عيب، وإحنا بصراحة خبينا عليكي عشان خايفين على مشاعرك الرهيفة وحاستك الحساسة، وكويس والله إنك عرفتي من نفسك وعقلتي واستوعبتي الأمر من غير شوشرة.”
أنا أول ما سمعت كلامها، ضحكت بصوت عالي جداً، ضحكة رنت وهزت حيطان المكان كله، وبصيت لها وقولتلها بمنتهى التحدي:
— “أنا عاقلة جداً يا ريهام وفوق ما تتخيلي، وعشان أنا قلبي أبيض وكبير ومبحبش أشيل من حد، زي ما باركت لأخوكي عصام وفرحتله من قلبي، لازم وضروري أباركلك أنتي كمان على فرحتك الكبيرة!” ريهام استغربت جداً ونبرة صوتها اتخطفت ولونها هرب وقالت بشك:
— “تباركيلي؟ تباركيلي على إيه مش فاهمة؟” لفيت عيني وبصيت لطارق جوزها اللي كان قاعد في الموقف ده عرقان ونقط العرق بتنزل من جبينه، وبيموت من الرعب والتوتر، شاورت عليه بصباعي وقولت بأعلى صوت:
— “أحب أبارك للأستاذ طارق جوزك المصون على جوازه بالسر من نورا بنت خالتي، ومش بس جواز كدة وكدة.. ده كمان نورا حامل في شهرين وفي بطنها حتة عيل منه. يعني طارق طلع أشطر، وعنده صحة أسرع من أخوكي عصام “السبع” بكتير أوي!” (بقلم نرمين عادل همام)
الصمت اللي حصل في الصالة بعد الجملة دي كان مرعب، سكوت غريب ومخيف زي سكوت ما قبل العاصفة والزلزال. ريهام صرخت فجأة بصوت هز العمارة، ووقفت من على الكرسي زي الممسوسة أو اللي لمسها سلك كهربا، وقالت وهي بتنهج بوجع وغيظ:
— “أنتي بتقولي إيه يا مجنونة أنتي؟ أنتي واعية للكلام ده؟ طارق جوزي أنا يعمل كدة ويتجوز عليا؟” طارق في اللحظة دي نكس رأسه في الأرض وبص في السجادة، ومقدرش ينطق ولا بحرف واحد ولا يرفع عينه في عينها، والسكوت ده كان أكبر وأقوى اعتراف منه بكل حاجة. ريهام أول ما شافته ساكت، هجمت عليه زي القطة الشرسة العميا، تلطم وتضرب فيه وتصوت، وحماتي من الصدمة والخراب اللي حل على بيوت ولادها،
جالها هبوط حاد في الدورة الدموية ووقعت من طولها على الكنبة، وعصام كان قاعد في مكانه مشلول تماماً، مذهول ومبرق عينه، مش عارف يلم مصيبته وفلوسه وجوازته اللي اتكشفت، ولا يلحق أخته اللي بتضرب جوزها، ولا يلحق أمه اللي غيبت عن الوعي.
في وسط المولد والهرجلة والقلبان ده كله، قمت بكل هدوء وبرود أعصاب، دخلت أوضتي، وجبت شنطة هدومي الكبيرة اللي كنت مجهزاها ومقفلّاها من أسبوع فات وشايلاها في الدولاب. خرجت ووقفت قدامهم كلهم وثباتي الانفعالي ده يدرس في كتب، وبصيت لعصام وقولتله:
— “أنا عرفت بجوازتك السودة دي يا عصام من ليلة الفرح والميكروباصات والتابلت.. وطول الفترة اللي فاتت دي، كنت بسحب كل مليم، قرش ومغسول، من حسابك البنكي المشترك اللي كنت مأمني عليه وكاتبه باسمنا، ونقلتهم كلهم بالمليم لحسابي الخاص بيا أنا. اعتبر الفلوس دي مؤخر صداق، وتعويض شرعي عن سنين خدمتي ومراري ليك ولأهلك “ببلاش” ومن غير تمن.”
عصام قام من مكانه زي المجنون، عروق رقبته نفرت وبقى يزعق ويصرخ بأعلى صوته:
— “فلوسي! شقى عمري وتحويشة السنين تضيع مني كدة!” بصيت له وأنا واقفة على عتبة باب الشقة والشنطة في إيدي وقولتله ببرود:
— “اللي يغدر ويخون الأمانة يستحمل نتيجة أفعاله. أنا رفعت عليك قض..ية خلع والمحامي بتاعي زمانه بيبعتلك الإعلان وهيرد عليك في المحاكم. والشقة دي بقا..
“هدية” مني لمراتك وعروستك الجديدة، خليها تيجي تنور وتعيش على عفشي القديم وتتهنى بيه.” خرجت وقبلت الباب ورايا، وكنت سامعة صريخ ريهام اللي واصل لآخر الشارع وهي بتضرب في طارق وتقطع هدومها، وذهول وصدمة عصام اللي انكسر وخسر مراته وفلوسه وتحويشة عمره في لحظة غدر واحدة طمع فيها.
ركبت التاكسي وأنا باصة للطريق، وحاسة إن روحي خفيفة زي الريشة، كأني كنت شايلة جبل من الهم والغم ونزل من على كتافي ورميته ورا ظهري. (بقلم نرمين عادل همام)
بعد سنة كاملة من اليوم ده.. الدنيا اتغيرت تماماً. أنا دلوقتي متجوزة راجل تاني خالص، راجل بجد بيعرف قيمتي، بيحترمني وبيشيلني من على الأرض شيل. والنهاردة تحديداً كنت عند دكتور النساء، وعملت السونار وعرفت إني حامل في توأم! في اللحظة دي، دمعت وعرفت إن العيب والسبب مكنش مني أنا أبداً طول السنين اللي فاتت،
كان من عصام.. ودي كانت آخر “ورقة توت” كنت ساترة بيها عليه وعلي رجولته قدام نفسه وأهله، ووقعت واتكشفت قدام الدنيا كلها. أما عن عصام، فمراته وعروسته الجديدة طلعت عينه،
ومكّرهاله عيشته وممشياه على العجين مايلخبطوش وواكلة ماله. وريهام اتطلقت طلقة بائنة من طارق بعد ما نورا بنت خالتي جابت له عيل جديد، والولد أكل الجو كله، ونورا بشطارتها أخدت منه كل أملاكه ومكتبه ومبقاش حيلته حاجة.
أنا أخدت حقي تالت ومتلت ومن غير ما ألف ولا أدور، وعرفت وتأكدت إن الدنيا دي دوارة، ويوم ليك ويوم عليك،
وإن اللي يكسر خاطر حد بريء لازم يجي عليه يوم وينكسر نفس الكسرة وألعن.. وأنا، كسرتهم كلهم وجمعت حقي، بابتسامة هادية وصافية.
(بقلم نرمين عادل همام)
تمت
