صندوق ابويا للكاتبة نرمين عادل همام الجزء الاخير
ج الاخير ورا كل باب حكايه ولكل انسان قصة يرويها
وفي الليلة دي، عُمر بعتلي رسالة صدمتني ونهت كل مشاعري تجاه أحمد؛ كتبلي:
“تيتا.. بابا دخل لماما الأوضة ومبسوط وبيقولها خلاص أنا هخلّص الصفقة مع الست العجوزة دي قبل ما تغير رأيها وتطير الفلوس من إيدينا.. هو كان يقصدك إنتِ يا تيتا؟”
قعدت في الضلمة لوحدي في الصالة، وحسيت إنني خلاص مبقتش زعلانة ولا مكسورة على فراق ابني ولا على علاقتي بيه..
أنا كنت زعلانة ومقهورة على البني آدم اللي بقى هو عليه، على الندالة والوسـاخة والغل اللي ملو قلبه وعقله. المسرحية دي كان لازم تنتهي، والست العجوزة هترد عليهم الرد اللي يليق بيهم.
بعد يومين بالظبط، استقبلت أحمد ومراته ياسمين وحفيدي عُمر في بيتي الجديد في أكتوبر بكل ترحاب وابتسامة واسعة، وفتحت لهم الباب وأنا ناوية أهد المعبد على روسهم…
الكاتبة نرمين عادل همام
— أنا سعيدة ومبسوطة جداً بزيارتكم دي، نورتوا البيت.
البيت الجديد في أكتوبر كان مريح ودافي، ومفهوش أي مظهر مبالغ فيه يشد العين عمدًا، بس عينين ياسمين ما سكتتش؛ كانت بتلف في الصالة وبتفحص وبتقيّم تمن كل حتة أثاث وسجادة محطوطة بـلؤم.
أحمد بصلّي وبص للمكان وقال بنبرة إعجاب:
— مكان جميل أوي يا ماما.. تحسن كبير وتغيير لـلأحسن بصراحة.
رديت عليه بغموض وابتسامة هادية:
— أبداً يا حبيبي.. بيع أرض العيلة القديمة مشي كويس والحمد لله ربنا كرمنا منها.
والتفتّ لعُمر اللي كان واقف مستحي وقلتله بحنان:
— تحب تشوف أوضتك يا عُمر؟ أنا عملتلك مفاجأة وجبتلك تلسكوب كبير في البلكونة عشان تتفرج على النجوم براحتك.
الولد عينيه لمعت وفرح، وطوال عطلة نهاية الأسبوع دي، قعدت أراقبهم وأتفرج على التمثيلة الرخيصة اللي بيمثلوها؛
الكاتبة نرمين عادل همام
في حين إن نفاد صبرهم الحقيقي وطمعهم كان بيبان في اللحظات العفوية والهمسات المكتومة مابينهم. بس عُمر.. عُمر كان يستحق أكتر وأكبر من كل الكدب والغش ده.
الولد كان بيهدأ شيئاً فشيئاً في وجودي، والتشنجات العصبية والحذر اللي في عينيه كانوا بيختفوا تماماً أول ما يقعد معايا، وعينيه كانت بتنور بطاقة وشغف ممتع وهو بيكلمني عن العلوم والتاريخ.
كان بيفكرني بأحمد أوي وهو في السن ده، قبل ما طمع الدنيا يعميه وتستقر المرارة والسواد في قلبه لـلأبد.
بعد ظهر يوم السبت، وبينما أحمد وياسمين خرجوا يتمشوا شوية في الكومباوند بره، عُمر جالي الأوضة وكان ماسك كراسة صغيرة مطلعها من حقيبة أبوه، وقال بصوت واطي ومتردد:
— تيتا.. دي بتاعة مدرسة لغات في دبي، الشنطة بتاعة بابا كانت مفتوحة وأنا شفت الورق ده غصب عني.. أنا مش عايز أسافر هناك يا جدتي، كل أصحابي وزمايلي هنا في مصر، وأنا لسه يدوب لاقيتك ومش عايز أسيبك.
أخدته في حضني وضممته بكل قوتي لصدري، وقلت وأنا بكتم رجفة صوته ودموعي: — مهما حصل في الدنيا دي يا قلب تيتا، مش هنضيع بعض تاني أبدًا.. أوعدك.
في الليلة دي، أعددت عشاءً خاصاً، وقضيت اليوم كله في المطبخ بطبخ الأكلات والوصفات اللي أحمد كان بيموت فيها وهو طفل صغير:
لحمة مشوية في الفرن مع الجزر والبطاطس المكمورة، وأرز ابيض بالسمنة البلدي ، كيكة برتقال للتحلية.
