ج1 لو عرفتي ترقصي

ج1 حكايات محمد عبده

في قلب التجمع الخامس، وفي واحدة من أفخم فيلات القاهرة الجديدة، كانت أضواء النجف الكريستالي الثري تلمع على الأسطح الرخامية المغسولة بنقاء زجاجي، وتعكس وجوه أكثر من مائتي شخص من صفوة المجتمع ورجال الأعمال وكبار الشخصيات. القاعة الفسيحة، التي اتسعت لأرقى الموائد المغطاة بالحرير الأبيض وأفخر أطباق الضيافة المزدينة بالورود النادرة المستوردة، كانت تموج بأصوات الضحكات المتكلفة، وهمسات المديح، وصليل الكؤوس الكريستالية التي تتدفق منها المشروبات الباردة.

كانت هذه الليلة هي ليلة الاحتفال غير الرسمي باقتراب عقد قران الملياردير الشاب كريم السيوفي—أحد أكبر رجال التطوير العقاري والاستثمار في مصر والشرق الأوسط—على ليلى الكيلاني، ابنة أحد أكبر المصرفيين في العاصمة، والوجه البارز في مجلات الموضة وصفحات التواصل الاجتماعي.

ليلى، التي كانت ترتدي فستاناً أوف وايت مرصعاً بحبات السواروفسكي الدقيقة، كانت تطوف القاعة كأنها تمتلك الأرض ومن عليها. كانت كل خطوة تخطوها بعباءة من الثقة المطلقة والجبروت الناعم، مستمتعة بكاميرات المصورين التي تلاحقها، وبالتهاني التي تتدفق عليها من زوجات الوزراء ورجال الأعمال. كانت ترى في كل شبر من هذه الفيلا الأسطورية مملكتها القادمة، وفي كريم السيوفي الكنز الذي طالما خططت للفوز به.

في تلك الأثناء، وعلى حافة القاعة، بعيداً عن أضواء النجف المتلألئة وقريباً من الأبواب الخلفية المؤدية للمطابخ والممرات الفرعية، كانت أمينة تقف بثبات يغالبه التعب. أمينة، المرأة التي لم تتجاوز أواسط الثلاثينيات لكن الزمان والشقاء حسما ملامحها برسم دقيق، كانت ترتدي زي الخادمات الداكن والمكوي بعناية. كانت تحمل صينية فضية ثقيلة تعلوها كؤوس المشروبات، وإصبعها السباب يستند بقوة على القاعدة حتى لا تهتز الصينية تحت ثقل التعب الذي يتسرب إلى قدميها بعد عمل استمر لأكثر من أثنتي عشرة ساعة متواصلة.

أمينة لم تكن مجرد خادمة بالصدفة؛ كانت امرأة عركتها الحياة وكسرت أحلامها. قبل سنوات ليست بالطويلة، كانت تملك أكاديمية صغيرة لتعليم الرقص الكلاسيكي والتعبيري في أحد الأحياء القديمة، شغفها الأول والأخير في الحياة الذي ورثته عن أحلام عريضة، قبل أن تأتي ديون التجهيز وركود السوق وغدر الشركاء لتعصف بالصالة الصغيرة، وتراكم القروض عليها حتى انتهى بها الأمر إلى إغلاق الصالة، وبيع كل ما تملك، والعمل كخادمة بالساعة في قصور التجمع كي تسدد أقساط ديونها وتوفر لقمة عيش كريمة لابنتها الوحيدة “سلمى”.

وفجأة، وبدون مقدمات، انسلت طفلة صغيرة من بين الستائر المخملية الثقيلة المغطية للأبواب الزجاجية المطلة على الحديقة.

كانت سلمى، ذات السنوية السادس، تبحث عن أمها. سلمى الطفلة التي لم تعرف من الدنيا سوى جدران حجرتهم البسيطة وصوت الموسيقى التي كانت أمها تشغلها على هاتفها القديم في أوقات الحزن، كانت ترتدي فستاناً أزرق باهتاً، مقاسه أكبر منها بقليل، استعارته أمينة لها من ابنة جارتهم لتسترها به في هذا اليوم الطويل بعد أن اضطرت لجلبها معها لعدم وجود من يرعاها في البيت. الفستان كان يلامس الأرض بخيطه المهلهل من الأسفل، وكتفه الأيسر يتساقط كل بضعة ثوانٍ عن كتفها الصغير، فترفعه ببراعة طفولية وتستكمل خطواتها.

