بيت امي الكاتبة نرمين عادل همام
ورا كل باب حكاية

تخيل إن أُمك تعدّي نص عمرها واقفة على حيلها في مطبخ مطعمها الصغير، تعرق وتتعب عشان تسيبلك في الآخر لقمة حلال وبيت يطمنك ويسترك، وبعد ما تدفنيها بسة شهور، تروحي تفتحي باب بيتها، تلاقي حماتك واقفة جوة بتختار الأوضة الماستر، وجوزك نازل تقسيم في الأوض على إخواته وكأنك موتي واندفنتي معاها!
ال قصة مش مجرد حكاية ورث، دي شرارة وولعت في العيلة كلها.. تعالي وشوفي اللي حصل في الجزء الأول!
«مين إداكم الحق تقسموا بيتي وتوزعوا أوضه وكأني مش موجودة أساساً؟»
صوتي خرج هادي.. هادي زيادة عن اللزوم، لدرجة إن البواب العجوز اللي واقف على البوابة وطّى عينه في الأرض وما قدرش يحط عينه في عيني.
أنا اسمي ندى، عندي 34 سنة، وممرضة في مستشفى حكيم. ومن ست شهور بس، دفنت أمي الحجة فاطمة، الست الطيبة اللي قضت نص عمرها واقفة على رجليها في مطعم الفول والطعمية الصغير بتاعها في وسط البلد، عشان تسيبلي في الآخر حاجة تسندني وأعيش بيها مستورة.
أمي ما سابتليش قرشين في البنك وبس.. دي سابتلي بيت ورثته عن أبوها، بيت دورين بجنينة صغيرة على أطراف المعادي، وسابتلي وصية عمري في حياتي ما نسيتها ولا هنسى كلماتها:
«يا بنتي، أول ما الناس تعرف إن تحت إيدك حاجة أو حيلتك قرشين، مش هيستأذنوكي قبل ما يمدوا إيديهم وياخدوها.. هيجربوا الأول يشوفوا هنسكتي لحد فين، ولو سكتِ.. بكرة ياكلوا لقتك!»
يوم السبت ده.. كان أول يوم أروح أفتح فيه البيت وأنا صاحبته الرسمية الشرعية. المفاتيح الحديد في إيدي بصلابتها، وفي إيدي التانية ملف بيج فيه إعلام الوراثة وعقود الملكية المسجلة في الشهر العقاري، وكنت حاسة في كل خطوة إن روح أمي ماشية جنبي وبتسندني.
كنت فاكرة إن جوزي، طارق، اللي متجوزاه بقالي خمس سنين وشايلة عيبه وصابرة على قلة حيلته، هيمسك إيدي بحنية ويمشي معايا، وهندخل البيت سوا في هدوء.. ويمكن أعيط وأنا بشوف الجنينة والشبابيك اللي أمي الله يرحمها ما لحقتش تفرح بيها ولا تقعد فيها.
بس أنا كنت مغفلة وساذجة لأقصى درجة!
أول ما وصلت الشارع ونزلت من عربيتي، لقيت تلات عربيات مركونين صف تاني قدام باب البيت بالظبط: عربية حماتي الحاجة صفية، وعربية أخو جوزي الشقي إبراهيم، وعربية أخته المفسدانية شيماء.. وابن شيماء الصغير واقف بيخبط برجليه المبلولة تراب وطين في كاوتش عربيتي القديمة بكل قلة أدب!
