ذنب حور ج اخير للكاتبة نرمين عادل همام
ج الاخير ورا كل باب حكاية
لحد ما جه يوم حد، الحارة كلها اتقلبت فيه على صوت صويت وزفة وعربيات داخلة محملة جهاز وعفش جديد. طلعت من الورشة أشوف فيه إيه وعيني مليانة نشارة، لقيت العفش كله نازل وداخل بيت المعلم جابر؛ أبو حور! الجيران كانوا واقفين يتفرّجوا ويتوشوشوا، والستات بتبصلي بنظرات شفقة وكسرة خاطر.
قرب مني صاحبي وأخويا في الحارة “سيد” وحط إيده على كتفي وقالي بصوت واطي ومحرج:
— “شِد حيلك يا طارق يا خويا.. المعلم جابر بيجوز بنته الصغيرة ‘نهى’.. يادوب كملت 14 سنة الأسبوع اللي فات، ومجوزها لراجل مقاول من برة الحارة عنده يجي خمسين سنة، بس معبي فلوس ودهب ملوش آخر.. المعلم جابر باع البيعة التانية يا صاحبي وقبض الثمن من بدري.” (بقلم الكاتبة نرمين عادل همام)
حسيت كأن كف نار نزل على وشي، ودمي اتجمد في عروقي. “نهى”؟! نهى دي أخت حور الصغيرة، البنت اللي كانت لسه بتيجي مع حور زمان تلعب معاها، وكان شعرها بضفاير وبتحب تاكل الشيبسي معايا! المعلم جابر مَتعَظش من موت بنته البكرية حور من التعب والقهرة، ورايح يعيد نفس الجري..مة ونفس الذبح مع بنته التانية عشان الفلوس والمنظرة الكدابة وسط السوق!
بدون ما أفكر ولا أعمل حساب لأي حد، رجلي شالتني وجريت على بيت المعلم جابر. دخلت من الباب الكبير والناس عمالة تبارك وتهلل، والعمال بيرصوا كرتون الغسالة والثلاجة في الصالة. المعلم جابر كان قاعد بكرشه الكبيرة، لابس جلابية بيضاء جديدة والسيجار في بوقه وعينيه بتلمع من الجشع والمنظرة. أول ما شافني داخل ووشي مقلوب وعيني حمراء، وقف وضحك بـسخرية وقالي بصوت جهور:
— “أهلاً يا سي طارق! جرى إيه يا واد داخل علينا بـخلقك الضيق ده ليه؟ جاي تبارك لأخت مرامك المرحومة ولا جاي تندب حظك الفقر؟” (بقلم الكاتبة نرمين عادل همام)
وقفت قدامه والصالة كلها سكتت، والصنايعية والمعازيم بحلقوا فينا. صرخت فيه بأعلى صوت عندي وجسمي كله بيترعش من الغل:
— “مباركة إيه وزفت إيه اللي جاي أقولهالك يا معلم جابر؟! إنت إيه؟ معندكش قلب؟ معندكش دين يمنعك؟ لحم حور لسه منشفش في الترب.. حور ماتت من القهرة والوجع بسبب الجوازة السودة والسن الصغير اللي رمتها فيه وهي مش فاهمة حاجة! رايح دلوقتي تعيد الكرة وتدبح نهى الصغيرة وتبيعها لراجل قد أبوها عشان قرشين وعفش تتباهى بيه في الحارة؟”
المعلم جابر وشه احمر وعروق رقبته برزت، ونزل بالسيجار في الطفاية وزق الكرسي الخشب بغضب، وقرب مني وزعق في وشي:
— “إلزم حدودك يا طارق يا ابن رتيبة وماتسوقش فيها! بنتي وأنا حر فيها، أسترها وأجوزها للي يدفع ويصونها، وإنت ملوش صالح ببيتي ولا بلحمي بعد ما بنتي ماتت في ذمتك! لولا أمك الست رتيبة وخيبتك مكنتش البت حور جرى لها حاجة.. إنت جاي تعملي فيها قاضي الأصول دلوقتي؟ اخرج برة بيتي وبلا قلة قيمة قدام الجيران!”
كنت لسه ههجم عليه وأمسك في رقابه، بس لقيت إيد حنينة ومرعشة بتشدني من قميصي لورا. التفت بـلهفة، لقيتها “نهى” الصغيرة.. كانت واقفة ورا الستارة، ملامحها نسخة طبق الأصل من حور يوم دخلتنا؛ عيونها الواسعة مليانة رعب وفزع، وبتبصلي بدموع وبتهز راسها كأنها بتستنجد بيا وتقولي “الحقني يا طارق متخليهمش يعملوا فيا زي حور”.
المنظر ده هد حيلى وكسر ركبي؛ شفت حور حية قدامي وبتتدبح من تاني وأنا واقف عاجز. المعلم جابر شخط في البنت وقمرها تخش جوه، وبص للأمن والعمال وقاموا زقوني وطردوني برة البيت ورموا ورايا الباب بقسوة.
وقفت في وسط الشارع والحارة كلها بتتفرج عليا، ونفسي ضايع ومكتوم. لمحت بطرف عيني أمي “الست رتيبة” واقفة على أول السلم فوق، بتبص عليا وبـتضحك بـتشفى وشماتة، ولسان حالها بيقول: “أهو اتهانت واتطردت برة بيوت الرجالة عشان عِصيت طوعي.”
رجعت أوضتي في الورشة، قفلت الباب على نفسي وانفجرت في العياط والشهق زي العيال الصغار. الندم رجع ياكل في حشايا بأسنان حديد.. عرفت إن الذنب مابيموتش، وإن السكوت على الظلم زمان هو اللي جرى الحارة والرجالة على ذبح البنات النهاردة وباسم الأصول والعادات. حضنت صورة حور اللي مخبيها تحت المرتبة وقلت بـصوت مخنوق:
— “حقك عليا يا حور.. الغشم لسه عايش في الحارة، والكل بيبيع ويشتري في براءة العيال.. بس وحق دموعك الغالية، لأعمل المستحيل عشان أحمي أختك ومخليهاش تدوق المُر اللي دوقتهولك أنا وأمي.”
الكاتبة نرمين عادل همام
الليل دخل وسكنت الحارة، بس عيني ماداقتش النوم ولا عقلي هدي من منظر “نهى” وهي بتستنجد بيا من ورا الستارة. مكنتش قادر أقف دقيقة واحدة وأنا شايف الجري..مة دي بتتعاد بالملي قدام عيني. قمت من سريري في الورشة، ونزلت جري في شوارع المحروسة والناس نايمة، مكنش قدامي غير بيت واحد بس هو اللي فيه طوق النجاة.. بيت “خالتي أم حور”.
وصلت هناك والفجر بيلوش في السما، خبطت على الباب براحة عشان العيال مايتفزعوش. فتحتلي حماتي الست العجوزة، وأول ما شافت وشي المخطوف وعيني الحمرا، اتخضت وقالت بـلهفة:
— “جرى إيه يا طارق يا ابني؟ العيال فيهم حاجة؟ طمني!”
دخلت وقعدت على الأرض تحت رجليها، وبكيت بحرقة وقلت بصوت حزين:
— “العيال زي الفل يا خالة.. المصيبة في نهى! المعلم جابر باع البيعة التانية، وجايب عريس مقاول قد أبوها بفلوسه وهيجوزها الغصب الأسبوع الجاي.. البنت هتموت من القهرة زي حور يا خالة، أبوس رجلك اتصرفي، إنتي أمها ودي حتة من لحمك!”
الست العجوزة أول ما سمعت الكلمة، ضربت على صدرها بخوف وقهر، ودموعها نزلت سيول على خدودها المتجعدة:
— “يا مري.. يا وجع قلبي عليكِ يا نهى يا بنتي! الراجل ده إيه؟ مابيشبعش فلوس؟ مابيتعظش من الـموت والترب؟ ده أنا مطلقة منه بقالي سنين ومابيرضاش يخليني ألمح البنات ولا أسمع صوتهم، وحرمني من حور لحد ما ماتت في سجنكم! تفتكر هيسمع كلامي أنا دلوقتي يا طارق؟ ده راجل غشيم وجبار ومبيعملش حساب للاخرة!”
وقفت على رجلي وقلت بـإصرار وقوة مكنتش فيا زمان:
— “مش هيسمع ليكي ولا ليا.. بس القانون والبلد فيهم حكومة وبيرعوا عيال السن ده! إحنا هناخد بعضنا ونروح لـ ‘خط نجدة الطفل’ والمجلس القومي للمرأة، ونعمل بلاغ رسمي إن المعلم جابر بيجوز قاصر وبورق عرفي ومحامي تحت السلم.. البلد اتغيرت يا خالة، ومبقاش فيه سكوت على ذبح البنات باسم العادات والأصول الكدابة!”
الست العجوزة بصتلي بعيون مليانة أمل وخوف في نفس الوقت، وقامت لمت طرحتها وقالت: “معاك يا ابني.. معاك لو فيها موتي، مش هسيب بنتي التانية تندبح وأنا عيني شايفة.”
وفعلاً، وتاني يوم الصبح، أخدت الست العجوزة في إيدي ورحنا للمسؤولين وقدمنا البلاغ، وحكينا كل اللي جرى لـ حور زمان عشان يلحقوا نهى قبل ما تقع في نفس البير. الاستجابة كانت أسرع مما تتخيلي؛ الموظفين والمسؤولين هناك اتأثروا بالقصة، وطلعوا معانا قوة من قسم الشرطة وبـسرية تامة عشان يلموا الحكاية من جذورها.
يوم الخميس الصبح، والحارة مقلوبة وصوت الأغاني شغال عند بيت المعلم جابر، والكوافير باعت الستات عشان يوضبوا نهى الفستان الأبيض البشع.. فجأة دخلت عربيات الشرطة والحكومة ووقفت قدام البيت. الفرح اتقلب لمناحة وصدمة في ثانية، والناس والجيران جريوا يتفرجوا بـذهول.
نزلت من العربية مع القوة وأم حور، ودخلنا الشقة. المعلم جابر كان واقف وشه أزرق وعروقه باينة من الخضة، والمقاول العريس الخمسيني كان واقف مبرق ومش فاهم حاجة. الضابط وقف بـكل هيبة وحسم وقاله:
— “المعلم جابر.. جالك بلاغ رسمي بـتزويج قاصر دون السن القانوني وبورق غير رسمي.. اتفضل معانا على القسم إنت والعريس والمحامي اللي كتب الورق ده، والبنت نهى هتمشي مع والدتها بـقرار من النيابة لحد ما التحقيق يخلص!”
المعلم جابر بصلي بغل وشرر وقال وهو بيتجرجر من العساكر: “ماشي يا طارق يا ابن رتيبة! إنت اللي بلغت ووقفت في وشي؟ والله ما هسيبك وهخرب بيتك!” مكنتش خايف منه واصل، وقفت بطولي وبصيت له بـاحتقار وقلت: “أنا بحمي أخت مراتي من قسوتك وجشعك يا معلم جابر.. وحق حور بدأ يرجع من النهارده!”
طلعت نهى من الأوضة، كانت لابسة فستان عادي وشعرها مفرود، وأول ما شافت أمها جريت عليها وحضنتها بـشهقات وعياط هز جدران البيت، وبصتلي وعينيها بتشكرني والدموع نازلة.. النظرة دي غسلت نص الوجع والذنب اللي كان عايش في صدري بقاله سنتين. (بقلم الكاتبة نرمين عادل همام)
أخدت الست العجوزة بنتها نهى ورجعوا شقتهم مع عمر وزين. وأنا راجع الحارة لوحدي، لقيت أمي “الست رتيبة” واقفة في نص الشارع، والناس والستات حواليها بيلغوا ويتوشوشوا على الفضيحة اللي حصلت للمعلم جابر. أمي أول ما شافتني، قربت مني ووشها مقلوب من الغضب وقالتلي بـصوت حاد قدام الكل:
— “إنت اتجننت يا طارق؟ بقيت بتمشي مع الحكومة وتقفل بيوت الرجالة وتفضح ناسنا وسط الحارة؟ إنت كدة بتوطي راسي الأرض وتصغرني قدام الجيران! إنت إيه اللي جرى لعقلك؟”
بصيت لأمي بـكل برود وجمود، ومبقتش شايف فيها الجبروت اللي كان بيرهبني زمان. قلت لها بصوت هادي وراسي مرفوعة فوق:
— “أنا قفلت باب الظلم والغشم يا رتيبة يا بنت الصياد! راسك بتوطى لما تظلموا لحمكم وتدبحوا البنات، مش لما نحميهم! أنا عملت اللي كان المفروض أعمله مع حور من 9 سنين وفهمته متأخر.. ومن النهارده، اللي هيقرب من لحم حور أو عيالها، هقف في وشه لو كان مين.. وانسي يا أما إن ليكي سيف بتمشيه على رقبتي، سيفك انكسر يوم ما حور ماتت.”
سِبتها واقفة في وسط الشارع ووشها جاب ألوان من كتر الكسرة والذهول قدام الجيران، ودخلت ورشتي وقفت ورا الباب. بصيت للسما والشمس طالعة بنورها الدافئ المنور الحارة، وحسيت بروح حور كأنها بتطير حواليا وبتقولي: “شكراً يا طارق.. أنا دلوقتي بس مستريحة في تربتي.”
الذنب مش هيموت، وهعيش بيه عمري كله، بس على الأقل النهارده عرفت أداوي جزء من الشرخ، وحميت طفلة كانت هتروح ضحية لـ ‘عادات وتقاليد’ مابتعرفش ربنا.
الكاتبة نرمين عادل همام
تمت
