سرقة الخاتم ج الاخير حكايات روماني مكرم

بخطوات عسكرية منتظمة، دخلت قوات الشرطة قاعة الفندق بقيادة العقيد “طارق”، الذي ما إن وقعت عيناه على الحاج فرج الجبالي حتى أدى له التحية باحترام بالغ. لم يكن الحاج فرج مجرد رجل أعمال، بل كان اسماً يوزن بالذهب في ميزان القوة والنفوذ.

أشار اللواء جلال، مدير الأمن، بيده لأحد رجاله، فتقدم حاملاً “فلاشة” صغيرة وسلمها للعقيد طارق قائلاً:

— “دي تفريغ كاميرات القاعة بالكامل يا فندم. فيها لحظة تسليم الخاتم، ولحظة التهجم على مدام ندى، وتمزيق هدومها.”

صُدمت ميرفت وتراجعت خطوتين وهي تلطم على صدرها:

— “تسليم الخاتم؟ تسليم إيه؟ بنتي اتسرقت يا باشا! البت شيرين دي هي الحرامية!”

هنا انهارت شيرين تماماً، وسقطت على ركبتيها تصرخ بهيستيريا ودموعها تغرق وجهها المليء بالمكياج الباهظ، وأشارت بإصبعها المرتجف نحو ولاء:

— “أنا مسرقتش حاجة! والله ما سرقت! ولاء هي اللي إدتني الخاتم في الحمام وقالتلي خبيه في شنطتك! هي اللي خططت لكل ده عشان تلبّس التهمة لندى وتفضحها وتجبر أحمد يطلقها ويرميها في الشارع من غير حقوق! قالتلي دي حتة جربوعة ومحدش هيقف معاها!”

شهقة جماعية زلزلت القاعة للمرة الثالثة. العيون التي كانت تنظر لندى باحتقار منذ نصف ساعة، تحولت الآن لتنهش في لحم ولاء وميرفت. 240 حوتاً من كبار العائلات أدركوا أنهم كانوا مجرد “كومبارس” في مسرحية رخيصة دبرتها عائلة السيوفي.

جن جنون ولاء، واندفعت نحو شيرين محاولة ضربها وهي تصرخ:

— “اخرسي يا كدابة! يا واطية! أنتي بتتبلي عليا عشان تطلعي منها؟”

لكن عسكري الشرطة كان أسرع، وأمسك بولاء من ذراعها ولوى يدها خلف ظهرها بحركة حاسمة أخرستها، بينما تقدمت شرطية نسائية وأخرجت الكلبشات المعدنية الباردة.

صرخت ميرفت وهي تحاول تخليص ابنتها:

— “أنتوا بتعملوا إيه؟ سيبوها! إحنا عيلة السيوفي! أحمد! يا أحمد اتصرف!”

رفع أحمد رأسه من على الأرض، ووجهه عبارة عن لوحة من الذل والانكسار. زحف على ركبتيه نحو ندى، التي كانت تقف شامخة وعباءة والدها تغطي كتفها الممزق. حاول أن يمسك بطرف العباءة وهو يبكي كالأطفال:

— “يا ندى.. أبوس إيدك، بلاش الشوشرة دي. أنا غلطت، غصب عني اتصدمت ومعرفتش أتصرف. عشان خاطر العيش والملح.. عشان خاطر ابننا اللي في بطنك، ارحمي أمي وأختي من الفضيحة دي.”

نظرت له ندى من أعلى، بعينين خاليتين من أي ذرة حب أو شفقة، وصوتها يقطر بروداً:

— “ابننا؟ ابننا مات في اللحظة اللي وقفت فيها تتفرج عليهم وهم بيمزعوا هدومي وبيعروني قدام الناس. العيش والملح أنت اللي داسته بجزمتك لما رضيتلي المهانة وكنت مستني تشوفني بتركب البوكس. أنا مبرحمش حد مبيرحمنيش يا أحمد.”

تدخل الحاج فرج، وضرب بعصاه الأبنوسية على الأرض ضربة أسكتت نحيب أحمد، وقال بصوت جحيمي:

— “أنت لسه شفت فضايح يا سيوفي؟ الكلبشات دي أرحم بكتير من اللي هعمله فيك وفي عيلتك. قروض شركتك اللي أنت واخدها من البنوك بضمانات مضروبة.. أنا اللي كنت مغطيها من وراك عشان خاطر بنتي. بكرة الصبح الغطاء ده هيتكشف، وقبل ما شمس بكرة تغيب، ممتلكاتكم كلها هتتحجز، وهترجعوا شحاتين زي ما كنتوا قبل ما تتسلقوا على كتاف الناس.”

اتسعت عينا أحمد في رعب حقيقي، وأدرك أن النهاية لم تعد مجرد طلاق وفضيحة عائلية، بل إفلاس ودمار شامل.

سحبت الشرطة ولاء وميرفت وشيرين وسط صراخهم وفضائحهم التي وثقتها كاميرات هواتف المدعوين الذين لم يرحموهم. تحولت القاعة الفاخرة إلى ساحة قصاص.

وبينما كان الحاج فرج يلتفت ليأخذ ابنته ويغادر هذا المستنقع، فجأة.. بهت لون ندى تماماً، وتصلبت ملامحها. أطلقت أنة مكتومة وضعيفة، وأمسكت ببطنها بقوة شديدة، قبل أن تترنح وتفقد توازنها. انزلقت من بين يدي والدها وسقطت على ركبتيها، وصرخة ألم مدوية شقت صمت القاعة المنصتة، بينما ظهرت بقعة دماء تتسع بسرعة على قماش فستانها الأزرق السماوي.

 

انشقت القاعة بصيحة رعب جماعية حين سقطت ندى. انحنى الحاج فرج على ركبتيه بسرعة لا تناسب سنه، وطوّق جسد ابنته بذراعيه وعيناه تملأهما لهفة وألم لم يرهما أحد فيه من قبل، وصاح بصوت زلزل أركان الفندق:

— “دكتور! القاعة دي فيها 240 بني آدم، مفيش فيكم دكتور يلحق بنتي؟!”

اندفعت طبيبة من بين المعازيم، كانت قد تجمدت في مكانها طوال الفضيحة، وفحصت نبض ندى بسرعة ثم نظرت للحاج فرج بوجه شاحب:

— “الحالة حرجة جداً يا حاج فرج.. انفعال شديد وخبطة في الظهر لما حماتها قيدتها، ده نزيف حاد وبداية ولادة مبكرة في الشهر الثامن.. لازم تتنقل مستشفى فوراً وإلا هنخسر الأم والجنين!”

في هذه الأثناء، كان أحمد يحاول الاقتراب وهو يصرخ بهيستيريا:

— “ندى! ابني! سيبوني أشوف مراتي!”

لكن رجال الأمن دفعوه بقسوة بعيداً، ليرتطم ببرج الشمبانيا الزجاجي الفاخر، فيسقط البرج بأكمله ويتهشم فوق رأسه، وتختلط الدماء بنبيذ الفرح الفاخر، ليصبح منظره على الأرض تجسيداً كاملاً للخزي والمهانة.

حمل الحاج فرج ابنته بين ذراعيه كأنها طفلة صغيرة، وخرج بها يركض وعيناه معلقتان بوجهها الأبيض كالثلج، وخلفه أسطول من سيارات الحراسة وصافرات الإسعاف التي شقت شوارع القاهرة في جوف الليل متجهة نحو أكبر مستشفيات العاصمة.

أمام غرفة العمليات في الطابق الرابع، تحول الممر الفاخر إلى ما يشبه غرفة عمليات حربية. كان الحاج فرج يقف وعصاه تهتز في يده لأول مرة في حياته، وحوله كبار الأطباء والجرّاحين الذين تم استدعاؤهم من منازلهم في دقائق معدودة.

خرج الطبيب الرئيسي بعد ساعة كاملة، والعرق يتصبب من جبينه، ونظر للحاج فرج قائلاً بنبرة قلقة:

— “الحمد لله، قدرنا نوقف النزيف وننقذ مدام ندى.. لكن الجنين في خطر شديد، النبض ضعيف جداً واضطرينا ندخله الحضانة تحت أجهزة التنفس الصناعي.. والـ 24 ساعة الجاية هي اللي هتحدد إذا كان هيعيش ولا…”

لم يكمل الطبيب جملته، لأن هاتف الحاج فرج رن في تلك اللحظة. كان المتصل هو اللواء جلال من مديرية الأمن، وجاء صوته عبر السماعة حاسماً:

— “يا حاج فرج.. ميرفت وولاء وشيرين محبوسين حالياً على ذمة التحقيق، والنيابة وجهت لهم تهم رسمية بالسرقة، البلاغ الكاذب، وهتك العرض والاعتداء العمد على سيدة حامل.. وأحمد السيوفي تم التحفظ عليه في المستشفى تحت الحراسة بعد إصابة رأسه.. طالبينا نتحرك في إجراءات الحجز المالي على شركاتهم؟”

ضغط الحاج فرج على الهاتف بقوة، ونظر عبر زجاج غرفة العناية المركزة إلى ابنته الراقدة بلا حراك وجهير الحضانة البعيد، ثم قال بنبرة قطعت كل خطوط الرجعة وبثّت الرعب في قلب الخط:

— “الشركات والمحلات والبيوت.. مش عايز السيوفية يملكوا في البلد دي حتى الهدوم اللي دارية جثثهم.. صفي كل حاجة يا جلال، وخليهم يعرفوا يعني إيه تدوس على طرف بنت الجبالي.”

وفي نفس الوقت، داخل زنزانة الحجز المظلمة، كانت ميرفت وولاء تجلسان على الأرض الأسمنتية الباردة، بفساتين الفرح الممزقة والمكياج السائل على وجوههن، والدموع والندم ينهشان قلوبهن بعد أن تحولت حياتهن من رغد “الزمالك” إلى غياهب السجون.. لكن الندم كان قد فات أوانه.

تُرى، هل سيعيش طفل ندى ليحمل اسم الجبالي ويشهد نهاية عائلة السيوفي، أم أن الكارثة لم تنتهِ بعد؟

فتحت ندى عينيها ببطء على بياض غطاء المشفى ورائحة المعقمات. شعرت بثقل في جسدها، لكن أول ما تحركت فيه كانت يدها التي امتدت بغريزة الأمومة نحو بطنها.. فوجدتها هابطة. تملكها الرعب للحظة، وحاولت الصراخ، لكن يد والدها الحانية سبقتها وضغطت على كفها بدفء.

نظر إليها الحاج فرج وعيناه تلمعان بدموع انتصار ممزوجة بالارتياح، وهمس بصوت خفيض:

— “حمد الله على سلامتك يا قلب أبوكي.. ولد زي الورد، متنقش من ملامحك، والدكاترة لسه مخرجينه من الحضانة حالا ونفسه بقى طبيعي وزي الفل.”

دخلت الممرضة وهي تحمل الصغير الملفوف بقماش أبيض ناصع، ووضعته في أحضان ندى. في تلك اللحظة، سالت دموعها حارة، لكنها لم تكن دموع كسرة كدموع الفرح؛ بل كانت دموع بداية جديدة. نظرت إلى طفلها وقالت بثبات:

— “هيتسمى فرج.. فرج الجبالي يا بابا. ملوش أب، ولا ليه عيلة تانية غيرنا.”

قبل الحاج فرج رأسها ورأس الصغير، ثم التفت إلى اللواء جلال الذي كان يقف عند الباب بملامحه الصارمة، وأومأ له برأسه لتنفيذ الفصل الأخير.

في نفس الساعة، كانت محكمة جنايات القاهرة تضج بالصحفيين وعدسات الكاميرات. دخلت ميرفت وولاء وشيرين في قفص الاتهام بملابس الحبس البيضاء، وجوههن شاحبة، وشعرهن ممتلئ بالأتربة، وقد زالت عنهن كل مظاهر القوة والمنظرة الكاذبة. ولم يكن أحمد ببعيد عنهن؛ بل كان يجلس في زاوية القاعة بضماد على رأسه، تائهًا، مكسورًا، تحيط به قوات الأمن.

نطق القاضي بالحكم الذي نزل عليهم كالصاعقة:

— “حكمت المحكمة حضوريًا على المتهمة الأولى شيرين بالحبس ثلاث سنوات مع الشغل والنفاذ بتهمة السرقة.. وعلى المتهمتين ميرفت وولاء بالسجن المشدد لمدة خمس سنوات بتهم استعراض القوة، والسب والقذف، والاعتداء العمد على سيدة حامل وهتك عرضها.”

صاحت ولاء وانهارت ميرفت مغشيًا عليها داخل القفص، بينما كان أحمد ينظر إلى الفراغ بذهول. لكن الضربات لم تتوقف هنا؛ فبمجرد خروجه من قاعة المحكمة، تقدم منه المحضر القضائي بملف ضخم وقال له بجفاء:

— “أستاذ أحمد السيوفي.. اتفضل استلم إعلان الصيغة التنفيذية بالحجر المالي الشامل على شركة السيوفي للمقاولات، والتحفظ على فيلا الزمالك وجميع الحسابات البنكية لسداد الديون المستحقة لمجموعة الجبالي. قدامك 24 ساعة للإخلاء.”

سقط الملف من يد أحمد وتناثرت الأوراق على الأرض تحت أقدام المارة. تذكر في تلك اللحظة كل ليلة سكت فيها عن إهانة ندى، وكل كلمة سمموا بها بدنها وهو يبتسم ويدير وجهه. أدرك الآن — وهو لا يملك ثمن سيارة أجرة تعيده إلى بيته الذي سيسلب منه غدًا — أن الرجل الذي لا يحمي كرامة بيته، لا يستحق أن يكون له بيت.

بعد مرور شهرين..

كانت الشمس تميل للغروب فوق النيل من شرفة الجناح الخاص بالحاج فرج الجبالي. كانت ندى تقف بكامل أناقتها، ترتدي فستانًا أسود راقيًا ينم عن أصلها ونعمتها الحقيقية، وتحمل ابنها “فرج” وتناغيه بابتسامة صافية غابت عن وجهها لسنوات.

وقف والدها بجانبها، ونظر إلى النيل ثم التفت إليها قائلاً:

— “السوق كله اتعلم الدرس يا بنتي.. وعيلة السيوفي بقت مجرد سيرة قديمة في دفاتر الإفلاس والندم. رأسك يفضل مرفوع لفوق.”

ابتسمت ندى، ونظرت إلى طفلها الصغير الذي نام بسلام في أحضانها، وقالت بنبرة قوية هادئة:

— “رأسي مش هتنزل تاني أبدًا يا بابا.. اللي فات كان ندى الطيبّة اللي بتستحمل عشان تعيش، واللي جاي.. هي بنت فرج الجبالي.”

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *