المال الحرام ج الاخير بقلم الكاتبة نرمين عادل همام

ج الاخير من الواقع

لقيته حط راسه بين إيديه ونطق وصوته مخنوق: 

— أنا لما كنت شاب صغير وأول ما رجلي عتبت هنا، فيه ناس سحلتني ودخلتني العالم ده. كنت جاي على بياض، ومعاياش ولا مليم ولا لقمة آكلها. لما واحد يعرض عليا عرض زي ده، مكنتش قادر أقاوم.. قولت لنفسي هتدبس شوية، أجمع قرشين حلوين وأخلع فوراً. بس الحقيقة.. المستنقع ده اللي بيدخله مبيعرفش يطلع منه.

بصيت له نظرة طويلة أوي، وحاولت أجمع كل ثباتي وقوتي عشان أنطق وصوتي ميرتعش: 

— شوف يا كريم.. يا حبيبي، أنا فعلاً بحبك ومبكرش ده، بس أوعى في يوم تتوقع مني إني أقدم رضاك ولا حبي ليك على رضا رب العالمين. أنا مستحيل أعيش عيشة كلها حرام في حرام. ودلوقتي، بما إن ربنا مأكرمنعش بعيال لسه، ومفيش حاجة تكسر ضهرنا، قدامك خيار من اتنين تختارهم:

يا أنا.. يا الشغلانة دي. بصلي وهو مذهول ومش مصدق:

— يعني إيه يا ندى؟

— يعني يا تسيب القرف ده.. يا تطلقني حالا.

الكاتبة نرمين عادل همام

هو كان بيعشقني ومتعلق بيا لدرجة جنونية، وأنا كنت عارفة كدة كويس، وعشان كدة حبيت أمسكه من الإيد اللي بتوجعه. أول ما سمع كلمة الطلاق دي، حاله اتقلب 180 درجة.. 

قعد يعيط زي العيال الصغيرة ويتوسل ليا إني مسبهوش ولا أتخلى عنه. صوته كان مكسور، وإيديه بترتعش، ووشه باين عليه رعب حقيقي من فكرة إني أضيع من إيده. قالي إن العالم ده خطير ومتشابك، وميقدرش ينسحب منه فجأة كدة وإلا يقتلوه، بس وعدني وعد رجالة إنه هيسحب رجله بالتدريج، وكل اللي محتاجه شوية وقت عشان يخرج بأمان من غير ما يأذوه. 

كنت بسمعه وقلبي بيتأرجح بين حبي ليه وخوفي منه ومن سكته:

— تمام.. أنا هديك فرصة ووقت، بس بعد كدة م تلومش غير نفسك. ومن اللحظة دي، أنا مش هيدخل جوفي قرش حرام تاني.. أنا هشتغل وأصرف على نفسي. قالي بنبرة يائسة ومستسلمة:

— اعملي اللي إنتِ عايزاه، بس أرجوكي متبعديش عني.

وفعلاً، نزلت واشتغلت، وبقيت أصرف على نفسي من تعبي، ومن اليوم ده مأخدتش منه ولا جنيه واحد. عشنا على الوضع ده سنة كاملة.. وخلال السنة دي، كان كل شوية يرجع ويقولي ديون، ويأجل، ويحلف إن دي آخر طلعة وآخر مرة، ويستحلفني بالله إني أصدقه ويقولي مأقدرش أعيش من غيرك. 

وفي كل مرة كنت ببلعله الزلط وأديله فرصة جديدة. لحد ما في الآخر جبت آخري وحطيت له تاريخ واضح: لو اليوم ده جه وإنت مخرجتش من العالم الزفت ده، أنا هسيب الفيلا وهخرج فوراً. وافق، بس المهلة اللي اديتهاله دي.. شالتلي مصيبة عمرها ما خطرت على بالي!

تخيلي.. بقى يحطلي نوع من المخدرات والممنوعات دي في أكلي وشربي من غير ما أحس! وبدأت أفقد نفسي وتوازني تماماً. مرة أكون مكتئبة وضلمة، مرة حزينة وبموت، ومرة مبقاش طايقة كلمة من حد وأقعد أعتزل الناس كلها وأكسر في كل حاجة حواليا.. 

ومرة ثانية ألاقي نفسي في نشوة غريبة وطايرة وفرحانة بشكل مبالغ فيه كأني لمسة السما! كان بيعمل فيا العمايل دي شهور طويلة وأنا مغمية ومش دريانة، ومستغربة إيه اللي بيجرى فيا ومن جوايا. كنت بظن إني مسحورة، أو محسودة، أو جالي مرض نفسي واكتئاب، أو لخبطة هرمونات وضغط الغربة.. 

الكاتبة نرمين عادل همام

لحد ما قولت لنفسي:

 “لازم أنزل مصر أزور أهلي.. أنا مبقتش عارفة ندى اللي في المراية دي”.

وفي يوم، جالي وبص في عيني وقال: 

— ندى، أنا جبتلك الحبوب دي، دي فيتامينات مقوية وفي نفس الوقت مهدئة للأعصاب.. بيستعملوها عشان الاكتئاب، طبيعية مية في المية ومن أعشاب وملهاش أي ضرر. أنا مجربها بنفسي وبتحسن حالتي جداً.

وثقت فيه زي الهبلة والساذجة، وبقيت أبلع الحبوب دي بإيدي.. كنت دايماً أطلب منه أشوف العلبة، بس مكنش بيرضى يوريهالي أبداً. ومع الوقت، مبقتش أعرف أعيش ولا أشوف طعم للدنيا من غير الحبوب دي اللي كان بيسميها “علاج الاكتئاب”. صدقت نفسي إني مريضة بجد، وبقى مزاجي متقلب،

وبدأت أسمع وأشوف هلاوس غريبة.. دمرني تماماً، رماني في الهلاك والموت ببطء، كل ده عشان بس مقدرش أطلب منه الطلاق!

وفي مرة، فتحت الإنترنت وبدأت أدور على الأعراض اللي بتموتني دي.. 

لقيت مواقع بتقول إن دي آثار أدوية نفسية. قولت لنفسي:

 “بس أنا مباخدش أدوية نفسية، يبقى مش هو ده”. وفضلت أنبش وأدور، لحد ما وصلت لمواقع تانية بتشرح إن دي أعراض مادة مخدرة.. المادة دي بالذات هي نفس الحاجة اللي قولتلكوا إنه بيتاجر فيها!

هنا أنا لجمت.. خوفت.. وجالي شك يوقف الدم في العروق؛ ما هو أصلاً شغال في القرف ده، يبقى لازم أتأكد!

وفي المرة اللي بعدها، جابلي الحبة كالعادة، عملت نفسي ببلعها قدامه وداريتها تحت لساني. أول ما خرج، لبست ونزلت جري.. قابلت ناس من اللي عايشين هنا، ووريتهم الحبة وسألتهم عنها. الصدمة شلتني لما قالولي اسمها المعروف في السوق.. أيوا، طلعت هي نفس المادة المخدرة! قالولي بصدمة: 

— دي نوع من الممنوعات اللي إنتِ عارفاها يا ندى!

رجعت الفيلا وأنا في حالة يعلم بيها ربنا.. فقدت الثقة في كل حاجة؛ في نفسي، في جوزي، في بيتي. مشاعر صعبة مفيش كلام يوصفها.. والله العظيم ما أتمناها حتى لعدويا:

خيبة، على كره، على انكسار وكسرة نفس. عرفت إني انتهيت، والمصيبة الأكبر إن جسمي خلاص مبقاش قادر يعيش من غير الحبوب دي!

جمعت شجاعتي كلها، وروحت على بيت أخوه.. حكيت لأخوه ولسلفتي على كل حاجة ومن طقطق لسلام عليكم. أخوه اتصدم صدمة عمره، وبصلي بذهول وقالي: 

— والله العظيم ما عارف أقولك إيه، ولا حتى عارف أساعدك إزاي.. أنا مشلول ومصدوم! عمري ما توقعت إن أخويا يعمل فيكي كدة.. دي إنتي مراته وعرضه! فيه حد يدمر مراته بإيده ويعرضها للموت والخطر كدة؟!

اسمعيني يا ندى.. لمي هدمك وارجعي بلدك وأهلك فوراً.. أنا ومراتي خايفين عليكي هنا، وإنتي لازم تخافي على نفسك. اللي عمله ده يخوف بجد، ومش بعيد يعمل فيكي الأسوأ لو قعدتي معاه يوم كمان!

الكاتبة نرمين عادل همام

خرجت من عندهم، ورغم كل الوجع والقهر اللي عاصر قلبي، مسمعتش نصيحته. قولت في بالي وعيني بتطق شرار: 

— والله لآخد حقي منه.. والله ما هسيبه في حاله، ولازم أحط حد للشيطان ده عشان مياذيش حد تاني.

ومن بيت أخوه طلعت على القسم عل طول. قدمت بلاغ رسمي وحكيت فيه كل التفاصيل من أولها لآخرها. أخدوني ومضوني على مركز خاص برعاية الستات المعنفات، وهناك رفعت قضية طلاق فوراً. وبقى عليه قضيتين توديه ورا الشمس: 

الأولى بسبب المخدرات والإدمان اللي وصلني ليه، والتانية قضية الطلاق.

بعد كام يوم، جالي المحامي بتاعه، قعد معايا وقال بنبرة فيها تحذير:

 — أنا هقولك كلمتين لوجه الله وإنتي حرّة.. الراجل ده خطير، وهيسحلك في المحاكم في القضية الأولى والتانية، وممكن يعمل فيكي حاجات أسوأ بكتير من اللي تتخيليها. وبعدين إنتي أصلاً معندكيش دليل مادي يثبت إنه هو اللي كان بيحطلك الحاجات دي في الأكل ويدفعك للحالة دي. بصيت له وقولت:

 — معنديش دليل فعلاً. قال لي: 

— يبقى القرار يرجعلك يا مدام ندى. رديت عليه بكل ثبات وقوة: 

— طيب.. أنا عايزة الطلاق. هز راسه وقال بهدوء: 

— عادي، دي تقدري تاخديها وتخلصي.

قعدت مع نفسي أفكر شوية، وكان قراري واضح وجاي من جوايا: أنا هطلب الطلاق وبس، وهفوض أمري لله وموش عايزة أنتقم. وبناءً على كدة تنازلت عن القضية الأولى اللي كنت رافعاها.

بعدها اتنقلت لمركز علاج الإدمان، قعدت فيه أسبوع كامل بسموم بتنسحب من جسمي، ومن هناك اتنقلت لمستشفى الأمراض النفسية والعقلية.. تخيلوا كريم وصلني لحد فين! الدكاترة هناك قالوا إن حالتي كانت صعبة ومستعصية لأبعد حد.. فحسبنا الله ونعم الوكيل.

دي كانت أصعب وأقسى مرحلة عشتها في حياتي كلها، مكنتش دريانة بحاجة في الدنيا، وفضلت في المستشفى شهور باخد العلاج، لحد ما ربنا مَنّ عليا بالشفاء التام والنهائي من البلاء والكابوس اللي كنت فيه.

وأخيراً.. اتطلقت وخلصت منه. والحق يتقال، الجمعيات والمؤسسات هناك مقصروش معايا واصل؛ وقفوا جنبي وسندوني لحد ما لقيت شغل في مدينة تانية بعيدة خالص عن المدينة اللي كان فيها،

بس في نفس إيطاليا. لقيت سكن على قدي، واعتمدت على نفسي، وبقيت مسؤولة عن كل شيلتي وعيشتي لوحدي، وتأقلمت بسرعة مع حياتي الجديدة.. كنت مرتاحة والضحكة رجعت لوشي وسعيدة بجد.

أما سلفتي، فعلاقتي بيها لسه مستمرة لحد النهاردة، لسه صاحبات وأخوات، والله العظيم دي الأخت اللي لم تلدها أمي ومقدرش أستغنى عنها.

وبعد سنتين تقريباً، اتقدم لي راجل ابن حلال  واتجوزته، والحمد لله حياتي النهاردة هادية ومستقرة وفي أمان. بنشتغل سوا، وبنكسب قرشنا، وبنأكل لقمة حلال مية في المية من عرقنا وشقانا. وربنا كرمني وبقيت أم لطفل زي الملاك.. يا رب لك الحمد والشكر حمداً كثيراً.

فعلاً.. مش كل اللي بيلمع دهب، وقرار الجواز ده بالذات م ينفعش يتاخد غير بعد ما نسأل وننبش ورا الطرف التاني في أدق أدق الأمور. وكلمة حق هقولها: العلاقات اللي م ترضيش ربنا، نهايتها عمرها ما هترضيك..

ابعدوا عنها من أول سطر. دوروا على التفاصيل.. تفاصيل التفاصيل. القرش والفلوس مهمة، أيوا مهمة، بس أوعوا تخلوها أكبر همكم وتعمي عيونكم عن الحقيقة.

اعرفوا دايماً مصدر القرش اللي بيدخل بيوتكم وبيتكتم منه: يا ترى حلال ولا حرام؟ وخافوا دايماً من البني آدم اللي م بيخافش ربنا.. لأن اللي م بيخافش من ربنا، عمره ما هيخاف ربنا فيكم، وهتشوفوا على إيده الأهوال والعجايب.

بقلمي نرمين عادل همام

تمت بحمد الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *