حفنة ملح ج الاخير بقلم ندى الجمل

ج الاخير

حماتي بصت لأحمد بصدمة، وبعدها ضحكت ضحكة كلها سخرية وقالت:
“يعني مراتك لعبت في دماغك؟ بقى أنا أمك، وتيجي النهارده تقف ضدي؟”
قال أحمد بهدوء: “محدش لعب في دماغي… أنا شفت الحق متأخر.”
ردت بعصبية: “الحق؟! الحق إن مراتك وأمها دخلوا بيني وبين ابني. من يوم ما اتجوزتها وأنا مش شايفة منك غير العقوق.”
سكت أحمد، لكن المرة دي كان سكوته مختلف.
أما أنا، فقولت: “أنا عمري ما طلبت منك غير الاحترام. أمي عمرها ما غلطت فيكي.”
حماتي بصتلي بنظرة كلها كره وقالت: “ومن النهارده لا إنتِ ولا أمك ليكم رجل في بيتي.”
رد أحمد بسرعة: “يبقى أنا كمان مليش رجل فيه.”
البيت كله سكت.
حتى نجلاء شهقت وقالت: “إيه اللي بتقوله ده يا أحمد؟”
قال وهو ماسك إيدي: “البيت اللي أمي تهين فيه أم مراتي، ويبقى ده شيء عادي… ما ينفعش يبقى بيتي.”
دخل أوضتنا، وبدأ يلم هدومه.
كنت ببصله وأنا مش مصدقة.
قولتله: “إنت بتعمل إيه؟”
قال: “هنمشي. هنأجر شقة، حتى لو أوضة وصالة. المهم نعيش بكرامتنا.”
ولأول مرة من يوم جوازنا، حسيت إن جوزي واقف في ضهري بجد.
بعد يومين، نقلنا لشقة صغيرة بالإيجار.
مكنتش فخمة، لكن كانت مليانة راحة.
أمي أول ما عرفت، رفضت تسيبنا لوحدنا.
كانت كل يوم تبعتلنا أكل، وتسأل علينا، وتدعيلنا.
أما حماتي…
فكانت مستنية إن أحمد يرجع يعتذر لها.
لكن الأيام عدت…
وأحمد لا اتصل، ولا حتى راح يشوفها.
وده كان أول درس تتعلمه في حياتها… إن الظلم ممكن يكسب جولة، لكنه عمره ما يكسب المعركة كلها.
لكنها ما استسلمتش…
وفي يوم، عملت حاجة مكنتش تخطر على بال حد… حاجة هددت بيها استقرار جوازنا كله.

بعد أسبوع من انتقالنا للشقة الجديدة، بدأت أحس إن حياتنا أخيرًا هتهدى.
أحمد بقى يرجع من الشغل وهو مبتسم، ولأول مرة من شهور كنا بناكل سوا من غير خناق ولا توتر.
كنت فاكرة إن الموضوع انتهى…
لكن كنت غلطانة.
في يوم، وأنا بنضف الشقة، رن تليفون أحمد.
بصيت على الشاشة، لقيت اسم نجلاء.
رد وهو فاتح السماعة.
سمعتها بتقول وهي بتعيط:
“الحقني يا أحمد… ماما وقعت من على السلم، والدكتور بيقول حالتها النفسية وحشة جدًا، وكل اللي هي فيه بسبب إنك سبتها.”
وشه اتغير في ثانية.
قفل المكالمة، ولبس هدومه بسرعة.
قولتله: “هروح معاك.”
هز راسه وقال: “يلا.”
أول ما دخلنا بيت العيلة، حسيت إن في حاجة مش طبيعية.
كل الناس كانت باصة لي.
عمته، وخالته، وجارتهم أم سعيد…
كلهم كانوا بيهمسوا أول ما يشوفوني.
وفجأة، وقفت حماتي قدام الكل وقالت بصوت عالي:
“أهي اللي خربت بيت ابني… فرقت بيني وبينه.”
حسيت إن الأرض بتميد بيا.
لكن أحمد سبقني في الرد.
قال: “كفاية يا أمي.”
صرخت فيه: “لأ… مش كفاية. خلي مراتك تقول لأهلها يبطلوا يسحروا ابني ويبعدوه عني.”
ساعتها… أبويا كان داخل من باب البيت.
كان جاي يطمن علينا بعد ما عرف إن في مشكلة.
سمع آخر جملة قالتها حماتي.
وقف مكانه، وبص لها بكل هدوء وقال:
“أنا ساكت من أول المشكلة احترامًا لسني وسنك… لكن اتهام مراتي وبنتي بالسحر، ده كلام لازم تتحاسبي عليه.”
البيت كله سكت.
أبويا كمل كلامه وقال:
“إحنا ناس عمرنا ما أذينا حد، واللي عنده دليل يطلعه. أما رمي الناس بالباطل، فده ظلم.”
حماتي حاولت تتكلم…
لكن لأول مرة، محدش من قرايبها وقف في صفها.
حتى نجلاء قالت بصوت واطي:
“يا ماما… كفاية بقى.”
وساعتها… عرفت إن الكفة بدأت تميل ناحية الحق، وإن الأيام الجاية هتكشف أسرار كانت مستخبية من سنين.

أبويا كان لسه واقف، والهدوء مالي المكان.
وفجأة، لقيت واحدة ست كبيرة داخلة من باب الشقة.
أول ما حماتي شافتها، وشها اصفر.
الست قالت: “السلام عليكم.”
ردينا عليها، إلا حماتي… فضلت ساكتة.
بصت الست حوالين البيت وقالت: “واضح إني جيت في وقت مناسب.”
أحمد سألها: “حضرتك مين؟”
قالت: “أنا أم مصطفى… مرات ابني كانت ساكنة هنا قبل كده.”
بصيت لأحمد باستغراب، وهو كمان كان مش فاهم.
الست كملت وهي بتبص لحماتي: “أنا سمعت اللي اتقال دلوقتي… نفس الكلام بالحرف اللي اتقال لبنتي من عشر سنين.”
اتجمدت حماتي.
أما نجلاء، فقالت باستغراب: “إيه الكلام ده يا طنط؟”
تنهدت الست وقالت: “ابني كان ساكن في نفس العمارة بعد جوازه. وفي يوم نزلت أزور بنتي، وأول ما دخلت العمارة… والدت أحمد استقبلتني بنفس الطريقة. قالت إننا بتوع أعمال وسحر، وفضلت تنشر الكلام بين الجيران.”
سكتت لحظة، ومسحت دموعها.
“الناس صدقتها… وبنتي مبقتش قادرة ترفع عينها في حد. المشاكل كترت بينها وبين جوزها، وفي الآخر اتطلقوا.”
أحمد بص لأمه بصدمة.
قال: “الكلام ده حقيقي يا أمي؟”
حماتي حاولت تضحك وقالت: “ست كبيرة وخرفت… متصدقهاش.”
لكن الست طلعت من شنطتها صورة قديمة.
كانت صورة تجمع أهل العمارة في فرح.
وفيها حماتي واقفة، وبتشاور على أم مصطفى وهي بتتكلم مع الجيران.
وقالت: “في اليوم ده بدأت الإشاعات.”
أحمد حس إن الأرض بتتهز تحت رجليه.
أما أنا…
فافتكرت نظرة أمي وهي بتقولي: “اسكتي يا بنتي… علشان خاطري.”
وقتها عرفت إن أمي سكتت عشان تحافظ على بيتي…
لكن سكوتها كان هيخلي الظلم يتكرر مع غيرها.
أبويا قرب من أحمد وربت على كتفه وقال: “الحق عمره ما بيضيع يا ابني… حتى لو اتأخر.”
وأول مرة… شفت أحمد يبص لأمه بنظرة كلها خذلان، كأنه اكتشف إن الإنسان اللي كان بيدافع عنه طول عمره، هو نفسه سبب وجع ناس كتير.

حماتي كانت باصة في الأرض، لأول مرة مش لاقية كلمة ترد بيها.
الهدوء اللي ملأ البيت كان أصعب من أي خناقة.
أحمد أخد نفس طويل وقال:
“أنا عايز أسمع الحقيقة… من غير كدب.”
رفعت حماتي عينها وقالت بعصبية:
“أيوه… أنا قولت عليهم بتوع أعمال. مش هما بس… أي حد كنت أحس إنه هيبعد ابني عني، كنت بخوف الناس منه.”
شهقت نجلاء وهي بتقول:
“يعني كنتِ عارفة إنك بتظلميهم؟”
ردت وهي بتبكي:
“أنا كنت خايفة… بعد ما أبوكم مات، أحمد كان كل حياتي. ولما اتجوز، حسيت إني هبقى لوحدي.”
قال أحمد بحزن:
“الخوف عمره ما يديكي الحق تكسري الناس.”
بصتلي حماتي لأول مرة، وقالت بصوت واطي:
“أنا ظلمت أمك.”
افتكرت أمي وهي ماسكة إيدي على السلم، وبتقولي: “اسكتي يا بنتي.”
الكلمة كانت لسه بترن في وداني.
قولتلها بهدوء:
“أمي سامحتك من أول لحظة… لكن الكرامة لما تتكسر، صعب ترجع زي الأول.”
سكتت، وبدأت دموعها تنزل.
أبويا قام من مكانه وقال:
“إحنا مش جايين نكسب خناقة… إحنا جايين نرجع حق.”
وبص لأحمد وقال:
“لو عايز ترجع حق مراتك وأمها، خلي الاعتذار قدام نفس الناس اللي اتشهر بيهم.”
هز أحمد راسه وقال:
“معاك حق.”
وفي يوم الجمعة، بعد الصلاة، وقف أحمد قدام باب العمارة، والجيران كلهم موجودين.
وقال بصوت عالي:
“أنا أحمد… وبعتذر قدامكم كلكم لأم مراتي. الاتهامات اللي اتقالت عنها ظلم وافتراء، ومفيش أي دليل عليها. واللي حصل كان غلط، وأنا آسف إني سكت.”
كل الناس بصت على حماتي.
كانت واقفة ورا ابنها، ودموعها نازلة.
وبصعوبة قالت:
“سامحيني يا أم ليلى… أنا غلطت في حقك.”
في اللحظة دي، أمي ابتسمت ابتسامتها الهادية، وقالت:
“أنا مسامحاكي… وربنا يسامحنا جميعًا.”
حسيت وقتها إن الحمل اللي كان فوق صدري وقع.
مكنتش فرحانة إن حماتي اتكسرت…
كنت فرحانة إن كرامة أمي رجعت قدام كل الناس، وإن حقها رجع من غير ما نظلم حد.
وساعتها بس… حسيت إني أخدت حق أمي تالت ومتلت.
تمت
بقلم ندى الجمل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *