جحود اهلي حكايات علي ابو الدهب ج1

ليلي مين يا ابني اللي تتجوزها؟ أُمال مين اللي هيخدم علينا في البيت؟! خُد هبة أختها.. إنما ليلى دي للخدمة والتنضيف وبس!”

الكلمة نزلت على ليلى وهي واقفة بعيد زي الكرباج، نزلت راسها في الأرض ودموعها نزلت بسكوت، وياسين ملامحه اتغيرت تماماً وهو مش مصدق إن فيه ناس بالقسوة دي..

البداية (الحكاية من الأول):

قبل اللحظة دي بأيام، ليلى كانت واقفة على ناصية الشارع بفستانها البسيط وطرحتها، وعينيها بتدور في الزحمة على “ياسين”. كانت عارفة ميعاد روحه من الشغل كل يوم، واللحظة دي هي اللي بتصبرّها على عيشتها.

جنبها وقفت “هبة” بنت عمتها، لابسة ومتمكيجة وباصة لليلى بقرف مستخبي ورا ضحكة صفرا. هبة كانت عارفة ليلى بتحب مين، وبتحقد عليها لأنها شايفة نظرات ياسين لليلى من بعيد، رغم إنه مابيكلمش حد.

هبة قربت من ليلى وقالت بلؤم: “بصي يا ليلى، مش ده ياسين؟ شوفتي عربيته جاية من بعيد إزاي؟”

ليلى اتلفتت بلهفة، وفي اللحظة اللي مالت فيها عشان تتأكد، هبة استغلت الفرصة وزقتها بكل قوتها في نص الشارع، وصوتت كذب: “ليلى!! خلي بالك!!”

صوت فرامل العربية صرخ في المكان. ياسين داس فرامل بكل قوته، والعربية وقفت على بعد سنتيمترات من ليلى اللي وقعت من الخضة وأُغمى عليها.

نزل ياسين من العربية مش شايف قدامه، شالها بين إيديه وهو مرعوب عليها، وطلع بيها على المستشفى.

في المستشفى (فلاش باك):

وهو قاعد مستنيها تفوق، رجع بذاكرته لأيام الجامعة. افتكر لما كان بيشوف هبة وليلى مع بعض. هبة في الأول كانت هي اللي بتحاول تتقرب منه بكل الطرق وتتكلم معاه، وبتقدم نفسها على إنها البنت البسيطة والاجتماعية.

بس مع الوقت، ياسين عينه راحت لليلى.. البنت الهادية اللي بتساعد الكل من غير مقابل، وبتسكت لما هبة كانت بتقلل منها قدام الناس وتكسر خاطرها. من هنا ياسين حب ليلى بجد، حب قلبها وطبعها اللي مفيش منه.

العودة للواقع

ليلى فتحت عينيها في المستشفى لقت ياسين جنبها وقلقان بجد.

ياسين بصوت واطي: “انتي كويسة؟ أنا آسف.. كنت جاي عليكي ومش شايف من لاهفتي.”

ليلى كانت في ذهول ومش مصدقة إن ياسين هو اللي واقف معاها ومطمنها.

ياسين فضل معاها لحد ما خرجت، ومن كتر خوفه عليها، خاد قراره.. وراح بيتها عشان يطلبها رسمي.

دخل البيت، واستقبلته عمتها فوزية وجوزها فتحي بترحيب مبالغ فيه، وهبة قاعدة متشيكة وفاكرة إن ياسين جاي ليها عشان “يصلح غلطته” بعد الدــ,,ـــــادثة.

فوزية بدلع مصطنع: “يا أهلاً يا ابني، نورتنا. هبة كانت لسه بتتكلم عنك.”

ياسين اتنفس بعمق وبص لليلى الواقفة بعيد، وقال بوضوح: “أنا جاي النهاردة عشان أطلب إيد ليلى.”

وهنا.. الضحكة اختفت، وهبة وشها اصفرّ، وقامت فوزية وقالت جملتها الصادمة:

“ليلي مين يا ابني اللي تتجوزها؟ أُمال مين اللي هيخدم علينا في البيت؟! خُد هبة أختها.. إنما ليلى دي للخدمة والتنضيف وبس!”

البيت ساد فيه صمت مريب، والشر في عيون هبة وجوز عمتها كان بيزيد بعد كلمة ياسين.. #بقلم_علي_ابوالدهب

ساد الصمت أرجاء الصالة الضيقة، صمتٌ ثقيل لا تسمع فيه سوى أنفاس ليلى المكتومة ودقات قلبها التي كانت تُقرع كالجرس في أذنيها. الكلمات جرحت كرامتها جرحاً غائراً، ودموعها التي انهمرت في صمت كانت تلخص سنوات من القهر والظلــ,,ـــــم تحت سقف هذا البيت.

​لم يكن ياسين مجرد شاب غريب دخل حياتهم بالصدفة، بل كان طوق النجاة الذي حلمت به، والآن يُسحب منها أمام عينيها وبأبشع الطرق.

​مواجهة غير متوقعة

​تغيرت ملامح ياسين تماماً، تحولت نظرة القلق العابرة إلى غضب عارم لم يستطع كبته. نظر إلى فوزية التي كانت تقف واضعة يديها في خصرها بكبرياء زائف، ثم نقل نظره إلى فتحي (جوز عمتها) الذي كان يهز رأسه تأييداً لزوجته وكأن ليلى مجرد قطعة أثاث في المنزل لا يحق لها الاختيار.

​وقف ياسين بكل طوله، وتحدث بنبرة صوت حادة وجادة زلزلت أركان الغرفة:

​”خدمة وتنضيف وبس؟! انتوا بتتكلموا عن بني آدمة لحم ودم، ولا بتتكلموا عن جارية شاريينها؟! ليلى اللي انتوا شايفينها للخدمة دي، برقبة أي حد، وأنا مش جاي أطلب رأيكم في وظيفتها في البيت.. أنا جاي أطلب إيدها هي، ومش عايز منكم حاجة غير كلمتها هي وبس!”

​اشتعلت عينا هبة بالغل، وقامت من مكانها تصرخ بعدما فقدت السيطرة على أعصابها:

“كلمة مين يا ياسين؟! إنت أكيد اتعميت! ليلى الجربوعة دي اللي مش بتعرف تلبس ولا تتكلم هي اللي تعجبك؟ أنا اللي وقفت معاك في الجامعة، أنا اللي من مستواك! ليلى دي عايشة هنا بلقمتها، ومكانها المطبخ وبس!”

​في هذه اللحظة، تدخل فتحي بصوت غليظ محاولاً فرض سيطرته:

“جرى إيه يا جدع أنت؟ أنت هتعلمنا الأصول في بيتنا؟ البنت دي ملهاش خروج من هنا، والكل يشهد إننا اللي مربيينها بعد مــ,,ـــــوت أبوها. عايز تتجوز؟ هبة قدامك، مش عايز.. الباب يفوت جمل!”

​لحظة الحسم

​التفت ياسين نحو ليلى، وتجاهل تماماً صراخ هبة وتهديدات فتحي. خطى خطوات ثابتة نحوها حتى وقف أمامها مباشرة. رفع يده بلطف ومسح دمعة سقطت على وجنتها، وقال بنبرة مليئة بالحنان والدفء:

“ليلى.. بصي في عيني. أنا مش هسيبك هنا ثانية واحدة تانية. قوليلي إنك موافقة تبقي معايا، وأنا هجيب الدنيا كلها تحت رجليكي. متخافيش من حد، أنا ضهرك وسندك من اللحظة دي.”

​رفعت ليلى عينيها الدامعتين، ونظرت في عيني ياسين الصادقتين. رأت فيهما الأمان الذي حُرمت منه لسنوات. لم تعد تلك الفتاة الضعيفة المستسلمة، فالقهر الذي عاشته اليوم فجر في داخلها بركانًا من الكرامة.

​نظرت ليلى إلى عمتها فوزية ثم إلى هبة وقالت بصوت مرتعش لكنه قوي:

“أنا موافقة يا ياسين.. موافقة أمشي معاك ومأرجعش هنا تاني.”

​الغدر المستمر

​جن جنون فوزية، وصرخت في زوجها: “أنت واقف تتفرج؟! متمشيش من هنا! دي لو مشيت مين هيغسل ويمسح ويوكلنا؟! ارفع يدك عليها يا فتحي!”

​حاول فتحي الاندفاع نحو ليلى ليمسكها من ذراعها، لكن ياسين كان أسرع. وقف حائلاً بينه وبينها، وقبــ,,ـــــض على يد فتحي بقوة جعلت الأخير يتراجع متأوّهاً من الألم.

ياسين بنبرة تحذيرية قاتلة: “لو فكرت بس ترفع عينك فيها، مش هيرحمك مني غير القانون، وأنا مش هسكت على الحقير اللي يمد إيده على واحدة ست. يلا يا ليلى.”

​أمسك ياسين بيد ليلى وخرجا من الشقة وسط صراخ هبة التي بدأت تكسر محتويات الصالة من شدة الغيظ، وشتائم فوزية التي تلاحقهما.

​إلى بر الأمان.. وبداية المؤامرة

​ركبت ليلى السيارة بجانب ياسين، وكانت ترتجف كعصفور بلله المطر. قاد ياسين السيارة بهدوء، واتجه بها مباشرة إلى منزل والدته، السيدة “أمينة”، وهي امرأة طيبة القلب وتعرف ليلى من كلام ابنها عنها.

​استقبلتها السيدة أمينة بالأحضان والدموع بعد أن حكى لها ياسين ما حدث في المستشفى والبيت، وقالت ل ليلى:

“يا بنتي أنتِ من النهاردة بنتي اللي مخفتهاش. نورتي بيتك ومكانك فوق راسي.”

​في تلك الأثناء، في بيت العمة فوزية، كانت الأجواء مشحونة بالشر. هبة كانت تبكي بحــ,,ـــــرقة مستندة إلى الطاولة، وعيناها تشعان حقدًا وأفكاراً خبيثة.

​هبة وهي تجز على أسنانها: “والله ما هسيبها تتهنى بيه.. ياسين ده بتاعي أنا، ليلى لازم ترجع ذليلة هنا، والكسرة اللي في عيني دي هردها ليها أضعاف!”

فتحي وهو يدخن بشراهة: “وهنعمل إيه؟ الواد ده باين عليه غني وواصل، ومش هنقدر نأخدها منه بالقوة.”

فوزية بخبث ومكر: “بالقوة لاء.. بس بالسمعة والمكيدة نقدر. ليلى خرجت مع راغب غريب من ورا الشارع، والناس لازم تعرف إنها هربت معاه.. وإحنا لازم نلوث شرفها قدام ياسين وأهله لحد ما يرميها في الشارع ويسيبها!”

​بدأت هبة وفوزية في حياكة مؤامرة دنيئة لتدمير ليلى، مستغلين بعض المعارف في المنطقة لنشر شائعات تمس شرف ليلى لإجبار ياسين على التخلي عنها..

​فهل سينجح شرهم في تفريق القلوب الصادقة، أم أن حب ياسين سيكون الدرع الحامي لليلى؟

مرت عدة أيام، وليلى تعيش في بيت السيدة “أمينة” وكأنها في حلم جميل تخشى الاستيقاظ منه. لأول مرة منذ سنوات، تنام دون أن يوقظها صراخ عمتها، وتأكل دون أن تشعر أنها عبء على أحد. السيدة أمينة أحاطتها بحنان أمومي صادق، وياسين كان لا يمر يوم دون أن يطمئن عليها، محاولاً بكل الطرق أن يمحو من ذاكرتها تلك الكلمات القاسية.

ولكن، خلف هذا الهدوء، كانت عواصف الغدر تطبخ على نــ,,ـــــار هادئة في حارة فوزية وفتحي.سلاح الشائعات.. السم يسري في الحارة

لم تكن هبة لتستسلم بسهولة، فالحقد أعمى بصيرتها. اتفقت مع والدتها فوزية على خطة خبيثة؛ بدأت فوزية بالخروج إلى نساء الحارة والجلوس على العتبات، متباكية وممسكة بمنديلها:

> “يا خرابي يا أم محمد.. شوفتي البنت اللي ربيتها وكبرتها؟ خطفت واد غني بفلوسه وعربيتها، وهربت معاه في نص الليل! فضحتنا وفضحت اسم أبوها الله يرحمه.. وإحنا اللي كنا فاكرينها غلبانة وبتاعة ربنا!”

>

وفي نفس الوقت، كانت هبة تستغل هاتفها. قامت بالاتصال ببعض زملائها القدامى في الجامعة الذين يعرفون ياسين، وبدأت بنشر كلام مسموم: “ياسين اتضحك عليه.. ليلى كانت مقضياها وجرته للمستشفى عشان تخليه يتجوزها غصب عنه بعد ما هربت من أهلها.”

خلال يومين فقط، تحولت ليلى في نظر أهل الحارة من “البنت اليتيمة الغلبانة” إلى “الفتاة الهاربة التي جلبت العار لأهلها”. ولم يكتفِ فتحي بذلك، بل ذهب إلى قسم الشرطة بتحريض من زوجته، وحرر محضراً كاذباً يتهم فيه ياسين بـ “اختطاف قاصر” (رغم أن ليلى كانت قد تجاوزت السن القانوني، لكن الهدف كان الضغط والتشهير).

## المواجهة في العمل

في صباح اليوم الثالث، ذهب ياسين إلى شركته الطبية التي يمتلكها مع والده. بمجرد دخوله، شعر بنظرات غريبة من الموظفين، وهمسات تلاحقه في الممرات. دخل مكتبه ليلحق به صديقه المقرب ومحامي الشركة “شريف”.

شريف بقلق: “ياسين.. إنت إيه اللي عملته ده؟ فيه محضر اتقدم ضدك من كام ساعة، وجالي تليفون من معارفنا في القسم.”

ياسين بعقد حاجبيه: “محضر إيه يا شريف؟ ومين اللي مقدمه؟”

شريف: “واحد اسمه فتحي.. بيتهمك إنك خطفت بنت أخ مراته من البيت بالقوة. والكلام بدأ يتسرب، وفيه إشاعات غريبة بتتقال عن البنت وعنك في كذا مكان.”

ضــ,,ـــــرب ياسين مكتبه بقبــ,,ـــــضة يده غاضباً: “خطفت مين؟! دول كانوا هيشغلوها جارية! البنت برضاها وموجودة عند والدتي. الناس دي معندهاش دين ولا ضمير.. عايزين يدمروا سمعتها لمجرد إنها رفضت تعيش ذليلة!”

شريف مهدئاً إياه: “أنا عارفك وعارف أخلاقك يا صاحبي، بس القانون مبيخدش بالنيات. والموضوع لو كبر هيأثر على اسم العيلة والشغل. إحنا لازم نتــ,,ـــــحرك بسرعة ونقلب الطاولة عليهم.”

## صدمة ليلى

في مساء نفس اليوم، كانت ليلى تجلس مع السيدة أمينة تتابع التلفاز، حين رن جرس الباب. فتحت الخادمة لتدخل “أم أحمد”، جارة قديمة لعائلة ياسين وتعرف عمتها فوزية أيضاً.

دخلت أم أحمد وعيناها تتفحصان ليلى بنظرات لائمة وقحة. لم تتحمل السيدة أمينة طريقتها فقالت بحسم: “أهلاً يا أم أحمد.. خير في حاجة؟”

أم أحمد بلوى فمها: “خير يا أمينة يا ختي.. أنا جيت بس أقولك لوجه الله، لمي ابنك وابعديه عن البنت دي. الحارة كلها بتتكلم عن عمايلها، وعمتها فوزية قالبة الدنيا وبتقول إنها هربت معاكوا وشرفهم في الأرض. يا خسارة تربيتك في ياسين يا أمينة!”

نزلت الكلمات على ليلى كالصاعقة. شعرت فجأة بضيق في التنفس، والدموع تجمدت في عينيها. وقفت منتفضة وقالت بصوت مخنوق: “والله كدب.. والله أنا عمري ما عملت حاجة غلط! هما اللي ظلــ,,ـــــموني..”

أمسكتها السيدة أمينة وقامت بطرد الجارة فوراً: “اطلعي برة بيتي يا أم أحمد، وإياكِ رجلك تعتب هنا تاني! ليلى دي ضفرها برقبة ميت واحدة من عينتكم.”

لكن القذيفة كانت قد أصابت قلب ليلى. ركضت إلى غرفتها وأغلقت الباب، وجلست خلفه تبكي بحــ,,ـــــرقة. شعرت أن وجودها في حياة ياسين سيجلب له ولامه الفضيحة والدمار، وأن ذنبها الوحيد أنها أرادت أن تعيش كبشر.

## خطة هبة الخبيثة.. المقابلة السرية

لم تكتفِ هبة بالشائعات، بل قررت أن تلعب اللعبة بنفسها لتواجه ليلى وتجبرها على الانتــ,,ـــــحار معنوياً. استغلت وقت خروج ياسين ووالدته لإنهاء بعض الأوراق القانونية مع شريف المحامي.

علمت هبة بطريقتها أن ليلى بمفردها في المنزل مع الخادمة. ذهبت إلى الشقة الفاخرة، وضغطت على الجرس. عندما فتحت الخادمة، دفعتها هبة ودخلت كالعاصفة تصرخ: “ليلى!! اطلعي يا خطافة الرجالة!”

خرجت ليلى من غرفتها مصدومة، ووجهها شاحب من قلة النوم والبكاء.

نظرت إليها هبة بتشفي وضحكة صفراء:

> “شايفة نفسك قاعدة في العز إزاي؟ فاكرة نفسك بقيتي هانم؟ فوقي يا ليلى.. إنتي حتة خدامة! ياسين اللي فرحانة بيه ده، أبوه كلم بابايا النهاردة الصبح ومتبهدل في الشغل بسببك. شرفك بقى على كل لسان في المنطقة، والبوليس بيدور على ياسين بتهمة خطفك. لو بتحبيه بجد ومصلحته تهمك.. سيبيه واختفي. طول ما إنتي جنبه هتفضلي سحابة سودا بتدمر حياته ومستقبله.”

رمت هبة كلمات المسمومة وتركتها وخرجت، تاركةً ليلى في حالة من الانهيار التام. كلماتها لامست نقطة ضعف ليلى: خوفها على ياسين

عاد ياسين ووالدته ليلاً، والابتسامة على وجه ياسين؛ فقد استطاع شريف المحامي إثبات كذب المحضر، بل وجهزوا قضية “بلاغ كاذب وسب وقذف” ضد فتحي وفوزية.

طرق ياسين باب غرفة ليلى بخفة: “ليلى.. افتحي يا ليلى، عندي ليكي خبر حلو.. خلاص أخدنا حقنا بالقانون.”

لكن لم يأته أي رد.

شعر ياسين بالقلق، ونادى والدته. فتحوا الباب ببطء ل يجدوا الغرفة مظلــ,,ـــــمة وباردة.. نافذة الشرفة مفتوحة، والسر,,ـــــير مرتب بعناية. وعلى الطاولة الصغيرة، كانت هناك ورقة مطوية مكتوبة بخط يد ليلى المرتجف، والدموع قد طمست بعض الحروف:

> “ياسين.. أنا بحبك، وعشان بحبك مش هكون السبب في فضيحتك ولا تدمير مستقبلك. أنا مشيت، ومحدش هيدور عليا تاني. سامحني.. أنت أنظف حاجة حصلت في حياتي، بس الدنيا مش عايزانا نكون مع بعض.”

سقطت الورقة من يد ياسين، وتغيرت ملامحه إلى الرعب والذهول. صرخ بصوت هز جدران البيت: “ليييييلى!!!”

لم يتردد ياسين لثانية واحدة؛ التقط مفاتيح سيارته وعيناه تشتعلان غضباً وخوفاً في آن واحد. ركض في الممرات ووالدته السيدة أمينة تلاحقه بدموعها وتدعو له: “يا رب ارجع بيها بالسلامة يا ابني، البنت غلبانة وملهاش حد”.

كانت الساعة قد تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل، والشوارع شبه خالية من المارة. في البداية، قاد ياسين سيارته بجنون نحو الحارة القديمة، فربما عادت إلى هناك أو ربما يختبئ خلف أسوار بيت عمتها سر جديد.

## مواجهة منتصف الليل زلزال في بيت فوزية

وصل ياسين إلى الحارة، ونزل من سيارته وأغلق الباب بقوة أحدثت صوتاً رن في أرجاء الشارع الساكن. صعد السلالم بخطوات متسارعة، وصار يطرق باب شقة فوزية بكل قوته وكأنه سيهدمه.

فتح فتحي الباب وهو يفرك عينيه بنعاس، وتراجعت فوزية للخلف بخوف عندما رأت ملامح ياسين المرعبة. من خلفهما ظهرت هبة بملابس البيت وهي ترتجف.

ياسين بنبرة صوت كالرعد:

> “ليلى فين؟! لو عرفت إنكم لمستوا شعرة واحدة منها، أو إنكم ليكوا يد في اختفائها النهاردة، أنا مش هرحم حد فيكم.. السجــ,,ـــــن هيكون أرحم حاجة هتحصلكم!”

>

فوزية بتلعثم وخوف مصطنع: “ليلى؟ وإحنا مالنا ومالها يا ابني؟ مش مشيت معاك وخطفتها مننا؟!”

ياسين خطى خطوة نحو الداخل والتفت إلى هبة التي كانت تحاول التهرب بعينيها، فصرخ فيها: “انتي! انتي جيتي بيتي النهاردة صح؟! الخدامة شافت واحدة بمواصفاتك! قلتي ل ليلى إيه عشان تمشي وتطفش؟! انطقي!!”

انهمرت دموع هبة من الخوف واعترفت دون وعي: “أنا مأملتلهاش حاجة! أنا روحت أقولها الحقيقة.. إنها متبهدلكش معاها، وإنها واحدة ملهاش أصل وشرفها بقى في الأرض بسبب كلام الناس!”

أدرك ياسين كل شيء في تلك اللحظة؛ المؤامرة، الكلام المسموم، والكسرة التي شعرت بها ليلى. نظر إليهم باحتقار وقال بصوت منخفض ومخيف:

“ليلى ضفرها برقبتكم كلكم. والمحضر اللي عملتوه اتقلب ضدكم قضية بلاغ كاذب وتشهير، والمحامي بتاعي مش هيسيبكم. أما ليلى.. لو جرالها حاجة، حسابي معاكم مش هيكون بالقانون.. حسابي هيكون شديد اوي.”

تركهم ياسين يرتجفون رعباً ونزل مسرعاً إلى سيارته، وبدأ عقله يحلل: إلى أين يمكن لفتاة مكسورة، وحيدة، ولا تملك مالاً أو مأوى في هذا الوقت من الليل أن تذهب؟…..يتبع

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *