النص بالنص الجزء الاخير للكاتبة نرمين عادل همام
ج الاخير
بصيت له بثبات وقولتله بكل برود:
— “لحد ما حكم المحكمة يصدر كمان كام أسبوع.. مابقاش ليك مكان هنا خلاص”. المحامي خطى خطوتين وسلمه إعلان رسمي بدعوى الطلاق للضرر، ومعاه أمر قضائي مستعجل من المحكمة بمنعه من التصرف في أي أصول أو سحب أي مليم يخص تركة وحساب المرحوم أسامة الشناوي، بما فيها شقة التجمع الخامس.
شريف قرأ الأوراق، وفي ثانية وشه اتقلب وغير إستراتيجيته تماماً لما لقى الخناق ضاق عليه. في الأول، اتعصب جداً وصوته جاب آخر الشارع:
— “أنا عملت كل ده عشان أضمنلك مستقبل نظيف! عشان أأمن حياتنا سوا!” ولما لقى الزعيق مش جايب همة، عينيه دمعت واتمسكن وقال:
الكاتبة نرمين عادل همام
— “يا دينا.. أنا اتعودت على مستوى معيشة معين وخفت نقع، أنا غلطت.. بس كل بني آدم بيغلط”. وفي النهاية، لف اللفة ورجع يرمي اللوم عليا وعلي أهلي وقال بجبروت:
— “لو كنتِ إنتي وأبوكي عندكم طموح وبتفهموا في السوق، مكنتش اضطريت آخد قرارات بالنيابة عنكم!”
العبارة دي بالذات، مسحت من قلبي أي شك أو تراجع كان ممكن يحصلي، وقولتله وأنا باصة في عينيه بقرف:
— “إنت ما أخدتش قرارات بالنيابة عننا.. إنت سرقتني ونهبتني عشان افتكرت إن ثقتي فيك وأمانتي غباء وقلة حيلة”. حاول يقرب مني ويتمسكن، بس الحاجة ثريا وقفت في الوش وحجزت بيننا وقالت بحسم:
— “سلم المفاتيح اللي في جيبك يا شريف، واخرج بره”. بص لأمه بنظرة كلها كره وغل وقالها: — “حتى إنتي يا أمي؟ إنتي كمان بعتيني وخنتيني؟” ردت عليه بوجع وأسى:
— “لأ يا شريف.. أنا بس مبقتش أحميك من قذارة عمايلك، ولازم تشيل شيلتك”.
شريف لم هدومه في شنطتين، وأخد الساعات والأجهزة اللي قدر يثبت بفواتير إنها بتاعته، أما باقي الحاجة فالمحامي أثبتها في محضر الجرد. وقبل ما يخرج من باب الشقة، التفت ناحيتي وبصلي بغل وقالي:
— “هتفشلي لوحدك يا دينا.. ومش هتعرفي تعيشي من غيري”. رديت عليه وثقتي بتهز الجدران:
— “أنا دفعت تمن الشقة دي ومصاريفها 6 سنين كاملة من شقايا وتعب عيني وأنا معرفش إنها بتاعتي أصلاً.. تخيل بقى هعمل إيه وهصرف إيجاري في إيه لما بقيت لوحدي وبدون قرفك ودعمك المزيف”.
القض..ية في المحاكم والمحاضر استمرت شهور طويلة..
تقارير خبراء وزارة العدل، وجلسات، ومراجعة حسابات. النيابة أثبتت في تقرير الطب الشرعي وأبحاث التزييف والتزوير إن الإمضاءات على عقود السحب والتوكيلات كانت مزورة ومقلدة بخط إيده.
شقة التجمع الخامس دخلت حظر قضائي واتباعت في المزاد العلني بأمر المحكمة عشان يتردلي جزء من الفلوس المنهوبة من الحساب.
شريف اترفد من شركة المقاولات الكبيرة اللي كان شغال فيها، بعد ما إدارة الشركة عرفت إنه استخدم أوراق واختام داخلية عشان يعمل تقييمات عقارية مزورة للشقة. وفي الآخر، وتحت ضغط الحبس، وافق على تسوية قضائية تضمن تعويض مالي كبير ليا عن الأضرار، مع حكم مع وقف التنفيذ بشروط مراقبة صارمة.
شريف منتهى بيه الحال تحت الكوبري ولا اختفى زي شرير في المسلسلات، هو حصله حاجة واقعية وأقسى بكتير.. خسر سمعته في السوق، وخسر الرفاهية والعربيات، وخسر السيطرة المريضة اللي بناها بالكدب والخداع.
عمي رأفت رجع الجزء اللي قدر عليه من الفلوس وشهد ضده في النيابة عشان يحمي نفسه من السجن. أمي مقاطعاها تماماً ومسامحتوش، وأنا كمان عمري ما هسامحه..
المسامحة مش معناها دايماً إننا نرجع الخاين لحياتنا تاني. أما مع الحاجة ثريا، فالوضع كان مختلف.. مكنتش بقدر أتعامل كأن مفيش حاجة حصلت، وقولتلها في يوم بصراحة:
— “إنتي شوفتي بعينك لسنوات هو كان بيعاملني إزاي وبيذلني في القرش. يمكن مكانش عندك علم بالنصب والسرقة، بس كنتِ عارفة وسامعة إهانته ليا”. بكت وقالت:
— “كنت بفتكرها مشاكل متجوزين وبتتحل بينكم، ومكنتش عايزة أخرب بيتك أو أتدخل”. رديت عليها:
— “السكوت في وقت الظلم بيبقى برضه مشاركة في الظلم يا حاجة ثريا”. الحاجة ثريا بدأت تتابع مع دكتور نفسي، وبطلت تبرر لعمايل شريف. ومع الوقت، حافظنا على علاقة فيها ود بس من بعيد، وبحدود واضحة.. مبقتش أمي التانية، بس بقت ست محترمة قررت، حتى لو متأخر، إنها تقف مع الحق وتعمل الصح.
لما الفلوس والتعويضات رجعتلي، أول حاجة عملتها إني جددت الشقة بالكامل..
غيرت البوتاجاز اللي كان ذالني بيه، ودهنت الحيطان بألوان مبهجة، واشتريت ثلاجة جديدة كاش ومن غير تقسيط ولا فوايد. وفي أول يوم، نزلت السوبرماركت ومليت الثلاجة على آخرها فاكهة، وجبن، ولبن، وعيش، وأكل غالي ونظيف لـلكلب “بوجي”.
كمان سبت شغلي كموظفة استقبال في عيادة الأسنان، وبفلوس التعويض فتحت مركز استضافة رعاية أطفال صغير وحضنة في منطقة سان دييجو في السيدة زينب، وسميته “بيت أسامة” على اسم بابا الله يرحمه.
عملت فيه جنينة بسيطة للألعاب، وكتب قصص مستعملة، وظبطت المواعيد والأسعار عشان تناسب الأمهات العاملات المطحونات اللي بيشتغلوا في أماكن بعيدة وبيتأخروا في المواصلات زي ما كنت بتبهدل زمان. المشروع مكنش بيعمل ملايين، بس كان بتاعي.. بتاعي ومحدش شريك فيه.
بعد شهور، وأنا خارجة من المركز، لقيت شريف واقف مستنيني بره عند العربية. كان باين عليه التعب والهم، قالع الساعة الماركة، ومبقاش فيه الثقة والغرور اللي كان بيملا بيهم أي مكان يدخله. قرب مني وقال بصوت مكسور:
— “دينا.. ممكن نتكلم؟ أنا دفعت مبالغ كبيرة في التسوية والتعويضات وخسرت كل حاجة”. بصيت له وأنا بفتح باب عربيتي بكل ثقة وقولتله:
— “إنت مدفعتش تعويض يا شريف.. إنت يا دوب رديت جزء من الفلوس اللي سرقتها مني ومن أبويا الميت”.
بصلي بندم حقيقي وعينيه مكسورة ومطفية بعد ما خسر كبريائه وقوته، وقال بنبرة مرتعشة:
— “أنا كنت بحبك يا دينا.. والله العظيم كنت بحبك، بس غماوة طمع عميت عيني وغلطت في حقك”. بصيت له بكل هدوء وثبات، مكنش فيه في قلبي أي غل أو رغبة في الانتقام، كان فيه بس برود تام زيه زي الجدران اللي واقفين جمبها، وقولتله:
— “إنت مكنتش بتحبني يا شريف.. إنت كنت بتحب السيطرة اللي بتمارسها عليا،
كنت عايزني أصدق وأقتنع من جوايا إني ضعيفة، ومقدرش أعيش ولا أتنفس ولا أتحرك خطوة واحدة من غيرك، كنت بتهد في كرامتي كل يوم عشان تفضل كاسرني ومتحكم فيا وفي مصيري، وتضمن إني مش هفوق أبداً ولا هكتشف اللعبة”.
طلب مني العفو والأمان، وقعد يتحايل عليا ويدور في عيني على أي نظرة رضا أو مسامحة، ويمكن فعلاً كان صادق في اللحظة دي وحاسس بحجم الكارثة اللي عملها، ويمكن كان مجرد بني آدم وحيد وخايف، انفض من حوليه كل المظاهر اللي كانت بتلمعه فجأة، وبقى بيدور على أي طوق نجاة يرجعه للدنيا تاني.
بس أنا مكنتش محتاجة أعرف نيتة الحقيقية إيه، ولا بقت تفرق معايا في شيء؛ لأن اللي بيموت جوايا مبيرجعش دافي تاني. وقفت وبصيت في عينيه وقولتله كلمتي الأخيرة والنهائية:
— “أنا مسمحاك يا شريف.. مسمحاك عشان نفسي وعشان راحتي أنا، عشان أشيل حملك وقرفك وذكراك المرة من قلبي ومفكرش فيك ولا ثانية تانية وأنا ببني حياتي الجديدة، بس إياك تفتكر إن المسامحة دي معناها رجوع.. أنا عمري ما هديك فرصة تانية تلمس فيها حياتي أو تقرب من بابي، إنت صفحة سودة واتقفلت من كتابي”. لف ضهره ومشي بخطوات تقيلة ومن سكات، من غير ما يحاول يجادل أو يدافع عن نفسه؛ لأنه بصل السواد اللي في عيني وعِرف وفهم إن دينا القديمة، المغفلة اللي كانت بتصدق كلامه وتسمح بالظلم، ماتت واندفنت خلاص، والواقفة قدامه دي ست تانية خالص هو ميعرفهاش.
في الليلة دي، بعد ما رجعت بيتي وقفلت عليا الباب، قعدت على السجادة في هدوء تام، وفتحت العلبة الصفيح القديمة بتاعت بابا تاني وبدأت أقلب في الأوراق والذكريات،
فجأة لقيت ورقة صغيرة تانية مطوية بعناية في قاع العلبة ومكتوبة بخط إيده الواضح الثابت، كان كاتب فيها جملة دمعت ليها عيني ولمست روحي من جوه:
“البيت يا بنتي مبيحميش صاحبه من غدر الزمان لو صاحبه اتهان فيه، واتربى جواه إنه يحس بالصغر والقلة والمهانة.. خلي بيتك دايماً مكان دافي، مكان تقدري تتنفسي فيه بحرية وتفردي ضهرك وإنتي مطمنة”. أخدت الورقة دي وعيني بتلمع بدموع الفخر بوالدي، ورحت تاني يوم بروزتها في برواز خشبي شيك، وعلقتها في مكان واضح ومميز عند مدخل مركز الأطفال الجديد بتاعي في السيدة زينب، عشان تكون أول حاجة عيني تقع عليها وأنا داخلة كل يوم، وتفكرني دايماً بأصلي.
لسنين طويلة وضايعة من عمري، كنت فاكرة وواهمة نفسي إن القوة والصبر هما إني أستحمل الذل والإهانة، وأشيل فوق طاقتي، وأكتم وجعي في قلبي، وأقشف في اللقمة والمصاريف وأحرم نفسي من الهوا عشان متسببش في مشاكل والبيت يمشي وميخربش. بس دلوقتي، وبعد كل اللي مريت بيه،
أنا اتعلمت ووعيت وعرفت إن القوة الحقيقية في الدنيا هي إنك تطلبي حقك بـ عين قوية، وتراجعي ورا أي حد مهما كانت درجة قرابته ليكي، وتحطي حدود حمراء وعريضة لكرامتك مفيش مخلوق يتخطاها، وتمشي وتنفدي بجلدك فوراً وبدون تردد لو لقيتي الراجل اللي معاكي بيحول الحب والمودة لدفتر ديون، وأقساط، وفواتير بيمضيكي عليها ويذلك بيها.
وأنا راجعة البيت بالليل، ركنت عربيتي ونزلت دخلت السوبرماركت الكبير اللي في أول الشارع، وبدأت أشتري صابون ريحة، ومساحيق غسيل من الغالية، وعلب ورق تواليت بـأحسن وأنظف الماركات الموجودة في السوق، ومحسبتش الفكة ولا فكرت في القرش. طلعت الشقة وفككت الأكياس كلها، ورصيتهم كلهم في وضح النهار وبمنتهى الفخر على الرف المفتوح في الحمام والكل يشوفهم. يمكن للناس اللي برا ولأي حد يشوف المشهد ده،
تبان دي حاجات تافهة، وصغيرة، ويومية ومتستاهلش كل الوقوف ده.. بس بالنسبة ليا أنا، كانت هي الانتصار الأكبر والدليل الحقيقي على إني بقيت حرة، ومابقيتش محتاجة أخبي أساسيات حياتي أو أتحايل على حد عشان أعيش كرامتي كاملة، وراسي مرفوعة لفوق في بيتي ومملكتي الخاصة.
الكاتبة نرمين عادل همام
تمت