سلمى لم تكن تفهم معنى المليارديرات ولا القصور، كل ما جذبها كان صوت نغمات الفرقة الموسيقية الشرقية-الغربية التي كانت تعزف في خلفية الحفلة. انجذبت الطفلة ببراءة تامة نحو مصدر الصوت، ووقفت عند طرف السجادة العجمية الفاخرة، عيناها متسعتان بذهول ودهشة طفولية وهي تتأمل النجف والناس والديكورات الأسطورية.

ولكن، عين ليلى الكيلاني كانت أسرع من الجميع.

كانت ليلى قبل لحظات فقط تنتهي من رقصة استعراضية متكلفة وسط القاعة، حيث تعمدت أن تجذب الأضواء نحوها لتبهر الحضور ولتبهر كريم السيوفي الذي كان يقف في أقصى القاعة يتحدث برصانة مع بعض المستثمرين الأجانب. فلما لمحَت سلمى واقفة بفستانها الاستثمار الرخيص وكتفه المائل، انقبضت ملامح ليلى باحتقار.

بالنسبة لليلى، وجود طفلة بهذا المظهر في ليلة تتويجها كان بقعة شائبة على ثوب سفيد ناصع. ولكن بدلاً من أن تطردها بهدوء، لمحت في عين الطفلة البراءة الصافية، فرأت فيها فرصة لتقديم عرض سخرية جديد يُضحك الحضور ويتوج استعلاءها.

تقدمت ليلى بخطوات واثقة، كعب حذائها العالي يقرع الرخام بإيقاع حاد ومستفز. رفعت كاس العصير الفاخر المطعم بماء الذهب في يدها، وبصوت عالي يخالطه رنين ضحكة مستهزئة، رفعت صوتها ليرتد في جنبات القاعة الفسيحة، متجاوزاً صوت الموسيقى الهادئة:

— “لو رقصتي أحسن مني يا حلوة.. هدّي أمك مليون جنيه!”

انطلقت الجملة كالسهم في أرجاء القاعة.

خلال ثوانٍ معدودة، ساد الهدوء الاستعراضي، ثم انفجرت موجة من الضحكات الساخرة بين الحضور. رجل أعمال خضبت لحيتها الشيبة يرتدي بدلة ثمنها آلاف الدولارات كان أول من قهقه بهزء، ممسكاً بموبايله الحديث ليلتقط المشهد. وفي لحظات، ارتفعت عشرات الهواتف الذكية في الهواء، وتوجهت الكاميرات والشاشات اللامعة نحو سلمى، الطفلة المسكينة الواقفة بوسط البقعة المضيئة تحت النجف، لا تفهم سبب هذه الضجة.

أمينة، التي كانت تجلس على طرف الطاولة تفرز الكؤوس الفارغة، اتسعت عيناها برعب كأن الصاعقة أصابتها. سقطت الصينية الفضية من يدها بكتمة خفيفة على المفرش السليفي، واسرعت بخطوات مضطربة وهي تتقدم نحو طفلتها. كانت يدها ترتعش، وشعور بالقهر والمهانة يمزق أمعاءها.

وصلت أمينة، وبصوت خفيض خاشع يحاول ترميم ما تبقى من كرامة الخادمة، قالت وهي تنحني بجسدها المجهد: — “بنتي دخلت عشان سمعت الموسيقى.. وإحنا هنمشي دلوقتي، حقكم عليا.”

أحاطت أمينة كتفي ابنتها الصغيرة ببراعة الأم الحامية، وخدت خطوة لوراء لتحتضنها وتنسحب بها نحو الممر الخلفي.

لكن ليلى الكيلاني لم تكن لتسمح بانتهاء المشهد بهذه السهولة. خطت خطوة سريعة وحاسمة، ووقفت أفقاً ساداً قدام أمينة، مانعة إياها من الحركة. رسمت على وجهها ابتسامة قاسية مليئة ببالغ الجبروت والتسلط، وقالت بصوت مسموع للقريب والبعيد:

— “ليه بس تبوّظي المتعة يا شاطرة؟ خلي الناس تتسلّى! أنا بتكلم بجد.. مليون جنيه عد ونقد لو البنت دي قدرت تبهر الناس أكتر مني ورقصت حتة رقصة بلدي ولا كلاسيك تنفع للمستوى ده!”

عادت القهقهات تتعالى في القاعة. المصورون التابعون للمجلات زادوا من التقاط الصور، ولحظات التهكم أصبحت هي العرض الرئيسي في الحفل.

أمينة شعرت بأنفاسها تضيق، وبحرارة القهر تحرق عينيها. مدت يدها مجدداً، وبصوت مبحوح يحمل كل وجع الدنيا قالت: — “سلمى.. تعالي معايا يا بنتي.”

ولكن سلمى لم تتحرك.

الطفلة الصغيرة لم تكن مرعوبة من الضجة ولا من كاميرات الهواتف. كانت عينها الصافية والذكية تتأمل أفراد الفرقة الموسيقية الجالسين على المنصة والذين توقفوا عن العزف بانتظار ما ستسفر عنه هذه المأساة. لمست سلمى ثوب أميتها، وببرأة تامة، وبلسان طفولي نقي لا يعرف طعم الخبث، همست لأمها بصوت سمعه الحضور القريبون:

— “ماما.. ينفع أرقص على أغنيتنا؟”

تجمّدت الدموع في عيني أمينة، ونَفَسها اتقطع تماماً.

“أغنيتنا؟!” تلك الكلمة نكأت في قلب أمينة جراحاً غائرة. الأغنية التي تقصدها سلمى لم تكن أغنية شبابية حديثة ولا لحناً هابطاً مما يرقص عليه الناس في الحفلات. كانت قطعة موسيقية نادرة، لحناً كلاسيكياً شجياً يمزج بين ألحان الشرق القديم وحزن الكمان الكلاسيكي الغربي. كانت هذه القطعة الموسيقية بالذات هي اللحن الذي أسست عليه أمينة كل عروضها القديمة في صالتها المغلقة، وهي نفس النغمة التي كانت تعزفها على هاتفها وتدرب عليها سلمى في حجرتهم الضيقة ليلاً كنوع من الهروب من واقع الفقر والديون. كانت هذه النغمات هي شريط خاطراتهم، ورمز صمودهما.

سلمى رفعت وجهها الصغير، وبصت في عيني أمها المليئتين بالخوف، وسألتها بسؤال بريء أدمى قلب الأم: — “إنتي مكسوفة من رقصي يا ماما؟”

سقطت أمينة على ركبتيها فوراً برغم آلام مفصلها من الوقوف، غير أبهة بنظرات الأغنياء ولا بفستانها الداكن المترب من الأرضية. أحيطت وجه طفلتها بين يديها الدافئتين المجهدتين، وقالت بصوت يرتعش بنبرة حب لا تقبل الشك: — “عمري ما أكون مكسوفة منك يا روح ماما.. عمري.”

سلمى ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت بصلابة طفولية عجيبة: — “طب ينفع أوريهم؟”

وقفت أمينة ببطء، وتراجعت كل آلام القهر والضعف إلى الخلف، ليحل محلها كبرياء امرأة وأم أهينت كرامتها فقررت أن تجعل فن ابنتها النقية يرد الاعتبار. مسحت دموعها المحبوسة، ورفعت رأسها بشموخ وأناقة قديمة كانت قد نسيتها منذ سنوات. تنحّت جانباً وبصت لليلى الكيلاني بجمود وقالت بنبرة حادة وصارمة شقت صمت القاعة:

— “بنتي ممكن ترقص.. بس مش عشان تسلّيكي، ولا عشان فلوسك.”

ثم التفتت أمينة مباشرة نحو رئيس الفرقة الموسيقية. كان رجلاً مسناً يمسك بالكمان، ويبدو على وجهه الاحترام والتقدير الفني. خطت أمينة خطوات بثقة ونطقت اسم مقطوعة موسيقية نادرة جداً، معزوفة كلاسيكية شرقية قديمة لم يُعد عزفها منذ عقود، مقطوعة صعبة لا يعرف سر شجونها وإيقاعها إلا قلة من المحترفين.

استغرب قائد الفرقة، وبص لأمينة بذهول، لكنه رأى في عيني الخادمة بريقاً لا يكذب. رفع قائد الفرقة قوس الكمان وغمز لزملائه ببدء النوتة.

