مسافر فرنسا ج 2 روماني مكرم
قرب حازم من اللاب توب وهو عاقد حواجبه، وعينيه بتتنقل بين وشي البارد وبين الشاشة. في اللحظة دي، ضغطت على زرار الإرسال من موبايلي اللي في جيبي.. رنت نغمة الرسالة المستلمة على شاشة اللاب توب تكتكة ورا تكتكة.
بص على الشاشة، ولمحت عينيه وهي بتتوسع ببطء، والصدمة بتسحب الدم من وشه لدرجة إن شفايفه ابيضت. الرسالة اللي ظهرت قدامه من أكونت “ميرا” كانت واضحة وصريحة:
“حمد الله على السلامة يا حازم.. هدى مراتك بتمسي عليك، وبتقولك الشقة الجديدة اللي جهزتها بفلوسك هي نفس الشقة اللي أنت واقف فيها دلوقتي، ومصاريف العزا والشبكة والعملية كلها اتجمعت في الحساب البنكي اللي مفتوح قدام عينك ده.. حساب ولادك اللي استخسرت فيهم اللقمة.”
لف راسه ليا ببطء زي التمثال المكسور، صوته طلع مخنوق ومش مفهوم: “أنتي.. أنتي ميرا؟”
ضحكت ضحكة عالية، بس كان فيها وجع يهد جبال، وقولتله: “أنا هدى يا حازم.. هدى اللي كانت بتصحى الفجر تدعيلك وتستحمل قشفك وبخلك وتقول معلش جوزي شقيان في الغربة وبيجمع القرش عشان يأمننا. طلعت بتجمع القرش عشان ترميه تحت رجلين واحدة متعرفهاش! تلات شهور وأنا عايشة معاك بوشين، وش الست الغلبانة المضحية اللي بتدلها بالقطارة، ووش السراب اللي كنت بتبيع عشانها الوراك والقدامك.”
حازم رمى الشنط من إيده واتقدم ناحيتي وهو بيزعق وعينيه حمرا زي الدم: “أنتي بتغفليني يا هدى؟ بتنصبي عليا وتسرقيني؟ الفلوس دي شقايا وعمري في فرنسا.. أنتي ست خاينة!”
رديت عليه بقوة وأنا بربع إيدي وواقفة بثبات عمري ما حسيته قبل كده: “الخاينة دي هي اللي صانت بيتك وعيالك في غيابك، الخاين هو اللي ساب مراته وحلاله ورايح يشتري ورقتين عرفي من المطار! والفلوس اللي أنت بتقول عليها سرقة، دي نفقة عيالي ومؤخري وحق شقايا معاك السنين اللي فاتت. أنا مأخدتش قرش مش حقي، أنت اللي كنت بتدفعه بكامل إرادتك وعمى عينك.”
قعد على أقرب كرسي وصدمته ا تحولت لذهول كامل، حط راسه بين إيديه وبدأ يتنفس بصعوبة. الراجل اللي كان نازل مصر وهو فاكر نفسه “عنتر” اللي رايح لحبيبته الجديدة، اكتشف إنه رجع على الحديدة، لمراته اللي عرفت حقيقته ودمرت الـوهم اللي كان عايش فيه.
بصلي من بين إيديه بنظرة انكسار مخلوطة بغل وقالي: “يعني إيه؟ يعني صفتيت كل حاجة هناك وجيت على مفيش؟ أنتي خربتي البيت يا هدى.. ضيعتيني.”
قربت منه، وطيت لمستواه وقولتله بالنص: “أنت اللي خربته يوم ما فكرت تشتري بفلوس عيالك متعة رخيصة في الحرام. أنت نازل تلاقي نفسك على الحديدة فعلاً.. لا ليك بره ولا ليك جوه.”
وقف فجأة وهو بيحاول يستجمع قوته ويزعق: “مش هسيبك.. هاخد الفلوس دي منك بالقانون، وهرفع عليكي قض..ية نصب!”
ابتسمت ببرود وقولتله: “أعلى ما في خيلك اركبه يا حازم. الفلوس دي متحولة بكامل إرادتك وباسم صاحبتي، وأنت باعت رسائل حب وغرام بتقول فيها ‘الفلوس فداكي يا حبيبتي’. تحب نوري الرسائل دي للمحكمة ولأهلك وأهلي ونفضح حكايتك؟ والا تحب نخلص بالمعروف؟”
الكلمات نزلت عليه زي الصاعقة، عرف إن الخناقة خسرانة من كل الاتجاهات، وإن الست اللي كانت بتخاف من زعله، بقت هي اللي سايقة اللعبة وممشياه على العجين م يلخبطوش.
طلع موبايله الشخصي وبص فيه، وبعدين بصلي وقالي بصوت مرعوب: “طب والعيال؟”
قولتله وأنا بلف ضهري وبمشي ناحية أوضة الولاد: “العيال هيفضلوا في حضن أمهم اللي أمّنت مستقبلهم.. وأنت قدامك ليلة واحدة تفكر فيها، يا تطلقني بالمعروف وتديني بقية حقوقي، يا إما الفضائح هتوصل لآخر العيلة وقض..ية الخلع هتترفع بكرة الصبح.”
دخلت الأوضة وقبل ما أقفل الباب، التفت وكتبتله أخر رسالة من أكونت “ميرا” الوهمي وأنا شيفاه قاعد في الصالة بيموت في جلده، كتبتله: ”
كتبتله: “انتهت اللعبة يا حازم.. وميرا طلعت هي الست اللي استخسرت فيها اللقمة، هدى اللي باعت دهبها زمان عشان تسافر، هي اللي أخدت حقها وحق عيالها منك تالت ومتلت.”
قعدت ورا الباب أسمع نَفَسه العالي وصوت تكسير خفيف في الصالة، كان بيخبط إيده في الحيطة من الغل، الغل من نفسه ومن غبائه قبل ما يكون مني. فضلت صاحية طول الليل، عيني ما غفلتش، حاطة ولادي في حضني وببصلهم وأقول: “خلاص يا حايين.. أمنتلكم حياتكم من غدر أبوكم.”
الصبح طلع، والشمس نورت الأوضة، قومت غسلت وشي، ولبست عبايتي السودا، ولفيت طرحتي بكل ثبات. فتحت الباب وخرجت الصالة. حازم كان زي ما هو، قاعد على الكنبة بهدومه اللي جه بيها من المطار، عينيه منفوخة من قلة النوم، والبيت حواليه هادي هدوء ما قبل العاصفة.
وقف أول ما شافني خارجة، وبصلي بنظرة رجاء مكسورة، وقالي بصوت منبوح: “هدى.. عشان خاطر العيال، بلاش نخرب بيتنا، أنا غلطت وشيطان وزني، بس أنا رجعتلك، والفلوس اللي أخدتيها مش مهمة.. فداكي وفدا العيال، بس بلاش طلاق وفضايح، خلينا نبدأ من جديد وأنا هغير معاملتي وهتشوفي حازم تاني خالص.”
بصيت له من فوق لتحت بابتسامة سخرية، وقولتله: “حازم تاني؟ وأنا إيه يضمنلي إن حازم التاني ده ميعملش أكونت تاني مع ‘شيرين’ والا ‘رنا’ برضه؟ أنت مخلصتش ليا يا حازم، أنت رجعت لأنك اتصدمت إن ‘ميرا’ طلعت وهم، رجعت لأنك بقيت على الحديدة وملقتش ملجأ غير بيتك.. لو كانت ميرا حقيقة، كنت زمانك دلوقتي في شقة تانية في حضنها وناسي إن ليك عيال أصلاً.”
سكت ومفتحش بقه، لأنه عارف إن كل كلمة بقولها هي الحقيقة العريانة.
شلت شنطة هاند باج صغيرة فيها ورق البطاقات، وشهادات ميلاد العيال، وعقد الشقة، ودفتر توفير العيال اللي حطيت فيه كل الدولارات اللي حولها. وقفت عند باب الشقة وقولتله بلهجة آمرة مفيش فيها تراجع: “قدامك نص ساعة، تغير هدومك وتنزل معايا.. هنروح للمأذون اللي في أول الشارع، تطلقني غيابي أو حضوري بطلب مني، وتتنازلي عن الشقة دي باسمي وباسم العيال، وتكتب إقرار بتمكين كامل ونفقة شهرية للولاد.”
زعق بصوت مرعوب: “أنتي عاوزة تجرديني من كل حاجة؟ أطلع من المولد بلا حمص؟ الشقة دي شقايا.. والفلوس وأخدتيها!”
رديت بصوت حاد زي الموس: “الشقة دي تمن قهرتي تلات شهور وأنا بشوف جوزي وجوز عيالي بيعشق في السراب! الشقة دي الضمان الوحيد إن عيالي ميتشردوش لما تروح تدور على ست تانية بجد.. قدامك نص ساعة يا حازم، يا تنزل معايا بالمعروف ورأسك مرفوعة قدام الناس، يا إما هسيبك هنا وأطلع على محكمة الأسرة برفق بملف رسايل ‘ميرا ومكالمات الفايبر’ وصور التحويلات، وهعمل قض..ية زنا وخيانة، وهخلي سيرتك على كل لسان في البلد.. واختار بنفسك.”
سيبته واقف في الصالة غرقان في عرق الخوف، ونزلت وقفت على أول الشارع أستناه. الهوا كان بيخبط في وشي، ولأول مرة من تلات سنين، أحس إني بتنفس بجد، مفيش حمل ثقيل على صدري، ومفيش خوف من بكرة.
عشر دقائق، ولقيته نازل، جرجير رجليه وراه، عينه في الأرض، ووشه في نص هدمته من الخزي. مشي جنبي من غير ما ينطق بكلمة لحد ما وصلنا لمكتب المأذون.
دخلنا، والمأذون بص لوشوشنا وفهم إن الموضوع منتهي. قعدنا على الترابيزة، وحازم كان بيمضي على ورق التنازل عن الشقة وهو إيده بترحف، كأنه بيمضي على شهادة وفاته كرجل. بعد ما خلص ورق التنازل والإقرار بالنفقة، المأذون بص له وقاله: “قول ورايا يا أستاذ حازم: زوجتي هدى طالق مني طلقة أولى بائنة…”
الصوت طلع من حازم بالعافية، كأنه بيطلع روحه مع الكلمة: “طالق..”
في اللحظة دي، حسيت بقيد حديد اتفك من على رقبتي. المأذون كتب الورق، وأنا أخدت نسختي من التنازل والتمكين وحطيتها في الشنطة، وقومت وقفت بكل شموخ وبصيت لحازم اللي كان حاطط راسه بين رجليه وبيموت من الندم.
قولتله وأنا خارجة من باب المكتب: “تقدر تيجي تاخد شنط هدمتك من الشقة النهاردة يا حازم.. الشقة من بكرة هتبقى باسمي واسم عيالي، والباب ده مش هتعتبه تاني إلا عشان تشوف ولادك وبس.”
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
خرجت للشارع وأنا حاسة إني ملكت الدنيا، الست اللي دخلت المطبخ تعيط من شهرين، خرجت النهاردة واخدة كل حاجة بتسمها: كرامتها، وفلوسها، ومستقبل عيالها، وشقتها.. وسابت الخاين وراها على الحديدة.
لكن وأنا ماشية في طريقي للبيت، لمحت حاجة في الموبايل خلت قلبي يقف.. رسالة جديدة ظهرت على الأكونت الشخصي بتاعي!
