ج1جوزي كلمني وهو بيبكي حكايات صافي هاني

ج1


جوزي كلمني في نص الليل وهو هيموت من العياط، وقالي إن أبوه بيموت وجاتله جلطة، ولازم نحول لُه 300 ألف جنيه فوري! من خضتي مفكرتش حتى أروح المستشفى.

​الفلوس دي كانت شقايا وتحويشتي، شهادة استثمار لسه عملاها الشهر اللي فات في البنك، وبكلمة سر محدش يعرفها غيري.. بس هو كان حافظها صم، وبصمها أكتر مني! قفلت السكة وريقي ناشف من الصدمة.

​من جوايا محولتش مليم.. أخدت مفاتيح عربيتي وطلعت جري على المستشفى.

​أول ما وصلت الدور الخامس، ومن أول الطرقة، سمعت حمايا -اللي المفروض إنه بين الحيا والموت ومحطوط على أجهزة التنفس في الرعاية- قاعد بيضحك من قلبه وبيمضغ والتفاح مالي بوقه!

​إحنا متجوزين بقالنا خمس سنين.. خمس سنين كاملين!

​طول السنين دي كنت بشوف “رامي” أحن وأطيب راجل على وجه الأرض.. يوم فرحنا، أبويا سلمهوني وعينيه ماليانة دموع وقاله: “الله يكرمك يا ابني حافظ عليها”، وهو رد بكل ثقة ووش ملايكة صدقته لحد آخر لحظة.. وأمي كل ما كنا نخرج ناكل سوا، تقولي: “جوزك بيحبك وخدوم أكتر من ابن بطني، إنتي يا بنتي ربنا كرمك ووقعتي واقفة”.

​كنت مدياه الأمان على الآخر.. سبت شقتي القديمة عشان ننقل في بيت جديد سوا، وكتبت الشغل باسمي لما طلب مني كده.. ومن أول سنة جواز سلمته كل حساباتي، كنت بقول لنفسي: “هو في إيه بين الراجل ومراته؟ وإيه لازمة الجواز لو هنخبي قرشين عن بعض؟”.. ده اللي غبائي صورهولي!

​الشخص الوحيد اللي كنت بحبه بجد في العيلة دي كانت حماتي، الست “مديحة”.. هي اللي علمتني أصول الطبخ، وكانت دايماً تدافع عني لما حمايا “الحاج جابر” يرمي عليّا كلام يضايقني على السفيرة، وكانت دايماً تقولي “يا بنتي” وتحسسني إنها طالعة من قلبها.. ولما كنت بتعب، كانت هي اللي بتاخدني في حضنها وتراعيني.

​فاكرة مرة كنا واقفين سوا في المطبخ بنغسل المواعين، لفتت ناحيتي وبصوت واطي من غير ما حد يحس قالتلي: “يا بنتي، دايماً شيلي قرش على جنب لزمنك.. شيليلك حسنة، مفتاح، أي حاجة تملكيعا لوحدك.. حتى لو كنتِ بتحبي جوزك من كل روحك”.

​ساعتها قولت دي نصائح ستات كبار وكلام حكم وخلاص، شكرتها وكملت غسيل مواعين عادي جداً..

​وأنا واقفة في طرقة المستشفى، وإيديا تلجت من الصدمة، بدأت كل المكعبات تترتب في دماغي وأفهم كل حاجة.

​هو عرف كود حساباتي عشان أنا اللي أمنته عليه من غير ما يطلب.. والشركة كانت باسمي عشان “اسمهم في القائمة السودة للضرائب ومشاكل البنوك” -زي ما حلفلي ووعدني- وأنا بكل غباء وطيبة قلب مضيت وفرحانة إني بقف جنب جوزي.. وفي الآخر طلعت أنا المالك القانوني اللي هيشيل الطين والديون لو المركب غرقت!

​حتى البيت اللي اتولدت وكبرت فيه، واللي أبويا كتبهولي قبل ما يتوفى، كان لسه باسمي.. ده الحاجة الوحيدة اللي فاضلالي في الدنيا دي وتخصني.

​قربت من باب الأوضة، كان موارب يادوب كام سنتيمتر.. وجوه كانوا كلهم متجمعين.

​الحاج جابر قاعد على السرير، وشه منور وصحته زي البمب بيقشر تفاحة تانية بالسكي..نة.. وحماتي مديحة قاعدة جنبه ساكتة.. ورامي واقف جنب الشباك وحاطط إيديه في جيبه.. وأخوه “كريم” قاعد على الكرسي بيلعب بولاعة في إيده، وعلى وشه نفس الابتسامة الصفرا السمجة بتاعته.

​كريم قال بسخرية: “تفتكروا بلعت الطُعم؟”

​الحاج جابر رد وهو بيمضغ: “طبعاً بلعته! رامي يقولها يمين تقول يمين، شمال تقول شمال.. دي بقالها خمس سنين نايمة على ودنها، أغبى من دبة!”.

​حسيت بكتلة وقفت في زوري، ومبقتش قادرة أتنفس ولا أبلع ريقي.

​الست مديحة اتنهدت وقالت: “جرى إيه يا جابر، بلاش تظلمها.. البنت طيبة وغلبانة”.

​الحاج جابر قاطعها بحسم ومن غير ما يبصلها: “طيبة في إيه؟ البيت لسه مخلتش رامي ينقله باسمنا! رامي هيخليها تمضي على رهن العقار وبعدين يرميها في الشارع، إحنا هنقعدها معانا لسه؟!”

​وبعدين بصلها وقال كلام كسر ضهري نصين: “وبعدين متعمليش فيها الشيخة خديجة والكيماوي بتاعك يوم الإثنين الجاي هيتدفع من فيزتها! لو اللعبة دي منجحتش، مش هتلاقي علاج.. فاخرسي خالص وسيبونا نشوف شغلنا!”.

​رامي، اللي واقف عند الشباك، منطقش بربع كلمة.. وبكل برود الدنيا، كأنه بيتكلم عن الجو وهي بتمطر، قال: “وطوا صوتكم شوية.. أنا ظبطت موضوع البيت خلاص، هيجيب يجي تلاتة مليون جنيه.. هقولها الشركة محتاجة سيولة ضروري، هتمضي معايا الرهن ونخلص الحكاية كلها في شهر ولا اتنين بالكتير”.

​كريم قفل الولاعة ولفها على صباعه وقال: “والله يا أخويا إنت ممثل قدير! أنا مش عارف إزاي قدرت تمثل الحب ده كله خمس سنين لدرجة تخليها تبيع اللي وراها واللي قدامها من يوم الفرح!”.

​ساعتها بس فوقت.. وعرفت إني بقالي خمس سنين نايمة جنب غريب ومجرم!

​وأنا واقفة في الطرقة، مسكت تليفوني وبسرعة طلبت رقم البنك.. إيديا كانت بترتعش لدرجة إن الشاشة كانت بتفلت مني.. وقولت لخدمة العملاء: “عاوزة أوقف وأجمد كل حساباتي فوراً.. في اللحظة دي! الحسابات الشخصية وحسابات الشركة.. وبلغوا إن كل الفيز مسروقة وضايعة”.. غلطت في أرقام الخدمة تلات مرات من الرعب لغاية ما صوتي طلع بالعاافية.

#حكايات_صافي_هاني

​قفلت السكة، ومسحت دموعي بكم الجاكيت.. وأخدت نفس طويل قوي.

​وبعت رسالة لرامي، بهدوء شديد ووزنت كل كلمة: “الفلوس تحولت يا حبيبي.. متقلقش وخد وقتك، بوسلي الحاج وقولي لو عوزتوا أي حاجة تانية”.. دوست إرسال ومشيت ناحية الجراج ورجليا مش شايلاني، ومفيش في دماغي غير فكرة واحدة: المرة دي اللعب هيبقى على مية بيضا، وهم لسه ميعرفوش هيدفعوا تمن كدبهم ده إزاي.

​أول ما ركبت العربية، ودموعي متجمدة في عيني وقلبي قايد نار من الغل، جاتلي رسالة من حماتي الست مديحة.. مكنش فيها كلام، كانت صورة بس!

​صورة لروشتة وتقارير طبية باسمها الثلاثي، وتشخيص بمرض لا أتمناه لألد أعدائي..

​سرير الحاج جابر كان لسه فاضي ومفهوش مرض.. المرض كان عندها هي.. السرطان كان حقيقي وبياكل في جسمها.. وجلسة الكيماوي بتاعت يوم الإثنين كانت المفروض تتدفع من الحساب اللي أنا لسه مجمداه من عشر دقايق!

​فضلت باصة للصورة دي كتير ومبرمشش.. وفجأة افتكرت صوتها في المطبخ وهي بتقولي: “دايماً شيلي قرش لزمنك يا بنتي”.. دي مكنتش نصيحة، دي كانت بتحذرني! كانت عارفة.. كانت عارفة كل حاجة بقالها سنين، وكاتمة في قلبها كل عشا، وكل كلمة سم من جوزها، وكل خطة بيخططوها.. دافعت عني الليلة دي بكلمتين تبريء ذمة، بس لما الفاس وقعت في الراس.. لأن القشة الوحيدة اللي كانت بتتعلق بيها عشان متغرقش في وسط العيلة دي.. كانت أنا!

#حكايات_صافي_هاني

​دلوقتي كان قدامي رسالتين جاهزين على التليفون، ومستنيين لسة لمسة صباع واحدة:

​الرسالة الأولى للبنك: تأكيد تجميد كل المبالغ لحد آخر مليم، عشان العيلة دي كلها تطلع من المولد بلا حمص وتتفضح وتتحسر، زي ما يستحقوا بعد خمس سنين التمثيل والخدعة دي.. بما فيهم الست مديحة اللي استغلتني زيهم بس بالحنّية والكلام المعسول وأكل العيش والملح.

​والرسالة الثانية: أمر بفك تجميد مبلغ واحد بس.. تمن جلسة الكيماوي يوم الإثنين، للشخص الوحيد في البيت ده اللي حاول بطريقته الجبانة والخايفة يفتح عيني ويقولي الحقيقة قبل فوات الأوان.

​الوقت كان بيجري.. ومفيش مجال غير إني أبعت رسالة واحدة بس منهم!

 

#حكايات_صافي_هاني

فضلت قاعدة في العربية، إيديا ساندة على الدريكسيون وجسمي كله بيتنفض من كتر الغل والقهر.. الشوارع حواليا كانت هادية ومضلمة، بس جوايا كان في بركان شغال. كنت باصة لشاشة التليفون اللي منورة في الضلمة، والرسالتين قدامي زي حكم الإعدام.. رسالة تخلي الحسابات متجمدة وتدمرهم كلهم، ورسالة تفك تجميد الفلوس عشان جلسة الكيماوي بتاعت الست مديحة.

​ساعتها فكرت.. أنا لو بعت رسالة الكيماوي دلوقتي، هكون لسه الغبية اللي بيمشوا ورا طيبتها.. هكون لسه البنت اللي الحاج جابر قال عليها “أغبى من دبة”. بس في نفس الوقت، صورة الروشتة ووجع الست دي كان حقيقي.. الست دي عاشت وسط تعابين، وخوفها هو اللي خلاها تداري عليا طول السنين دي.

​قررت أخد نفسي.. مش هبقى ضحية تاني، ومش هتحرك بالعاطفة.. ومبقتش البنت الطيبة بتاعت زمان.

​دوست على الرسالة الأولى.. أكدت للبنك تجميد كل الحسابات، الشخصية والشركات، وكمان حسابات “الفيزا كارد” كلها.. قفلت الحنفية تماماً. ومسحت دموعي وبدأت أخطط ببرود مش عارفة جالي منين.. نزلت من العربية ورجعت تاني المستشفى، بس المرة دي مدخلتش الدور الخامس.. وقفت في الاستقبال تحت.. سألت عن حسابات المرضى وعرفت الروتين بيتم إزاي.

​طلعت تليفوني وكتبت رسالة تانية خالص للبنك.. طلبت منهم عمل “شيك مقبول الدفع” أو تحويل مباشر لمرة واحدة فقط باسم المستشفى دي، ولحساب علاج الست مديحة تحديداً، بحيث إن الفلوس تروح للمستشفى وميدخلش في جيب جوزي أو حمايا مليم واحد، ولا يعرفوا يتصرفوا في جنيه برة العلاج.. والتحويل ده يتفعل يوم الأحد بالليل.. يعني هسيبهم يومين كاملين يغلوا في دمهم!

​طلبت أوبر ورجعت على بيتي.. البيت اللي المفروض إنه بيتنا. أول ما دخلت، كنت حاسة إن الحيطان غريبة عليا.. خمس سنين وأنا بنضف وأفرش وأعمل لقمة بحب لشخص كان مستني اللحظة اللي يرميني فيها في الشارع. دخلت أوضة النوم، فتحت الدولاب وبدأت ألم حاجتي.. مش لبسي بس، أوراقي.. عقود البيت اللي ورثته عن أبويا، شهادات الاستثمار القديمة، وكل ورقة تثبت ملكيتي للشركة.. حطيت كل حاجة في شنطة كبيرة.

​الساعة بقت 4 الصبح.. لقيت الباب بيفتح ورامي داخل.. وشه كان متبهدل وعامل نفسه منهار والتعب باين عليه. أول ما شاف الشنطة اتصدم، وقالي بنبرة فزع مصطنعة:

​”في إيه يا حبيبتي؟ إيه الشنطة دي؟ وإنتي مكنتيش في المستشفى ليه؟ أنا فضلت مستنيكي فوق، وأبويا كان هيروح مننا!”

​بصيت له بكل برود.. النظرة دي عمري ما نظرتها له قبل كده.. قولت له:

​”أبوك؟ الحاج جابر اللي كان قاعد بيقشر تفاح وبياكل بفوق مليان ويضحك مع كريم؟ ولا أبوك اللي قال عليا أغبى من دبة؟”

​وش رامي جاب ألوان.. الدم هرب من عروقه، وبدأ يتلعثم:

​”إنتي.. إنتي بتقولي إيه؟ إنتي أكيد فاهمة غلط.. أبويا كان تعبان بجد.. وإحنا..”

​قاطعته وأنا بقفل سستة الشنطة وبشيلها على كتفي:

​”أنا سمعت كل كلمة يا رامي.. سمعتك وأنت بتقول إنك هتخليني أمضي على رهن البيت عشان تاخد تلاتة مليون جنيه وتديهم لشركتك.. وسمعت أخوك وهو بيحييك على دور الممثل القدير اللي عشته عليا خمس سنين من يوم فرحنا.. خمس سنين وأنا نايمة جنب عقرب”.

​حاول يقرب مني ويمسك إيدي وهو بيحلف:

​”والله العظيم كلام وبيهزروا.. إحنا كنا بنهزر.. أنتي عارفة كريم دمه تقيل وبيهزر في أي وقت.. والفلوس.. الفلوس محولتيهاش ليه؟ البنك كلمني وقالي الحسابات واقفة!”

​ضحكت بمرارة وقولت له:

​”الحسابات مش واقفة وبس.. الحسابات اتجمدت، والفيز اتلغت.. والشركة اللي باسمي؟ أنا الصبح هقدم طلب تصفية ووقف نشاط.. يعني من الآخر كده، المولد انفض، ومفيش مليم واحد هتشوفوه.. والبيت اللي كنت عايز ترهنه؟ أنا هقعد فيه من النهاردة، وأعلى ما في خيلكم اركبوه”.

​رامي وشه اتحول.. الطيبة والملايكة اللي كانت في وشه اتمسحت، وظهر الوش الحقيقي القبيح.. زعق وقالي:

​”أنتي فاكرة نفسك هتعرفي تعملي حاجة؟ أنتي المالك القانوني للشركة، يعني لو في مليم مديونية أنتي اللي هتتحبسي!”

​بصيت له وقولت:

​”المحامي بتاعي زمانه بيراجع كل الدفاتر دلوقتي.. والورق اللي معايا يثبت إنك كنت بتدير وبتمضي بالنيابة عني في حاجات كتير بدون تفويض رسمي.. يعني التزوير لبسك أنت وأخوك.. أشوف وشك بخير يا.. يا جوزي العزيز”.

​سبته واقف في وسط الصالة مشلول مش عارف يعمل إيه.. ونزلت.. ركبت عربيتي ومشيت وأنا حاسة بوجع في قلبي اه، بس حاسة بانتصار وفوقان.. خمس سنين راحوا، بس الحمد لله إنهم مكنوش العمر كله.. واللعب من هنا ورايح هيبقى بالقانون وبس.

يتبع

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *