ج1 عيون رمادية للكاتبة نرمين عادل همام
ج1
واحد وعشرين سنه عاشهم رجل الاعمال ياسن الغرباوي بيدفن نفسه بالشغل وبينهي اي لحظة عاطفة جوه قلبه ، لحد ما دخلت بنت بتشتغل حلواني وبتجري تدخل الأسانسير بتاعه، وبسببها هيبدأ يتكشف السر اللي أعدائه دفنوه من سنين.”
الفصل الأول: كعب مكسور وعيون رمادية
كان قدام “ندى” نص ثانية بالظبط عشان تقرر: هل تدمير المصعد الخاص بتاع الملياردير صاحب الهيبة والشنة والرنة أسوأ، ولا إنها تفرفت 140 حتة كب كيك غرقانة بالكريمة؟
طبعاً وبدون أي تفكير.. اختارت المصعد!
“استنى عندك! بالله عليك استنى!”
البوابات الفولاذية اللامعة للمصعد الخاص كانت خلاص بتقفل بنعومة وهدوء إلكتروني، لما ندى وبحركة يائسة حدفت فردة جزمتها اللي كعبها مكسور بين البابين، وزقت نفسها لجوه وهي شايلة ست كراتين كبار من الكرتون الأبيض بتوع محل الحلواني، ضاماهم لصدرها وموازنة حركتها بالعافية. الباب فتح تاني ببطء، بس الكعب التاني خانها واتكسر هو كمان تحت رجلها. اتكعبلت ووقعت جوه المصعد وهي بتنهج ونفسها مقطوع، شعرها الكستنائي الغامق الطويل اتمرد وخرج من الكعكة العشوائية اللي كانت لماه بيها فوق راسها، وبقت واقفة بفردة جزمة واحدة والتانية مدلدلة من رجلها بمنظر يخلي اللي يشوفها يقول إنها بايعة القضية وفاقدة الأمل في الحياة.
في اللحظة دي، زاوية الكرتونة اللي فوق اتوربت، ونزلت منها حتة كريمة فانيليا بيضاء، هبطت “تشش” على الأرض الرخام الأسود اللامع اللي ببرق من النظافة.
هنا بس.. ندى حسيت ببرودة غريبة ووكأن الهوا اتسحب من المكان.. وأدركت إنها مش لوحدها في الأسانسير.
في الركن البعيد، تحت الإضاءة الصفراء الخافتة اللي بتوحي بالفخامة، كان واقف راجل زي التمثال. ثابت، واثق، وحاطط إيديه في جيوب بنطلون بدلة كحلي غامق من قماش فخم، شكلها لوحدها كدا يسوى تمن عربية الدليفري الربع نقل اللي ندى مستعلاها من صاحبة المحل عشان توصل الطلبات. الراجل كان طويل وعريض المنكبين، لدرجة إن وقفته حسست ندى إن المصعد الواسع ده بقى ضيق ومخنوق. ملامحه كانت حادة، دقنه سودة خفيفة ومحددة بانتظام على فكه القوي، وعينيه الرمادية كانت باردة زي التلج، مفيش فيها أي تعبير.. بس كان ورا النظرة دي هيبة وجبروت خلوا قلب ندى يدق بسرعة وبخوف أكتر من خضتها لما رجليها اتلوت وكعبها اتكسر.
البلد كلها.. من أول بحري لحد قبلي.. مفيش حد ميعرفش “ياسين الغرباوي”.
الجرايد والمجلات الاقتصادية كانت بتسميه “الحوت البالغ من العمر سبعة وثلاثين عاماً”، صاحب مجموعة “الغرباوي جروب” للفنادق والمنتجعات الفاخرة اللي مغطية مصر من أول القاهرة والإسكندرية لحد شرم الشيخ والجونة. كانوا بيكتبوا عن انضباطه الصارم، وعن المعجزات اللي بيعملها لما يحط إيده في أي شركة خسرانة ويقلبها لآلة بتجيب فلوس قبل ما مجلس الإدارة نفسه يفهم هو عمل إيه بالظبط.
