ج الاخير جوزي متغرب

حكايات اماني سيد

الأيام اللي تلت مكالمة المحامي كانت الأصعب في حياتي، لكنها كمان كانت “مدرسة” الصبر. كنت بشوف راضي وسارة بيخططوا، بيفتحوا ملفات، بيخلصوا توقيعات، وهما فاكرين إن “الضحية” نايمة على ودنها.

بدأت اللعبة بذكاء: كنت بوقع على أي ورق يخص المشروع من غير ما أبص، كنت ببتسم لراضي وأنا شايفة الغدر في عينه، وبمثل دور الزوجة “الساذجة” اللي بتنفذ الأوامر. راضي كان بيستغل ده، بيخليني أمضي على عقود، توكيلات، وأوراق تنازلات، وكلها كانت بتعدي على مكتبي، بس المحامي بتاعي كان بيستبدل “النسخ” الأصلية قبل ما تترفع، أو بيضيف بنود قانونية في التوكيلات اللي هو فاكرها لصالحه، بتخلي “الكلمة الأخيرة” ليا أنا.

في يوم، راضي قالي بوش كله خبث: “يا أماني، أنا محتاجك تمضي على الورق ده، عشان أخلص إجراءات المصنع الجديد، دي مجرد إجراءات روتينية، وبعدها هرتاح وهنعيش مرتاحين.”

مسكت القلم، وبكل برود أعصاب مضيت. كنت عارفة إن الورق ده هو اللي هيوقعه في الآخر.

مرت الشهور، المشروع كبر، والمصنع اشتغل، وسارة كانت بتتصرف كأنها “المديرة” في الموقع، بتهين الموظفين وبتمضي أوامر، وراضي كان بيزود في غطرسته، فاكر إن كل شيء بقى جاهز عشان “السيناريو الكبير”.

يوم “الخطة”، صحيت الصبح لقيت راضي وسارة في الصالة، باصين لبعض بنظرات ذات معنى. راضي بصلي وقال بصوت جاف:

“أماني، أنا كنت عايز أقولك… إحنا لازم ننفصل. أنا مابقتش حاسس بأي مشاعر تجاهك، وده أحسن لينا كلنا.”

سارة كانت واقفة وراه، حاطة إيدها على كتفه بدلال مقزز، ومبتسمة ابتسامة نصر.

مد إيده وطلع ورقة من جيبه: “دي ورقة طلاقك، وكل حقوقك المادية هتجيلك، بس البيت ده والمشروع… دول ملكي أنا.”

سكت.. ما نزلتش دمعة واحدة. بالعكس، ابتسمت، ضحكت ضحكة هادية خلت سارة تكش من نظرتي.

قمت وقفت، رتبت هدومي، ودخلت الأوضة. راضي وسارة بصوا لبعض باستغراب، فاكرين إني هنهار أو هصرخ.

طلعت بعد دقايق، ومعايا “ملف”.

رميت الملف على التربيزة قدامهم.

راضي اتوتر: “إيه ده؟”

بصيتله بثبات وقوة: “ده اللي بيعرفك مين اللي طالق مين، ومين اللي صاحب البيت.”

فتحت الملف، وطلعت منه “حكم محكمة” و”عقود الملكية” اللي اتسجلت باسمي أنا في الشهر العقاري من شهرين، وبند في التوكيل اللي هو مضا عليه بذكاء المحامي بتاعي، بيحول كل أصول المشروع وأرباحه ليا بالمستندات اللي المحامي صورهم وهما فاكرين نفسهم في أمان.

راضي فتح عينيه على وسعها، وبدأ يقرأ الورق وإيده بتترعش.

سارة صرخت: “يعني إيه؟ ده شغلنا!”

بصيت لسارة ببرود: “لا يا حلوة… ده شغلي أنا. إنتي وراضي كنتوا ضيوف تقال، والضيف اللي بيحاول يسرق صاحب البيت، بيترمي في الشارع.”

راضي حاول يصرخ، بس قاطعته بصوت جهوري:

“اسكت! إنت عارف كويس إن القانون في صف مين دلوقتي. كل قرش، كل مكنة، حتى الحيطة اللي إنت واقف عليها دي.. بتاعتي. ومعايا أمر طرد ليك وليها من البيت ده خلال ساعة، وإلا البوليس هو اللي هيخرجكم.”

سارة بصت لراضي بنظرة كره وندم، وبدأت تلم حاجتها بجنون. راضي كان واقف مذهول، ملامح الرجولة اللي كان بيتمصلح بيها قدامها وقعت، وبان على حقيقته.. راجل مكسور، خايف، ومفضوح.

وقفت عند الباب، وبكل كبرياء قلت:

“أربع سنين كنتوا بتبنوا في وهم… ونسيتوا إن اللي بيبني بجد.. هو اللي بيملك.”

قفلت الباب وراهم، وسمعت صوتهم وهما بيتشاكلوا في الممر، بس مكنش يهمني. للمرة الأولى من سنين… البيت بقى بيتي بجد، وهدوء المكان كان أحلى موسيقى سمعتها في حياتي.

سكت البيت تماماً بعد ما قفلت الباب، بس السكون ده ما طالش كتير. دقايق وسمعت خبط جنوني على الباب، وصوت خالات راضي وأهله اللي كانوا جايين معاه في أول يوم، وصوتهم عالي في الممر.

فتحت الباب ببرود، لقيتهم كلهم واقفين: خالاته، وعمامه، وسارة واقفة وراهم بتعيط، وراضي واقف وشه في الأرض من الذل.

كبيرة العيلة، خالة راضي، دخلت وبدأت تصرخ: “إيه اللي بتعمليه ده يا أماني؟ راضي جوزك، وبنت خالته دي مراته، إيه الورق ده اللي بتلوحي بيه؟ ده بيته وشقاه!”

بصيت للخالة بهدوء، ورجعت بصيت لراضي اللي كان متجنب يبص في عيني: “بيته وشقاه؟ طيب اسأليه هو، الشقى ده كان باسم مين؟ والفلوس اللي كان بيبعتها، أنا كنت بحولها لإيه؟”

النقاش احتدم، الكل بيصرخ وبيحاولوا يضغطوا عليا. راضي رفع عينه بضعف وقال: “أماني.. كفاية فضايح، أنا غلطت، بس ما توصليش لأنك تطرديني أنا وأهلي في الشارع، أنا مشيت سنين عشان أعمل ده.”

في اللحظة دي، شفت نظراتهم كلهم.. الشفقة، الغضب، والطمع. بس وسط كل ده، شفت “راضي” اللي عرفته زمان، الشخص اللي كان بيبعت فلوسه وكان فاكر إنه بيأمن مستقبله. اه هو غدر، وهو استغل، وهو خان، بس الفكرة اللي زرعتها في دماغي طول السنين اللي فاتت -إن ده حقي- بدأت تتصارع مع الحقيقة اللي بتقول إن جزء من “عرق الغربة” ده كان بجد.

سكتت لحظة، ونزلت الملف من إيدي. قلت بصوت هادي خلى الكل يسكت:

“أنا مش هطرد حد، ومش هكون ظالمة زيك يا راضي.”

الكل اتفاجئ، وراضي بصلي ببارقة أمل.

كملت: “المشروع والبيت ده باسمي قانوناً، وده حقي اللي تعبت فيه ومحدش يقدر ينازعني فيه. بس عشان أنا ست أصل، وعشان ولادي ما يشوفوش أبوهم متشرد في الشارع، أنا هصفي كل الحسابات.”

بصيت لراضي: “أنا هحسب كل جنيه دخل من الغربة، وهحسب قصاده كل جنيه أنا تعبت فيه وخلصته في الإجراءات والمصالح.. وهديك جزء من الفلوس اللي كانت حصيلة غربتك، مبلغ يفتحلك مشروع صغير تبدأ بيه حياتك من جديد مع “سارة” اللي اخترتها.”

سارة بصتلي بذهول، وراضي عيونه لمعت بدموع الندم -أو يمكن الانكسار-.

“بس بشرط..” كملت بصرامة: “ورقة الطلاق تتنفذ فوراً، وتخرجوا من البيت ده، وتنهي أي علاقة بالمشروع ده. المبلغ ده هيكون آخر عهدي بيك، ولا ليكم عندي ولا ليكم عندي أي مطالبة تانية.”

خالة راضي حاولت تتكلم، بس راضي سبقها وبصلي بإنكسار وقال: “أنا موافق يا أماني.. أنا اللي ضيعت كل حاجة.”

في اليوم التاني، المحامي خلص الإجراءات. كان يوم غريب، يوم هدوء بعد عاصفة. شفت راضي وهو بياخد الشنط بتاعته ويخرج من الباب اللي أنا فرشته قطعة قطعة. سارة خرجت وراه وهي ساكتة، ما بقاش فيه دلع ولا تمختر.

وقفت في نص الصالة بعد ما مشيوا، والبيت كان فاضي وهادي. بصيت للحيطان، وللستائر، وللبيت اللي كنت فاكرة إنه هيكون “جنتي”، لقيتني لأول مرة بحس إني حرة فعلاً.

مرت سنتين، وكأن الزمن كان بيكتب “العدل” بإيد القدر.

في مكتبي الجديد، اللي اتفرش بذوقي الخاص وبمجهودي اللي اتضاعف، كنت واقفة بتابع التقارير. المشروع اللي بدأته من العدم، وبنيته على أنقاض خيانة راضي، بقى اسم كبير في السوق. مش بس نجحت، ده أنا بقيت “اسم” بيحترموه في المجلات اللي كنت بحلم أكتب فيها، زي “سيدتي” و”زهرة الخليج”. ولادي بقوا في أحسن مدارس، والبيت اللي كان يوم من الأيام مسرح للغدر، بقى حصن للأمان والهدوء.

أما راضي.. فدائرة الأيام دارت عليه.

وصلتني أخبارهم عن طريق “الصدفة” اللي بتجمع الناس في بلد صغيرة زي مصر. راضي، بالرغم من المبلغ الكبير اللي أديتهوله عشان يبدأ حياته، ماعرفش يدير نعمة “البداية الجديدة”. اتجوز سارة رسمي، لكن الغريب إن “الاستغلال” اللي كان رابطهم ببعض، هو نفسه اللي دمره. سارة، اللي كانت بتشجعه على الغدر بيا، لقت إن راضي ماعدش عنده “المكتب” ولا “الورق” ولا “الإجراءات” اللي كانت بتسهل له أموره، فبدأت تضغط عليه بمطالبها اللي مابتخلصش.

راضي، عشان يثبت لسارة إنه لسه “الراجل اللي بيعرف يجيب فلوس”، دخل في مشاريع وهمية وبورصات مشبوهة، وسمع نصايح ناس طماعة، لحد ما المبلغ اللي أخدوا مني -واللي كان حصيلة غربته وسنين عمره- اتبخر في أقل من سنة.

سمعت إن المشاكل بينهم وصلت للمحاكم. سارة سابته أول ما لقت الجيب فضي، ورفعت عليه قضايا نفقة وحجز، وراضي اللي كان بيحلم إنه “ملك” البيت في يوم من الأيام، بقى بيتنقل من شقة إيجار لشقة أصغر، ومطارد بديون ماكنش عامل حسابها.

في يوم، وأنا خارجة من مكتبي، شفت راضي واقف على الناصية.. كان شكله كبر عشر سنين في سنتين، ملامحه اللي كانت مليانة غرور بقت ذابلة، كان واقف بيبص على باب الشركة وكأنه بيشوف “الحلم” اللي ضيعه من إيده.

بص لي.. شافت عينه ندماً من النوع اللي بيحرق صاحبه. مكنش ندماً على خسارة الفلوس، كان ندماً على اللحظة اللي قرر فيها يبيع الست اللي بانت له كل ده، عشان يشتري وهماً كان آخره الشارع.

ماوقفتش. مش قسوة، لكن خلاص.. الشخص اللي كنت أعرفه مات من زمان. ركبت عربيتي، وبصيت قدامي.

فتحت تليفوني وبعت رسالة لـ “آيات” مساعدتي في الشغل: “يا آيات، خدي ميعاد مع المحرر المسؤول في مجلة زهرة الخليج، عايزة أراجع مقالتي الجديدة عن ‘كيف تبني حياتك من جديد بعد العواصف’.”

سقت عربيتي، والهدوء كان ماليني.. لأني عرفت أخيراً إن أكبر مكسب في الدنيا مش الفلوس، ولا المشروع، ولا حتى الانتقام.. أكبر مكسب هو إنك تفضل “إنتي”، بكرامتك، وبقوتك، وماتسمحيش لأي حد، مهما كان، إنه يغير جوهرك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *