ج 1 حماتي حمايات روماني مكرم
ج1
حماتي لطشت بنتي اللي عندها 6 سنين قلم على وشها عشان تاخد منها الفستان عافية.وتديه لبنت عمتها ولما جيت أتكلم وأدافع عن بنتي، أخت جوزي تفّت في وشي! وجوزي؟ جوزي واقف بكل برود وهز دماغه وقال: “عندهم حق، هما صح”. في الليلة دي بالذات، أخدت القرار اللي هيشقلب حياتنا كلها ويغيرها للأبد.
حماتي “أم سيدة” ضربت بنتي الصغيرة “ياسمين” بالقلم على وشها عشان البنت عيطت ومش راضية تدي فستانها لبنت عمتها. صوت اللطشة رن في الصالة كلها. ياسمين قعدت تصرخ وتعيط، وقلبي كان بيتقطع حتت عليها.
الغضب عما عيني وجيت أتحرك، راحت “شيرين” أخت جوزي واقفيلي وبصقت في وشي وقالت بجلع وسواد قلب: “علمي بنتك الأدب والأصول!”. وحماتي واقفة تبتسم بنصر وشماتة. بس الوجع الأكبر، والكسرة الحقيقية، كانت لما لقيت جوزي “شريف” بيهز دماغه وموافق على اللي بيحصل لمراته وبنته.
الوجع دبحني.. الراجل اللي المفروض ضهري وسندي وبيحميني، واقف في صف اللي بيأذونا. ياسمين كانت بتترعش ومنهارة وعلامة صوابع حماتي معلمة على خدها الطري. في اللحظة دي، في حاجة جوايا اتكسرت وماتت للأبد.
### هروب في نص الليل
وأنا واخدة ياسمين في حضني وماشية بيها برة البيت ده، مكنتش قادرة أستوعب إزاي وصلنا للمرحلة دي؟ ليه شريف باعنا بالرخص كدة عشانهم؟ هما مخبيين إيه تاني ورا وشوشهم دي؟
الأسئلة كانت بتاكل في دماغي، بس في نفس الوقت قوتني وخلتني أصر على حقي.
بالليل، وهو لسة قاعد يهيص ويهزر مع أهله تحت، بدأت ألم حاجتي. جمعت كل الورق، الصور، رسايل الواتساب، وأي دليل يثبت قرفهم. بس الصدمة الحقيقية كانت لما فتشت في مكتب شريف؛ دمي تجمد في عروقي!
لقيت حسابات بنكية سرية وتغييرات غريبة ومريبة في بوالص التأمين. “أم سيدة” حماتي، كانت عاملة ورق يضمن إن ياسمين تبقى في وصايتها وتحت إيدها لو جرى لي أي حاجة! هما كانوا ناويين على إيه بالظبط؟
والبنت نايمة، شنطت عربيتي القديمة وتوكلت على الله ورحت على بيت أختي “رضوى” في شبرا. كل كيلو بنبعده عن البيت ده كان بيخليني أتنفس، رغم الخوف اللي كان واكل قلبي من اللي جاي.
### المواجهة والقانون
أختي رضوى فتحت لي الباب، وأول ما شافت وش ياسمين المعلم، وشها جاب ألوان وغضبت جداً.
قالت لي بدموع وحسرة: “كان لازم أصر عليكي تسيبيه من زمان يا حبيبتي”.
لما حكيت لها التفاصيل، عرفت إن الموضوع مش مجرد “شدة ودن” أو تربية، دي قلة أدب وإساءة صريحة.
تاني يوم الصبح، أخدت البنت لعيادة دكتور الأطفال. الدكتور كشف عليها وأكد إن الخبطة دي ضرب متعمد، وكتب تقرير طبي بيثبت فيه كمان الصدمة النفسية اللي البنت فيها. وثقت كل حاجة بالورق والقلم.
وفجأة.. تليفوني رن، وكان شريف. كلامه صدمني أكتر:
* “انتي بتهولي المواضيع وبتعملي من الحبة قبة! دي كانت قرصة ودن عشان البنت تتربى”.
إنكاره وبروده زودوا غلياني. قفلت السكة في وشه وأنا حاسة بقوة وعزيمة مكنتش حسيت بيهم من سنين.
### التهديدات ولعب الكبار
رسايل أهله بدأت توشك على التهديد الصريح. حماتي “أم سيدة” سابت لي فويس نوت بصوت يقطع الخميرة من البيت:
* “هترجعي لي زاحفة وبتتمني الرضا.. هوريكي”.
حفظت كل رسايلهم، تليفوناتهم، وتهديداتهم. حاولوا يلووا دراعي ويلعبوا بأعصابي، بس المرة دي أنا اللي معايا اللعب كله.
بحكم شغلي كـ “مساعدة محامي” (آنسة قانونية)، كنت عارفة كويس قيمة الأدلة دي وإزاي أستخدمها صح عشان أجيب حق بنتي وحقي. أنا شفت وعشت معاهم سنين من الإساءة، والنهاردة جه وقت الحساب.
بس كان فيه سؤال واحد لسة محيرني: يا ترى التحقيق مع عيلة جوزي هيطلع بلاوي إيه تاني؟
### البلاوي بتتفضح
الأيام اللي بعد كدة كانت عبارة عن جري بين محامين ومحققين ونيابات. ياسمين بدأت تهدى شوية، بس رسوماتها كانت بتوجع قلبي؛ كانت بترسمنا احنا الاتنين جوة بيت مقفول وعلينا حرس، وهما واقفين برة وأشكالهم تخوف وغضبانين.
دكتور الطب النفسي أكد إن ياسمين عندها صدمة من العنف الأسري، وإن ده مش موقف عابر، ده أسلوب حياة هما عايشين فيه.
عشان شريف يلوق دراعي في قضية الطلاق، حاول يخليني أترفد من شغلي في مكتب المحاماة.
الضغط كان رهيب. عيلته ناس ليهم نفوذ وفلوس ومعارف، وكنت مرعوبة يطلعوني مجنونة أو مش متزنة عشان ياخدوا البنت.
بس الأستاذة “ماجدة”، المحامية بتاعتي، ضحكت بثقة وقالت لي:
#الكاتب_رومانى_مكرم
* “دول لسة ميعرفوش هما بيلعبوا مع مين.. متقلقيش، القانون مع السلكان”.
كنا بنجهز لرفع دعوى “وصاية مستعجلة” وضم البنت، مع جنحة ضرب وإساءة معاملة طفل. ومع مشي القضية، بدأت تظهر شهادات وناس قدام من منطقتهم يتكلموا عن بلاوي قديمة لـ “أم سيدة” وحكايات تلطيش وإهانة مع جيران وناس تانية.
التحقيق كبر، وسمعة العيلة اللي كانوا راسمينها بالفلوس والمنظرة في الحتة بدأت تنهار وتتفرش في الأرض.
ولكن… في وسط المعمعة دي، حصلت حاجة مكنتش على البال ولا الخاطر…
### سر الأوراق المحروقة
المفاجأة التي زلزلت الأرض تحت أقدامنا لم تكن متوقعة؛ الأستاذة “ماجدة” كانت تفحص المستندات التي جلبتها من مكتب شريف تحت ضوء مصباح مكتبها الخافت، وفجأة اعتدلت في جلستها، ونظرت إليّ بنظرات حادة جعلت دمي يتجمد في عروقي.
أشارت بإصبعها إلى بند معين في بوليصة التأمين وقالت بنبرة خفيضة:
* “يا رحاب.. الورق ده مش مجرد تأمين عادي عشان يضمنوا البنت.. التوقيع اللي هنا على طلب تنازل القوامة والوصاية في حالة الوفاة.. ده مش توقيعك!”
اقتربت بذهول وتفحصت الورقة. التوقيع كان يشبه خط يدي بدقة مرعبة، لكنه لم يكن خطي بالتأكيد. لقد قام شريف بتزوير إمضائي على مستند رسمي يمنح والدته “أم سيدة” الحق الكامل في الوصاية على ياسمين وإدارة أموالي ومستحقاتي في حال حدوث أي مكروه لي.
ولم يكن هذا كل شيء؛ الحسابات البنكية السرية التي عثرتُ عليها لم تكن باسم شريف، بل كانت باسم والدته، وتتحرك فيها مبالغ ضخمة لا تتناسب أبداً مع دخل شريف كموظف أو حتى مع مشروع التجارة الصغير الذي يدّعون امتلاكه. كانت هناك عمليات تحويل مريبة تتم شهرياً من حساب شركة وهمية خارج البلاد.
همستُ والخوف يتملكني:
* “يعني إيه يا أستاذة ماجدة؟ هما كانوا ناويين يخلصوا مني؟”
ردت ماجدة وهي تضع المستندات في حقيبتها بحسم:
* “الموضوع كبر يا رحاب.. دي مبقتش قضية ضرب طفلة وبس، دي شكلها شبكة تزوير وغسيل أموال، والنية كانت سودة من ناحيتك. هما كانوا بيخططوا لسيناريو يضمنوا فيه البنت وفلوس التأمين، ويطلعوكِ برة الصورة تماماً.. وبأقرب وقت.”
### زلزال في شوارع شبرا
بينما كنا نحاول استيعاب حجم المؤامرة، كانت الأجواء في “شبرا” تغلي. عائلة شريف لم تكن لتتركنا وشأننا.
في عصر اليوم التالي، وأنا جالسة مع أختي رضوى نهدئ من روع ياسمين التي كانت ترفض اللعب وتلتصق بي خوفاً، سمعنا جلبة وصراخاً في الشارع أسفل العقار. وقفت في الشرفة لاستطلاع الأمر، فطار صوابي.
سيارتان فارهتان تقفان أسفل المنزل، وبجوارهم “شريف” ومعه ثلاثة رجال غلاظ القلوب، وخلفهم تقف حماتي “أم سيدة” وهي تصرخ بأعلى صوتها وتوجه كلامها لأهل المنطقة:
* “يا ناس يا عالم! الست دي خطفت ابنة ابني وشاردا بيها! طمعانة في قرشين ابني وعايزة تذله بالبنت! انزلي يا فاجرة هاتي البنت!”
الناس بدأت تتجمع، وشريف يحاول اقتحام مدخل العقار مستغلاً قوته وقوة رجاله. في تلك اللحظة، شعرت برعب لم أشعر به من قبل، كانت ياسمين تبكي وتصرخ وهي تغطي أذنيها بيديها الصغيرتين:
* “ماما.. متخليهمش ياخدوني.. تيتة هتشدني من شعري تاني!”
لكن “شبرا” ليست مجرد منطقة سكنية؛ إنها حصن من الجدعنة والشهامة. قبل أن يخطو شريف خطوة واحدة داخل السلم، وقف له شباب المنطقة ورجالها الكبار. خرج جيراني وأصدقاء زوج أختي الراحل، ووقفوا كالحائط البشري أمام مدخل البيت.
صاح كبير المنطقة، عم “حسن” القهوجي، بصوت هز الشارع:
* “جرى إيه يا جدع أنت وهو؟ داخلين تلطشوا في بيوت الحرمات عافية؟ البلد ليها قانون، والست دي وأختها هنا في حمانا. لو ليك حق، اروح بيه للمحكمة، إنما الهمجية دي متصرفش معانا هنا!”
حاول شريف التطاول، لكنه تراجع عندما رأى التفاف أهل المنطقة حولنا وتصميمهم على حمايتنا. سحبت “أم سيدة” ابنها من ذراعه وهي تنظر إلى شرفتنا بعيون ملؤها الحقد والغل، وتصرخ:
* “هندمك يا بنت رضوان.. ورب العزة لتدفعي تمن الوقفة دي غالي قوي!”
### الضربة القانونية الأولى
بعد تلك الحادثة، أدركت أن الدفاع لم يعد يجدي نفعاً؛ الهجوم هو السبيل الوحيد للنجاة.
في صباح اليوم التالي، توجهت برفقة الأستاذة ماجدة إلى مقر النيابة العامة. لم نكتفِ بتقديم التقرير الطبي الخاص بالاعتداء الجسدي والنفسي على ياسمين، بل قدمنا بلاغاً رسمياً متهماً “شريف” بـ **التزوير في محررات رسمية** و**التخطيط للاستيلاء على أموال دون وجه حق**، وأرفقنا البلاغ بصور المستندات وبوالص التأمين المزورة التي كانت تحمل توقيعي المزيف.
المحقق كان رجلاً جاداً وذكياً للغاية. عندما رأى التقرير الطبي للطفلة، الذي يثبت وجود كدمات زرقاء ناتجة عن ضرب مباشر بآلة حادة أو يد غليظة، وصور علامات أصابع حماتي المعلمة على وجه ياسمين، أبدى غضباً شديداً. ثم انتقل لفحص مستندات التزوير واستمع لشهادتي كـ “مساعدة محامي” ملمة بالقانون وتفاصيله.
قال المحقق وهو يدون السطور الأخيرة في المحضر:
* “البلاغ ده هيتحول فوراً للبحث الجنائي لمضاهاة التوقيعات، وهيتم استدعاء المشكو في حقهم: الزوج شريف، ووالدته أم سيدة، وشقيقته شيرين للتحقيق في واقعة الضرب والتزوير.”
خرجت من سراي النيابة وأنا أشعر لأول مرة منذ سنوات بأن رأسي مرفوع. لم أعد تلك الزوجة المستضعفة التي تتلقى الإهانات والشتائم وتصمت من أجل “خراب البيوت”. لقد خربوا هم كل شيء بأيديهم، وجاء وقت الحساب.
### اللعب على المكشوف
لم يمر سوى يومين حتى بدأت النيران تشتعل في معسكرهم. استدعاء النيابة وصلهم، وصدمتهم كانت هائلة عندما علموا أن القضية لم تعد مجرد “خناقة ستات” أو قضية “نفقة وتبديد” في محكمة الأسرة، بل تحولت إلى قضية جنائية تهدد حريتهم ومستقبلهم.
في ليلة ممطرة، رن هاتفي برقم غريب. عندما أجبت، جاءني صوت شريف، لكنه لم يكن صوته البارد والمستهزئ المعتاد؛ كان صوتاً مرتجفاً، منكسراً، يحاول مداراة خوفه خلف نبرة عتاب مصطنعة:
* “رحاب.. إحنا عشرة عمر، يرضيكِ تبهدلي أمي وأختي في المحاكم والنيابات؟ أمي ست مريضة والنيابة لو طلبتها مش هتحمل. تعالي نقعد ونحل الموضوع ودي.. هطلقك بالمعروف وتاخدي كل حقوقك، بس تنازلي عن القضايا دي.”
ضحكت بمرارة شديدة، ضحكة خرجت من أعماق قلبي الجريح وقلت له بقوة لم أعهدها في نفسي:
* “عشرة عمر؟ فين كانت عشرة العمر دي لما أختك تفت في وشي وأنت واقف تهز دماغك؟ فين كانت لما أمك لطشت بنتك اللي عندها 6 سنين وقسمت خدها نصين؟ فين كانت وأنت بتزور إمضائي عشان تضمنوا فلوس التأمين لو جرى لي حاجة؟”
ساد الصمت على الطرف الآخر، ليتأكد لي أن سهمنا قد أصاب الهدف تماماً. أردفتُ بثقة:
* “اللي بيني وبينكم دلوقتي هو القانون وبس يا شريف. والورق اللي معايا لسة مطلعش كله.. ده أول الغيث.”
أغلقت الخط في وجهه دون أن أنتظر رداً.
### الكابوس الذي يطاردنا
لكن الفرحة لم تكتمل؛ فعائلة شريف كانت تمتلك نفوذاً وعلاقات متشعبة.
في اليوم التالي، وأثناء تواجدي في مكتب المحاماة حيث أعمل، دخل الأستاذ “وجدي” صاحب المكتب وعلامات القلق والوجوم ترتسم على وجهه. نظر إليّ بأسف وقال:
* “رحاب.. أنا جالي تليفون من جهة تقيلة بخصوصك. فيه ضغط كبير بيتمارس عشان استغنى عنك في المكتب، ومهدديني بمشاكل وتفتيشات على شغلي لو فضلتي مستمرة معايا في القضايا دي.”
سقط قلبي في قدمي. هل سينجحون في قطع عيشي وإضعافي؟ هل ستتخلى عني الجهة الوحيدة التي تمنحني القوة والدعم المهني؟
نظرت إلى الأستاذ وجدي والدموع تكاد تفر من عيني، لكنه ابتسم ابتسامة غامضة، وأخرج ملفاً كبيراً من درج مكتبه وضعه أمامي قائلاً:
* “بس هما ميعرفوش إن وجدي المحامي مبيتهددش.. والملف ده فيه مفاجأة هتغير مجرى القضية والتحقيقات كلها.. مفاجأة تخص حماتك ‘أم سيدة’ والسر اللي مخبياه عن الكل من عشرين سنة!”