أما الناس اللي في الشارع والمناطق الشعبية.. فكانوا بيقولوا عليه كلام تاني خالص. كانوا بيسموه “الغول الصامت”.. الراجل اللي يفرتك أكبر حوت في السوق بكلمة واحدة وبصوت واطي من غير ما يضطر حتى يرفع نبرة صوته، قاسي وجبار ومبيسمحش بالغلطة من أي حد، وقلبه ده كأنه صخر مبيحنش.
ندى فضلت مبحلقة فيه برعب، وكريمة الفانيليا لسه عمالة تسيل على الأرض الرخام الطاهرة اللي مفيهاش تراب ترابة.
بلعت ريقها بالعافية وقالت بصوت مهزوز: “أنا.. أنا آسفة جداً.. مكنتش أعرف إن في حد هنا.”
ياسين بصلها، ونزل عينه ببطء وبدون أي تعبير ناحية البقعة البيضاء اللي بتفرش على الرخام، وقال بصوت هادي، هادي لدرجة تخوف وتجيب جلطة: “تقدري تثبتي أسفك ده بإنك متغطيش باقي المصعد بكريمة الزبدة بتاعتك دي.”
طريقة كلامه الباردة واللامبالية خلت جسم ندى يقشعر. بصت تحت رجليها بفزع: “يا لكسفتك يا ندى.. لأ لأ لأ.. دقيقة واحدة.”
نزلت على ركبها بسرعة وهي بتحاول توازن الكراتين الستة فوق ركبتها، وإيدها التانية بتدور بلهفة في شنطتها على أي منديل ورق. وفي اللحظة اللي نقلت فيها وزنها عشان تسند، الكعب المكسور التاني خانها للمرة الثانية واتلوى تحتها. الكراتين مالت.. ندى صرخت بصوت مكتوم..
بس “ياسين” كان أسرع من الجاذبية.
قبل ما الكراتين تقع وتتبهدل، حرك دراعه القوية وبمنتهى الحزم والسرعة لفها حوالين وسطها وضمها ليه، وبإيده التانية لقط أول تلات كراتين من على صدرها قبل ما يقعوا. كف إيد ندى نزل غصب عنها على صدر بدلته الفخمة. في اللحظة دي.. الزمن وقف. كانت ندى مضغوطة ضده تماماً، حسيت بدفا جسمه وقوته وصلابته في مقابل ضعفها ولخبطتها. أنفاسها اتحبست في زورها، مش عارفة هل هي مكسوفة من الموقف ولا مصدومة من القرب ده ومن ريحته اللي كانت خليط من السيجار الفخم وعطر غالي جداً ونفاذ.
ولا واحد فيهم اتحرك.
ياسين بص للبنت اللي بين دراعه. عينيها الخضراء الواسعة كانت مليانة دهشة ورعب، خدودها كانت حمرا زي الطماطم من المجهود والكسوف، وفي أثر دقيق أبيض مرسوم على جمب جبهتها كأنه هلال. كانت لابس فستان كحلي بسيط وعليه جاكيت بيج طويل، وعلى عكس الستات المنسوقات بالمقاس اللي بيحضروا حفلاته وسهراته، البنت دي كانت طبيعية لدرجة تخض، ومش واخدة بالها أصلاً من تفاصيل جسمها ومنحنياتها اللي كانت مطبوعة عليه في اللحظة دي. أو يمكن كانت عارفة.. بس مأجلة الاعتذار لبعدين.
“دييينج”.. صوت جرس المصعد أعلن وصولهم للدور الخامس عشر.
ياسين ساب وسطها فجأة وبسرعة كأنه لمس سلك كهربا عريان ومكهرب. عدل كراتين الكب كيك في إيدها، ورجع خطوة لورا وخرج للردهة الفخمة بتاعة مكتبه. وهو ماشي، قال ببرود ومن غير ما يبص وراه: “خدي بالك من خطواتك بعد كده.”
ندى لمت شتات نفسها ووجدت صوتها والباب بيقفل: “في العادي باخد بالي والله!”
ياسين لف وشه ببطء، ونزل بنظرته الحادة والمستهزئة لجزمتها المكسورة. ندى رفع راسها بكبرياء وبصتله بثقة: “بس النهارده استثناء!”
في اللحظة دي، وقبل ما الباب يقفل تماماً، ندى لقطت حركة خفيفة جداً في طرف بقه، مكنتش ضحكة صريحة، بس كانت إشارة غامضة خلتها تفضل مبحلقة في الباب المقفول وهي مش مصدقة.
سندت ندى ضهرها على جدار المصعد وزفرت نفس طويل كانت كتماه. “ياسين الغرباوي”.. لسه ماسكها بإيده ومنقذها! وبصلها.. بصلها كأنها مش غبية ولا ملخبطة ولا دوشة وصوتها عالي.. بصلها كأنه نسي للحظة واحدة هو مين وجبروته وقسوته دي جاية منين.
المصعد كمل نزول للدور الـ اتناشر اللي فيه مكاتب إدارة الحسابات. ندى قالت لنفسها وهي بتعدل شعرها: “فوقي يا بت.. ده مجرد موقف تافه ومش هيتكرر تاني.”
الفصل الثاني: جدران القلوب وقواعد الدقيق
فوق في الدور الأخير.. دخل ياسين الغرباوي مكتبه بهيبته المعتادة. بمجرد ما خطت رجله العتبة، رجالة بشنبات وشعرهم شايب، في سن أبوه، وقفوا انتباه احتراماً وخوفاً منه. قعد ورا مكتبه الخشب الأثري العريض اللي بيطل على منظر النيل الساحر من فوق، وفتح ملف صفقة استحواذ فيه أكتر من أربعين ورقة. بعد ربع ساعة، اكتشف إنه مقراش كلمة واحدة!
لواحد وعشرين سنة كاملة، من يوم ما بدأ يتعلم أصول الشغل والتجارة على إيد أبوه الله يرحمه، ياسين كان بيمرن نفسه وبيقسي قلبه عشان ميتعلقش بأي حاجة في الدنيا دي، لأن الشغلانة دي عاوزة قلب ميت، وأي نقطة ضعف هي السكينة اللي منافسينه وأعدائه هيدبحوه بيها. بس البنت دي.. اللي دخلت مصعده زي الإعصار وجزمتها مكسورة، عملت أول شرخ في الجدار الخرساني اللي باني بيه قلبه من سنين.
“ندى” عندها تسعة وعشرين سنة، وبتشتغل شيف حلواني رئيسي في مخبز “أيام زمان”، وهو محل صغير وبسيط وجميل في حارة ضيقة على بعد شارعين بس من برج الغرباوي الإداري. ورثت حب الصنعة دي من أمها الله يرحمها، اللي كانت دايماً بتقول لها: “يا بنتي.. الناس بتبان على حقيقتها وهي بتاكل حاجة دافية لسه طالعة من الفرن.” وكانت تشرح لها وتقول: “الزبون السعيد تلاقيه يغمض عينيه وهو بيدوق.. والوحيد الحزين ياكل ببطء شديد كأنه بيونس نفسه باللقمة.. أما اللي عامل نفسه مش مهتم ومش فارق معاه تلاقيه دايماً يطلب حتة تانية من غير ما يحس.”
ندى كان عندها حداشر سنة لما أبوها مات في حادثة على الطريق السريع، وأربعة وعشرين سنة لما السرطان خطف أمها الحنينة. وقتها اضطرت تبيع محل “أيام زمان” عشان تسدد ديون المستشفى ومصاريف العلاج، بس صاحبة المحل الجديدة، الست “أميمة”، كانت ست طيبة وأصيلة، شافت شطارة ندى فمشتهاش، بالعافيه خلتها معاها ورقتها وبقت هي الكل في الكل في المطبخ. ندى رمت كل مشاعرها وحياتها جوه العجين والفرن.. لأن الزبدة والدقيق والسكر بيمشوا بقواعد واضحة؛ حطيت كذا هيطلع كذا. البشر لأ.. البشر ملهومش قواعد.
وخطيبها السابق “شريف” علمها الدرس ده بأقسى طريقة ممكنة قبل فرحهم بست أسابيع بس. كان واقف في مطبخ شقتهم اللي بيجهزوها، وبص لها وقال ببرود: “ندى.. أنا بحبك.. بس كنت أتمنى لو تكوني ‘أقل’ من كده شوية.” “يعني إيه أقل؟” “يعني أقل كلام.. أقل طموح.. أقل عناد وعاطفة.. متعمليش لكل حاجة قصة وتفاصيل.” وبعدين نزل بعينه على جسمها المليان شوية وبمنحنياته الأنثوية الواضحة وقال: “ويا ريت لو أقل لفتاً للانتباه.”
بعدها بتلات شهور.. ندى شافت صور خطوبته على بنت تانية.. بنت شكلها كأنها مصنوعة عشان تختفي وتتدفن ورا ضهره وميبقاش ليها أي حس. ندى عيطت ليلة واحدة بس.. وتاني يوم الصبح، نزلت المحل وخبزت ميتين حتة سينابون بالقرفة والسكر، وأخدت قرار من جواها: عمرها ما هتقلل من حجمها ولا من بريقها عشان تعجب حد تاني أو تخليه يحس إنه راجل عليها.
القرار ده كان سهل تنفيذه في معظم الأيام.. بس بقى صعب جداً لما فضلت لمسة إيد ياسين الغرباوي حوالين وسطها معلمة كأنها طيف مش عايز يفارقها.
الفصل الثالث: كلام بنات فوق كب كيك الورد
“أنتِ بتفكري فيه تاني.. صح؟”
صوت “منى” صديقة عمر ندى قطع حبل أفكارها. ندى كانت واقفة ورا الفتارين الزجاجية بتاعة “أيام زمان”، وبتزين الكب كيك بوردات من الكريمة الروز، في حين إن منى كانت قاعدة على الكرسي الخشب العالي بتشرب فنجان قهوة من غير ما تدفع تمنه كالعادة. منى هي صاحبتها من أيام معهد السياحة والفنادق، وبتعتبر إن الدعم النفسي اللي بتقدمه لندى يديلها تصريح مدى الحياة لطلب أي مشروب أو حلوى ببلاش.
ندى حاولت تخبي لخبطتها وقالت: “بفكر في جرد المخزن والله.. محتاجين دقيق مخبوزات.”
منى ضحكت وسخرت: “جرد إيه يا بنتي؟ أنتِ بقالك ربع ساعة بتعملي نفس الوردة فوق الكب كيك أربع مرات ورا بعض لحد ما بقت شبه هرم الجيزة!”
ندى بصت للكب كيك واتصدمت من منظر الكريمة اللي كبرت فعلاً. اتنهدت وقالت بغيظ عشان تداري: “الراجل ده رخم وقليل الذوق!”
منى غمزت لها: “بس لحقك بيمينه قبل ما تقعي على بوزك!”
“بعد ما قعد يتفلسف ويتريق على الكريمة بتاعتي!”
“على أرضية المصعد بتاعه يا ندى.. متنسيش.”
“ما يولع هو والمصعد بتاعه! ما هو عنده طوابق وعمارات تانية ياما يعني!”
منى مالت عليها بفضول: “قوليلي.. هو وسيم ووجيه زي صوره في المجلات؟”
ندى حاولت ترسم اللامبالاة على وشها وقالت بصوت واطي: “بصراحة.. في الحقيقة هيبته ووسامته تضيع أي صورة.”
منى صقفت بإيدها بانتصار: “أوباااا.. أنتِ وقعتي في الفخ يا ندى ويا خوفي من اللي جاي!”
ندى ردت بحدة مصطنعة وهي بتشيل صينية الحلويات: “وقعت فين يا بنتي! أنا بس وصلت الطلب وخلصنا.. ومستحيل في يوم من الأيام هشوف وشه تاني أصلاً!”
الفصل الرابع: السكة أمان والبلارينة تكسب
بعد تلات أيام بالتمام والكمال، رجعت ندى تاني لبرج “الغرباوي” وهي شايلة أربع كراتين تارت ليمون منعش وريحتُه تجنن، كانت رايحة تسلمهم لمكتب محاماة واستشارات قانونية كبير في الدور الثامن.
المرة دي بقى، ندى كانت واخدة حذرها على الآخر.. كانت لابس جزمة فلات (بلارينة) مريحة جداً ومن غير أي كعب يذكر.
طول الطريق في الميكروباص والمشوار، فضلت تقنع نفسها وتأكد على دماغها إن الجزمة دي عملية ومريحة عشان الجري والتوصيل، وإن اختيارها ملوش أي علاقة بالخوف من إنها تقع وقعة تفضحها وتطير برستيجها قدام ياسين الغرباوي تاني. كانت بتقول لنفسها: “أنا بنت عملية وبحب راحتي، وهو أصلاً ولا على بالي ولا هفتكر شكلُه.”
لما وصلت البرج ووقفت قدام الأسانسير وفتح بابُه، لقتُه فاضي مفيش فيه صريخ ابن يومين. دخلت ندى وهي حاسة بـأنها ملكت الدنيا، وداست على زرار الدور الثامن، وطلعت تنهيدة طويلة.. تنهيدة كان فيها خيط خفي من خيبة أمل.. خيبة أمل غريبة رفضت تفكر فيها أو تعترف لنفسها بإنها حساها، أو إنها كانت بتتمناه يظهر.
الأبواب الفولاذية كانت خلاص بتقفل والمسافة بين البابين يدوب سنتيمترات، لما فجأة ظهرت إيد راجل قوية وحازمة دخلت في النص ومنعت الأبواب من القفل.
الباب فتح تاني بنعومة.. ودخل “ياسين الغرباوي”.
المرة دي كان هيبته تخطف العين أكتر؛ لابس بالطو جوخ أسود طويل وفخم فوق بدلة سوداء تانية متفصلة عليه بالملّي، وفي الصالة ورا الباب كان واقف اتنين من رجالة الحراسة بتوعه (البودي جاردات)، بجسامتهم وبدلهم السودة وعيونهم اللي بتلف المكان زي الرادار، بس ياسين شاورلهم بإيده يفضلوا مكانهم وميدخلوش وراه.
بمجرد ما ياسين خطى رجلُه جوة الأسانسير، عينيه الرمادية لقطت ندى في ثانية، ومن غير مقدمات، نزلت نظرته الحادة مباشرة لتحت.. لرجليها.
ساد الصمت لثانية، وبعدين كسر ياسين الجليد وهو بيعدل ياقة البالتو بتاعه وقال بصوته الرخيم اللي فيه نبرة سخرية خفيفة: “مفيش كعب مكسور النهارده يعني.”
ندى حست بدمها بيغلي من طريقته، بس قررت متستسلمش، رفعت رجل واحدة لفوق شوية بطفولة وتحدي وهي بتبتسم بثقة: “أنا بتعلم من أخطائي علطول ومبكررهاش.”
ياسين بصلها بتمعن، وعينيه الرمادية كان فيها لمعة غامضة كأنه بيقرأ اللي جواها، وقال ببطء ونبرة واطية خلت قلبها يرجف: “بجد؟ بتتعلمي؟”
الفصل الخامس: هيبة “الغرباوي” في دكان “أيام زمان”
البوابات اتقفلت..
الصمت ملأ المكان كله، بس مكنش صمت فاضي أو عادي؛ كان صمت تقيل ومليان كلام مش مسموع. ندى كانت حاسة بوجود ياسين جمبها بكل جوارحها، حاسة إنها تحت ميكروسكوب عينيه الرمادية اللي بتراقب كل تفصيلة فيها، في الوقت اللي كانت ريحة عطره النضيفة، الفخمة والرجالية، ملت فراغ الأسانسير الصغير كله وسيطرت عليه.
ياسين دخل في حياته مئات الأسانسيرات والمكاتب مع وزراء، ومسؤولين كبار، وقضاة، ورجال أعمال بشنبات، ناس كانت بتخاف تتنفس في وجوده أو ترفع عينها في عينه. بس البنت دي مكنش حد قال لها الكلام ده، أو يمكن كانت عارفة ومطنشة.
بص للكراتين اللي في إيدها وقال بهدوء: “أنتِ لسه بتوصلي برضه بنفسك؟”
ندى ردت ببساطة وتلقائية: “هو ده اللي بنعمله علطول لما بيكون عندنا أوردرات وحلويات محتاجة رعاية خاصة.”
عينيه اتحركت لوشها، وركزت في ملامحها.
ندى ابتسمت ابتسامة خفيفة تبل ريق الخوف، رغم إنها كانت عارفة كويس إنها واقفة جمب أكتر راجل بيترعب منه أي حد في السوق كله.
ياسين سكت لحظة، وكأن الكلمة البسيطة دي لمست حاجة جواه، وقال بصوت واطي: “عمري ما فكرت في الموضوع ده بالشكل ده.”
ضحكت ندى بخفة وقالت: “يا فندم أنت لازم تشرفنا وتزور المطبخ في أي وقت.. الشغلانة دي متعبة بجد ومحتاجة فن وصبر.”
الأسانسير هدي.. ووقف وأعلن وصوله للدور الثامن.
قبل ما تخرج، لفت وشها وبصتله: “أنا ندى.. ندى عبد الرحمن.”
رد عليها بنبرة جافة بس هادية: “ياسين.”
ابتسمت ندى وقالت وهي بتعدي الباب: “عارفة.. مصر كلها عارفة الاسم قبل ما تقابل صاحبه.”
ياسين حس بكلمتها وكأنها رميت حجر في مية راكدة، حواجبة اتقابلت وبصلها باستغراب: “نعم؟”
ندى وقفت وبصتله بعيون ثابتة: “قصدي.. إن الناس بتبصلك على إنك ‘الاسم والفلوس والهيبة’.. بس مفيش حد فكر يبص للراجل اللي ورا الاسم ده، هل يستحق فعلاً إن الواحد يقابله ويعرفه؟”
وقبل ما ينطق بكلمة واحدة، كانت ندى خرجت، والأبواب الفولاذية قفلت وراها وسابت ياسين واقف لوحده في الأسانسير وهو حاسس بحالة غريبة ممرش بيها من سنين.
وفي نفس الليلة دي.. ياسين الغرباوي عمل حاجة مكنش بيعملها أبداً، حاجة غريبة على راجل بحجمه وبحسابه لكل خطوة في حياته. قرر يروح لمكان من غير ميعاد، ومن غير ترتيب، ومن غير حراسة حتى.
محل “أيام زمان” كان دكان صغير دافي، بابه خشب قديم مدهون استر، وفيه ترابيزات وكراسي خشبية بسيطة مش لايقة على بعضها بس تفتح النفس، والمنيو مكتوب بخط الإيد على سبورة سوداء متعلقة على الحيطة.
ندى كانت واقفة ورا الفترينة بتلمع الإزاز، لفت وشها عشان تبص على الزبون اللي دخل.. وفجأة اتمسمرت في مكانها وعينها وسعت من الصدمة.
“أنت؟!”
ياسين كان واقف في وسط المحل، ببالطوه الأسود وهيبته اللي خلت الدكان الصغير يبان أصغر، عينه كانت بتلف المكان الدافئ، بيبص على الكراسي البسيطة، وعلى السبورة المكتوبة بالطباشير.
بص لندى وقال بنبرة هادية بس فيها حتة ثقة وسخرية: “هو ده اللي الناس بتعمله علطول لما بدخل أي مكان؟ بيبحلقوا كدا؟”
ندى بلعت ريقها وسندت إيدها على الفترينة وهي مش مصدقة عيونها:
“أنت.. أنت بتعمل إيه هنا بالظبط؟”…..تابع للجزء الثاني