وأحنا قاعدين بناكل على السفرة، أحمد وياسمين كانوا بيتبادلوا نظرات واثقة وكلها طمأنينة، كأنهم افتكروا إن الوجبة العاطفية والذكريات دي هي إعلان استسلامي، وإنني هفك كيسي وأديهم الملايين خلاص.
بعد ما خلصنا، دعوتهم كلهم للصالة ولقعدة المعيشة، وقعدت بكل هدوء وثبات وقلت:
— أنا عندي حاجة مهمة قوي ولازم أقولها ليكم كلكم.
أحمد وياسمين قدموا جسمهم لقدام بلهفة وطمع ميتداراش، فكملت كلامي وعيني في عين ابني:
— من خمستاشر سنة يا أحمد، إنت خرجت من حياتي وقاطعتني بسبب الفلوس.. عشان خمسين ألف جنيه رفضت أديهم لك من تحويشة عمري. والنهارده، واضح وضوح الشمس إن الفلوس والملايين برضه هي الحاجة الوحيدة اللي رجعتك ليا وخليتك تفتكر إن ليك أم!
الكاتبة نرمين عادل همام
الابتسامة اتمسحت من على وش أحمد في ثانية، واتخشب وقال بلجلجة:
— مش عدل اللي بتقوليه ده يا أمي.. إحنا جايين نصفّي النفوس و..
رفعت إيدي في وشه ووقفته بحسم، وطلعت الملف البلاستيك من شنطتي وحطيته بقوة على الترابيزة قدامهم:
— أنا كلفت الأستاذ شاكر، المحامي الكبيـر العقر، وجابلي قراركم كله من تحت الأرض.. كل حاجة ممسوكة وموثقة بالورق والتواريخ: كذبة الخرف المبكر والألزهايمر اللي بتقولها للناس في المدرسة، ديونكم المجلجلة للبنوك، خطط السفر والهروب لـدبي اللي مخبيها عن ابنك،
والتحقيقات وفضيحة النصب في شركة الاحمدي اللي إمضاك عليها.. أنا عارفة كويس وبأمارة إيه إنت افتكرت فجأة إن لك أم عايشة بعد خمستاشر سنة سنة جحود!
ياسمين اتنفضت وقفت من على الكنبة بعصبية وصوت مسرسع:
— إنتِ اتجسّستي علينا وجايبة محامين يمشوا ورا خطوتنا؟!
رديت عليها بنظرة برود وثبات هزتها:
— أنا حميت نفسي.. وحميت عُمر من وساختكم.
أحمد الصدمة عنده اتحولت لغل وغضب أعمى، ووقف وزعق بصوت فاحش:
— يعني كل اللم والمصالحة والعشاء ده كان فخ ومنصوب لينا؟! إنتِ بتلعبي بينا يا ميرفت؟ إنتِ مش أحسن مننا على فكرة!
بصيت في عينيه وقلت بصوت خافت بس حاد وقاطع زي السيف:
— لا يا أحمد، فيه فرق كبيـر بيني وبينكم.. الفرق إنني كنت عايزة حفيدي بصدق وبدموع عيني، وإنتوا كنتوا عايزين فلوسي وملاييني وبس!
وفجأة، عُمر قاطع الكلام بصوت كله عياط وكسرة وألم يهز الحجر وبص لأبوه: — يعني الكلام اللي كنت بتقوله في المدرسة عن مرض جدتي؟ وعن السفر ودبي؟ ده كله حقيقي وصح يا بابا؟! إنت كنت بتكدب عليا؟!
ساد صمت ثقيل ومخيف في الأوضة، صمت كان هو الإجابة والاعتراف الفاضح بكل الجريمة.
الكاتبة نرمين عادل همام
في صباح اليوم التالي، اتجمعنا تاني في الصالة..
أحمد كان باين عليه إنه منامش دقيقة ووشه متبهدل ومرهق، وياسمين قاعدة متوترة وضوافرها في سنانها، وعُمر قاعد على جنب وكأن عالمه كله انهار واتهد تحت رجليه الصغيرين.
وقفت في وسطهم وقلت: — أنا عندي عرض ليكم.
وحطيت مظروف أبيض كبير على الترابيزة. أحمد بصل برعب وشك وقال بحذر:
— تقارير ومعلومات تانية من المحامي بتاعك؟
قلتله: — لا.. ده الحل اللي هيستركم.
وشرحت شروطي القانونية بوضوح ومن غير فصال:
— أولاً: أنا هسدد كل ديونكم وقروضكم للبنوك عشان تخلصوا من سكة الحبس.
ثانياً: هعمل صندوق مالي واستثماري مقفول لتعليم عُمر لحد ما يتخرج من الجامعة ومحدش يمد إيده عليه غيره.
ثالثاً: السفر بره مصر يتلغى وتفضلوا قاعدين هنا في بلدكم.
رابعاً: عُمر يقضي معايا عطلة المدرسة يوم الجمعه والسبت واحدة كاملة كل شهر، ويجيلي هنا أكتوبر.
خامساً: إنت يا أحمد تقف وتواجه مشاكلك المهنية والقانونية في شركتك بدل ما تخلع وتهرب زي الحرامية بره البلد.
وأخيراً: هنبدأ كلنا، كعيلة، نروح لجلسات علاج ودعم نفسي عائلي عند دكتور متخصص عشان ننظف السواد اللي جوه النفوس ده.. لو عايزين نعيش بني آدمين.
قالت ياسمين بحدة وصوت مسرسع ملوه الغل:
— أنتِ كدا بترشينا وبتشترينا بفلوسك يا مدام ميرفت؟
صلحت لها الكلمة بمنتهى البرود والهدوء وقلت لها:
— لا يا حبيبتي.. أنا بقدّم ليكم طوق نجاة وطريق للستر. أنا مش برمي فلوس في الهواء وأستنى المشاكل والديون تختفي زي ما كُنتوا ناويين تعملوا وتخلعوا.
أحمد اتعصب وصرخ فيا وعروق رقابته بارزة:
— مالكيش حق تملي علينا شروطك ولا تتحكمي في حياتنا وتمشينا على مزاجك!
ابتسمت له ابتسامة هادية بس كانت موجعة أوي وقلتله:
الكاتبة نرمين عادل همام
— عندك حق يا أحمد.. إنتوا أحرار تماماً، تقدروا ترفضوا العرض بتاعي حالا، وتكملوا في طريق دبي وتخلعوا بره مصر.. ده لو عرفتوا تموّلوه وتدفعوا مليم واحد من غير ما تتحبسوا وتتمنعوا من السفر أصلاً! بس خلوا في علمكم، عُمر هيفضل في حياتي وفي حضني في كل الأحوال، وقانونياً ومن بكرة أقدر أرفع قضية وأطالب بحق رؤية حفيدي، خصوصاً مع كل التوثيق والورق اللي معايا للفيلم الهندي والخدعة اللي عيشتوا الناس فيها وتاجرتم بمرضي.
وقلت في بالي:
“ليلى المحامية وزمايلها جهزت كل الأوراق دي فعلاً، وكانت مخاطرة وعفرتة قانونية محسوبة؛ لأن قضايا رؤية الأحفاد واستضافتهم في القانون مش سهلة وبتاخد وقت، بس أحمد وياسمين من رعبهم وجهلهم بالقانون ما كانوش يعرفوا كدا”.
أحمد بصلّي وشفايفه بـترتعش وصوته مهزوز وقال:
— أنتِ بتبتزينا وبتلوي دراعنا يا أمي؟
رديت عليه بثبات وثقة:
— أنا بديكم فرصة وأمل عشان نبني حاجة حقيقية ونظيفة.. حاجة مش مبنية على الكدب ولا الطمع ولا الفلوس، مبنية على الصدق وبس. الحكاية مش هتبقى سهلة، لأن الثقة اتكسرت وراحت مابيننا كلنا، بس عُمر يستاهل عيشة أحسن وأنظف من القرف اللي قدمناه له إحنا الكل لحد دلوقتي.
طول القاعدة دي عُمر كان قاعد ساكت وعينيه بـتتنقل مابيننا، وفجأة اتكلم ونطق بكلمة قطعت الصمت ووجه كلامه لأبوه:
— بابا.. إنت ليه كدبت عليا في موضوع تيتا ميرفت طول السنين دي؟ وليه كنت بتقول للناس في المدرسة إنها عيانة ومخرفة ومبتفتكرش حد؟
الكاتبة نرمين عادل همام
أحمد لف وشه ومقدرش يحط عينه في عين ابنه الصغير، وقال بـتلعثم:
— الموضوع معقد أوي يا عُمر يا حبيبي وإنت مش فاهم..
قاطعه عُمر بحزم وقوة عمري ما توقعتها من عيل في سنه:
— لا يا بابا.. مش معقد ولا حاجة. إنت كدبت عشان الكدب كان أسهل بكتير من إنك تقول الحقيقة.. إنت ببساطة ما كنتش عايزني أعرفها ولا أشوفها.
في اللحظة دي، وأنا بـتفرج على حفيدي، رأيت في عينيه حاجة بتتولد وتتغير؛ إدراك مبكر ووجع من عيوب ونقائص الكبار. ما بصش لأبوه بغل أو غضب أعمى.. لأ، بص له بنظرة خيبة أمل وكسرة، ودي أقسى وألعن حاجة ممكن أب يشوفها في عين ابنه وحته منه.
عُمر التفت وبصلي وقال بهدوء وثبات:
— أنا شايف إن كلام وتيتا ميرفت صح وكويس جداً.. أنا عايز أجرب نروح لدكتور العلاج النفسي ده، وعايز أفضل هنا في مصر وسط أصحابي وزمايلي ومش عايز أسافر، وعايز تيتا تفضل في حياتي وماتسبنيش.
أحمد بص لابنه وكأنه بيشوفه لأول مرة في حياته.. بيشوفه كبني آدم مستقل، ليه قلب وليه مشاعر وخيارات تخصه لوحده. وبص له بصوت مكسور ومخنوق بالدموع:
— يا عُمر.. أنا..
بس الكلمات خانته واتقفلت في زوره ومبقاش عارف ينطق.
ياسمين هجمت على السفرة، خطفت الأوراق والمظروف وحطتهم في شنطتها بعصبية وقالت بضيق وقرف:
— إحنا هناخد الأوراق دي ونقعد نراجع الشروط مابيننا ونشوف.
وهم بيمشوا وخارجين من باب الشقة، عُمر جري عليا وحضني بكل قوته ودفن نفسه فيا وهمس في ودني:
— هشوفك بعد أسبوعين يا تيتا.. صح؟
الكلام ما كانش سؤال بـيستعطفني.. ده كان إعلان استقلال وبداية شخصية جديدة للولد.
وفي اللحظة دي بالذات، ولأول مرة من خمستاشر سنة كاملة من السواد والوحدة، حسيت بوميض أمل حقيقي وصادق بيدخل قلبي وينوره من جديد.
بعدها بسنين، كنت واقفة بعلّق زينة عيد الميلاد في صالة بيت أحمد.. السنين جرت بينا، والنهاردة كنا بنحتفل بثلاث حاجات غاليين مع بعض وفي نفس اليوم:
عيد ميلادي الواحد والستين، وعيد ميلاد أحمد الواحد والأربعين، وتخرّج عُمر من المرحلة الإعدادية بنجاح وبداية مرحلة جديدة وهو داخل على ثانوية عامة وبقى راجل مالي مركزه.
الرحلة ما كانتش سهلة أبدًا، ولا مشينا فيها على الورد، دي أخدت مننا سنين وأيام طاحنة عشان نوصل للمحطة دي. في الأول، أحمد قبل الشروط بتاعتي وهو مجبر ومكسور العين ومضطر بدافع الحاجة والزنقة، مش باختياره. وقف واجه التحقيقات القانونية وبلاوي الشغل في شركته، وقِبل إن درجته الوظيفية تنزل لدرجة صغيرة ومرتبه يقل للنص بدل ما يتفصل والشركة ترفعه للقضاء ويروح في سكة الحبس.
ياسمين كمان عاشت فترة صعبة، فكرت في الطلاق وجمعت هدومها وكانت هتمشي، بس السنين اللي عشناها بعد كدا أجبرتها تقعد مع نفسها وتواجه حقيقتها، وتشوف دورها في الأزمة وجريها الأعمى وراء المظاهر والمنظرة الكدابة اللي كانت
هتودي جوزها وبيتها في داهية.
جلسات الدعم والعلاج النفسي العائلي اللي استمرينا عليها شهور وسنين، كشفت لنا حقائق وجروح مؤلمة قوي كانت مدفونة ومفسدة النفوس من زمان:
كشفت ضيق وزعل أحمد القديم اللي شايله جوا اللحم من ساعات شغلي الطويلة وسهري في المستشفيات وهو طفل صغير كان محتاجني جنبه، وكشفت خوفي أنا المرعب والقديم من إنه يسيبني ويهجرني بعد ما أبوه مات وسابني بطولي في الدنيا فكنت بـكلبش فيه،
وكشفت عدم الأمان واللخبطة اللي عند ياسمين الناتجة عن عيشتها ونشأتها في عيلة مفككة ومطلقة من صغرها فكانت بتعوض ده بالفلوس والمظاهر.
الكاتبة نرمين عادل همام
أول سنتين كانوا هما الأصعب والأثقل على قلوبنا، كنا بنمشي وسط حقل ألغام من الشك والكسوف مابيننا. بس ببطء، والوقت بيمر والسنين بتدوب القسوة، بدأت الأمور تتغير والثلج يدوب فعلاً. شفت أحمد وهو بيكبر ويواجه نتيجة خياراته وغلطاته بنفسه ويتحمل المسؤولية، وشاف بعينيه كيف عُمر ورّد وازدهر وبقت ضحكته مالية الوش وصحته النفسية في السما بوجودي جنبه وسندي ليه. وفي جلسة علاج صعبة ومبكية من كام شهر، أحمد بص في عيني وأخيرًا نطق بالحق وقال وهو منكس راسه ومكسور:
— أنا كان أسهل عليا قدام الناس ونفسي أقول إنك مريضة ومخرفة وبموت، من إني أعترف وأقول إنني أبعدتك وعاديتك بكبريائي وغروري وكسرت بخاطرك.. وبعدين الكدبة كبرت والسنوات مرت واتحبست جواها ومش عارف أطلع منها إزاي قدام ابني.
دلوقتي، كنت واقفة من وراء الشباك وبشاهد عُمر—اللي بقى طول أبوه ما شاء الله—وهو فارد مشروعه العلمي الجديد في جنينة الفيلا وبيشرحه لأحمد بكل ثقة وفخر، وأحمد حاطط إيده على كتفه وبيسمعه باهتمام، مشهد ولقطة عمر مكنش ممكن حد فينا يتخيلها أو يصدقها من أربع سنين فاتوا لما الباب اتقفل في وشي.
قربت مني ياسمين وهي ماسكة كوباية العصير، وبصت لهم من الشباك وقالتلي بصوت واطي وهادي وفيه نبرة رضا: — هو لسه بيكافح ومش عارف ييجي يقولك “أنا آسف” في وشك يا ماما.. الراجل كبريائه وصعب عليه، بس الصراحة الأمور بتتغيّر جوه قلبه كل يوم عن اللي قبله، وكان بيتكلم عنك امبارح بالليل وافتكر ذكريات جميلة أوي من طفولته معاكي وعينيه دمعت وقال أمي شقيت كتير عشاني.
رديت عليها بابتسامة صافية وهادية وطبطبت على كتفها وقلت لها: — البيوت والعائلات دايماً معقدة يا ياسمين.. ومحدش فينا بيصيب طول الخط ولا فيه حد مبيغلطش، المهم إننا في الآخر عرفنا نلم شملنا وننقذ الولد.
بعد شوية، عُمر دخل من الجنينة بيجري عليا وقدّم ليا هديته: ألبوم صور كبير، صنع غلافه وزينه بإيديه طوال السنين اللي فاتت؛ جمع فيه صوري القديمة بالأبيض والأسود وأنا شايالة أحمد وهو لسه بيحبوا، وصورنا الجديدة الملونة وإحنا مع بعض في الأعياد وبنضحك. وفي الصفحة الأخيرة خالص، حط صورة حديثة اتصورناها إحنا الأربعة سوا في مصيف السنة اللي فاتت، وتحتها كتب بخطه اللي كبر وبقى خط رجالة: “عيلة مش مثالية.. بس عيلتنا إحنا”.
في اللحظة دي بس، وأنا بقلب الألبوم وبص لملامح حفيدي ، أدركت الحقيقة كاملة: انتصاري الحقيقي والغالى ما كانش في ملايين أسهم البورصة ولا الطفرة اللي حصلت ولا الفلوس اللي سددت ديونهم.. انتصاري كان في إنني اتعلمت إن العيلة والبيت ما بيتبنوش على المثالية، ولا على المظاهر، ولا على كثرة المال.. العيلة بتتبنى على الإصرار، والنفس الطويل، والشجاعة في إنك تواجه الحقيقة المرة وتصلحها، والقدرة على إنك تبدأ من جديد مهما كان الشرخ كبير ومهما عدت سنين من الجفاء.
وفي الليلة دي، لما روحت شقتي في القديمة المعادي، فتحت الصندوق القديم المنسي.. صندوق أبويا الصندوق اللي كنت محتفظة فيه بقصاصات رسالتي الممزقة والورقة الصفراء الجارحة وهدايا السنوات الضائعة. نقيت كذا حتة صغيرة من الجواب المفروم وشلتهم في محفظتي؛ كعلامات وإشارات تفكرني دايماً بطريق صعب وطويل وفيه شوك، بس قادنا في النهاية لمكان أفضل وأنظف بكتير، وخلى ابني يرجع لأحضاني وحفيدي يتربى وسط عيلته.
الماضي مستحيل يتمسح أو يتغير.. بس المستقبل لسه في إيدينا وبنكتبه سوا، طوبة طوبة.
الكاتبة نرمين عادل همام
تمت