وفي أقصى القاعة الكبيرة، عند الطاولة المرتفعة المطلة على المسبح، كان الملياردير كريم السيوفي واقفاً يناقش عقداً استثمارياً ضخماً. ولكن ما إن ارتفعت أول نغمة من قوس الكمان، حتى تجمدت يده التي كانت تحمل القلم.

توقف كريم عن الكلام تماماً. اتسعت عيناه، ومسح وجهه بيده بذهول لا يصدق.

هذه النغمة.. هذا اللحن بالذات! إنه يستحيل أن يخطئه. إنها ذات المقطوعة الموسيقية السرية التي لم تسمعها أذناه إلا في مكان واحد فقط في ماضيه البعيد الذي يهرب منه.. المكان الوحيد الذي أحب فيه بصدق قبل أن تتغير حياته ويصبح الملياردير الصارم الذي يخشاه الجميع.

التفت كريم ببطء، وعيناه النافذتان تخترقان زحام الأجساد والموائد، ليرى من هذا الذي يطلب عزف هذه المعزوفة بالذات.

في منتصف القاعة، وضعت سلمى لعبتها القماشية الصغيرة البسيطة جنب قدمي أمها، وخطت بخطوات كلاسيكية موزونة ثابته نحو منتصف مساحة الرخام اللامعة تحت أضواء النجف الساطعة.

ليلى الكيلاني شبكت ذراعيها بثقة مطلقة، وارتسمت على وجهها ابتسامة ساخرة ينتظر معها تعثر الطفلة وضحك القاعة. والناس حولها رفعوا هواتفهم أكثر، مستعدين لتصوير المشهد الفكاهي البائس.

أخذت سلمى خطوة صغيرة، رفعت ذراعيها الصغيرتين بأناقة وشكل انسيابي راقٍ ينم عن تدريب رفيع المستوى وعن جينات فنية أصيلة.

وفجأة.. ضرب القوس الأوتار، وبدأت الموسيقى.

أول خطوة خطتها الطفلة “سلمى” على الرخام الصقيل كانت هادئة، خفيفة، وناعمة لدرجة إن بعض الحضور من الأغنياء المستهزئين افتكروا إن الطفلة هتتوتر تحت أضواء النجف الساطعة، وتتراجع لورا لمظلة أمها الخادمة وتوقف.

لكن ده ما حصلش.

مع أول نغمة حنونة خرجت من قوس الكمان، جسم سلمى الصغير اتحرك بانسيابية غريبة وشديدة الرقي، انسيابية مستحيل تكون لطبيعة طفلة في سن السادسة بتمشي في شوارع عادية! كانت رجليها الصغيرة بتتحرك بثقة وخطوات موزونة بالمسطرة، وإيديها اللطيفة بترسم في الهوا حكاية كاملة مفعمة بالشجن والكبرياء.

الضحكات الساخرة التي كانت تملأ أرجاء القاعة بدأت تختفي تدريجياً وتتلاشى كأنها لم تكن.

الموبايلات الحديثة التي كانت مرفوعة بوقاحة للتصوير بدافع السخرية والتنمر على بنت الخادمة، أصبحت تسجل المشهد في صمت ذهول وتأثر تام.

واحد من رجال الأعمال الكبار همس لصاحبه وهو مبلم: — “هي البنت دي متدربة كلاسيك؟! دي حركاتها احترافية أوي!”

رد عليه رجل أعمال تاني وهو بيعدل نظارته بذهول: — “والموسيقى دي مش عادية اصلاً.. دي نغمة قديمة جداً وفيها حزن راقي، إزاي طفلة زي دي ترقص عليها بالثبات ده؟!”

في نفس اللحظة بالذات.. كان الملياردير كريم السيوفي واقفاً في مكانه كالصنم، عيناه الحادتان مثبتتان تماماً على الطفلة سلمى.

ملامح وجهه الصارمة التي تهز سوق العقارات اتغيرت كلياً؛ امتزج فيها الحنين الجارف مع الصدمة الشديدة وعدم التصديق!

الأغنية دي.. ما كانتش بالنسبة لكريم مجرد لحن عابر! دي كانت معزوفة خاصة جداً وسرية، كانت بتتعزف زمان في قصر عيلته القديم والمهجور في حي الزمالك، معزوفة كلاسيكية عزفتها عيلته في الأيام الخوالي، ومحدش بره الدايرة القريبة جداً يعرف نوتتها أو سرها.

رجع كريم بذاكرته سنين طويلة لورا.. لسنوات طفولته الأولى، ولأخته الصغيرة التي اختفت فجأة في ظروف غامضة، وللأيام التي كان فيها قصر الزمالك مليئاً بالضحك والدفء الفني قبل ما كل حاجة تتكسر، وتباع أملاك العيلة، وتتشتت الأسرة في ظروف قاسية.

وعلى أرض القاعة البراقة.. سلمى بدأت تلف لفة كاملة بجسدها الصغير، وبعدها وقفت ثبات كلاسيكي ساحر، ثم رفعت إيدها اليمين بحركة خفيفة وانسيابية نحو الأعلى..

نفس الحركة! نفس الحركة بالظبط! الحركة التوقيعية التي كانت أخته الصغيرة بتعملها دايماً في نهاية كل تدريب رقص في قصر الزمالك!

قلب كريم السيوفي دق بعنف شديد لدرجة أنه شعر بصدى دقاته في أذنيه. — “مستحيل..” همس لنفسه بنبرة صوت مبحوحة وهو مش قادر يرمش.

أما ليلى الكيلاني.. فابتسامتها الساخرة والشريرة بدأت تختفي تماماً من على وجهها المزين بالمكياج الغالي. في الأول، كانت فاكرة إن الموضوع كله مجرد لعبة وهزار لإهانة خادمة وبنتها، لكن دلوقتي.. الناس والحضور كلهم بقوا مركزين ومفتونين بالطفلة أكتر منها ومن فستانها ورقصتها الاستعراضية المتكلفة!

واحد من كبار رجال الأعمال قال بصوت عالي وهو بيكتم إعجابه: — “البنت دي موهبة حقيقية! ده فن صافي م شفنهاش من زمان!” وسيدة من صفوة الحضور مسحت دمعة هربت من عينها وقالت: — “الرقصة فيها إحساس ومشاعِر مش طبيعية.. بتلمس القلب!”

أما أمينة.. كانت واقفة مكانها عند طاولات المشروبات، إيديها متشبكة في بعضها بدموع ونفضة، وعينيها مليانة دموع حارقة. هي عارفة الأغنية كويس، وعارفة كل حركة بنتها بتعملها لأنها هي اللي رسمتها في دمها، بس عمرها ما شافتها بترقص بالتحفيز والشغف ده قدام الناس! كأن في روح تانية عايشة جوة سلمى، كأنها مش بترقص بس.. دي بتحكي حكاية شقاء وكرامة عيلة كاملة.

فجأة.. الموسيقى هديت بالتدريج. وسلمى وقفت في منتصف القاعة لحظة، رفعت عينيها الصافيتين مباشرة نحو كريم السيوفي، وكأنها شايفاه هو بس وسط المائتي شخص.

وبعدين.. كملت آخر جزء من الرقصة؛ حركة بطيئة، خطوتين خفيفتين لقدام، وبعدها انحناءة كلاسيكية خفيفة وراقية.

ساد الصمت في القاعة! ثانيتين.. تلاتة.. وفجأة، القاعة كلها انفجرت بتصفيق حاد ورهيب! مش تصفيق مجاملة ولا جبر خاطر.. ده كان تصفيق حقيقي قوي هز جدران الفيلا والنجف! ناس كتير وقفت على رجليها، والموبايلات بقت بتصور بإعجاب وفخر مش بسخرية.

أما ليلى الكيلاني، فكانت واقفة مكانها مصدومة ومربكة، إيدها بتمسك كاس العصير بغل. ده ما كانش المفروض يحصل أبداً! دي كانت مجرد لعبة إهانة لبنت خدامة، لكن اللعبة اتقلبت عليها وعلى غرورها.

وفي اللحظة دي.. كريم السيوفي بدأ يمشي ببطء وبخطوات ثقيلة ناحية سلمى. خطوة.. خطوة.. وسط صمت مفاجئ حل على الحضور لما شافوا راعي الحفلة الملياردير بيتحرك بنفسه.

وقف كريم قدام الطفولة الصغيرة مباشرة، ونزل على ركبتيه لمستواها على الرخام، وبص في عينيها الصافيتين بذهول، وسألها بصوت منخفض خائف لكنه مسموع للقريبين: — “مين علّمك الرقصة دي يا شاطرة؟”

سلمى ابتسمت ابتسامة بريئة وطفولية، وقالت بلسان نقي: — “ستي كانت بترقصها لماما، وأنا اتعلمتها منهم في البيت.”

قلب كريم سقط في صدره، وبلع ريقه بصعوبة وسألها بلهفة متزرعة: — “اسم ستك إيه؟”

سلمى ردت من غير أي تردد وببراءة: — “اسمها نادية.”

الاسم وقع في القاعة زي الصاعقة المتفجرة!

— “نادية..” همس حارق خرج من بين شفايف كريم السيوفي وهو بيسترجع ذكرى أمه الراحلة والمدفونة في قلبه من سنين طويلة.

الناس والحضور بصوا لبعضهم مش فاهمين التفاصيل الكاملة، لكن حاسين بنبرة الصوت إن في حاجة مصيرية وكبيرة جداً بتحصل قدام عيونهم.

ليلى الكيلاني حاولت تتدارك الموقف وتضحك بسخرية مرتبكة: — “إيه الدراما والرعب دول يا كريم؟ اسم نادية ده اسم زي أي اسم يعني، هتعمل مناحة عشان بنت خدامة؟!”

لكن صوت ليلى اتقطع فوراً.. لأن كريم رفع إيده في الهواء بصرامة حادة من غير ما يبصلها أو يعبرها، وعيونه كانت مثبتة بذهول ورعشة على أمينة الخادمة الواقفة عند الطاولات.

خطى كريم نحو أمينة وسألها بصوت يرتجف: — “انتي قولتي اسمك إيه؟”

أمينة بلعت ريقها الناشف، ونزلت نظرتها للأرض بحزن قديم وقالت: — “أمينة يا فندم..”

قرب منها كريم خطوة كمان، وعروق وجهه بارزة: — “أمينة إيه؟! اسمك الكامل إيه؟!”

سكتت أمينة لحظة وكأنها بتحارب خوف قديم ووجع سنين الديون والهروب من الماضي، وبعدين رفعت رأسها وقالت بثبات حزين: — “أمينة نادية.. الاسم الكامل أمينة نادية السيوفي!”

الاسم الكامل نزل كأنه حكم نهائي واقتلاع للجبال!

كريم رجع خطوة لورا وكأن الأرض اتهزت واهتز معها القصر كله تحته. — “نادية..” قالها بصوت مبحوح ودموعه تجمدت في عينيه، “دي كانت أمي.. نادية السيوفي!”

صمت تام خيم على القاعة كلها لدرجة إن حبة قطرات من كوب زجاجي سقطت من يد أحد الحضور من الصدمة ورنت على الأرض.

أما ليلى الكيلاني، فوشها بدأ يتغير تماماً ودمها اتصفى من الرعب: — “كريم! إنت بتقول إيه؟! إنت اتجننت ولا إيه؟!”

لكن كريم ما ردش عليها ولا سمعها اصلاً. كان باصص لأمينة الخادمة كأنه بيشوف أخته الصغرى وماضيه الشريف قدامه بعد سنين الضياع. — “أمي كان عندها بنت صغيرة..” صوته اتكسر وعينه أدمعت أمام الـ 200 ضيف، “اختفت يوم ما القصر اتصادر واتباع في الديون القديمة.. ومحدش من العيلة عرف راحت فين ولا أراضيها إيه!”

دموع أمينة نزلت في صمت جارف، وهزت رأسها وهي بتنصب طولها المجهد: — “أنا كنت البنت دي يا كريم.. أختك الصغيرة اللي الدنيا دازت عليها، وسددت ديون القصر من شقاها وعرقها لحد ما اشتغلت خادمة بلقمتها عشان تربي سلمى!”

شهقت القاعة كلها في صوت واحد، ووقعت الكؤوس من أيدي بعض رجال الأعمال!

التفت كريم السيوفي ببطء شديد نحو ليلى الكيلاني.. نظرة عينيه تحولت من الصدمة إلى بركان من الغضب والازدراء الناشف الذي لا يرحم.

ثم أشار بيده نحو سلمى وأمينة وقال بصوت هز أركان الفيلا: — “الطفلة اللي كنتِ بتسخري منها وبتهيني أمها عشان مليون جنيه.. طلعت هي صاحبة القصر ده، ودمي ولحمي!”…..يتبع  للجزء الثاني والاخير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *