ج 1 حكايات زهرة
ج1

سقط الهاتف من يد شريف، وسمعت عبر الخط المفتوح صوت خطوات ثقيلة تصعد السلم، وصوت أصفاد حديدية تُفتح، وصوت الضابط وهو يصيح بلهجة حازمة: “المهندس شريف؟ اتفضل معانا من غير وش.”
وقفت عند النافذة مرة أخرى، رفعت فنجان القهوة البارد الذي تركته على السفرة منذ الصباح، وشربت منه رشفة واحدة. رأيت شريف يُقاد من بوابات العمارة، مقيد اليدين خلف ظهره، ينظر إلى الأعلى بنظرات مكسورة ملطخة بالعار والذهول، يفتش عن وجهي خلف الزجاج.
لم أمنحه متعة رؤية دموعي، بل التقت عيناي بعينيه، رفعت فنجان القهوة في الهواء وكأنني أنخب نهايته المحتومة، ثم أدرت ظهري للنافذة وأغلقت الستائر الثقيلة.
جلس الضابط أمامي، يراجع الأوراق والتقرير المبدئي من مركز الخدمة.
“التقرير بيأكد يا مدام منة إن الخرطوم مقطوع بموس أو كتر حاد، والشواهد كلها بتقول إنها محاولة قتل عمد مع سبق الإصرار والترصد. المكالمة المنسوخة اللي سجلتيها تعتبر اعتراف قاطع، بالإضافة لشيكات التأمين على الحياة اللي لقيناها في مكتبه ورسائل الواتساب مع الست اللي كان بيكلمها.”
تنفس الصُعداء ثم قال: “الحمد لله إن ربنا أنقذك وإن حماكي كان راجل بيفهم، وإلا كانت الكارثة هتبقى أبشع.”
مسحت على وجهي ببطء، لم أكن أبكي على شريف، فالرجل الذي أحببته مات في اللحظة التي لمست فيها يده أسلاك سيارتي في ظلام الليل، لكني كنت أفكر في عم مصطفى وطنط هدى. كيف سأواجه هذين الأبوين الصالحين عندما يعودان من الفيوم؟ كيف سأخبر الرجل الذي رفض أن يبهدل عربيتي، أن ابنه الوحيد كان مستعداً لبهدلة دماغي على الرصيف من أجل بضعة ملايين من الجنيهات؟
أغلقت محاضر الشرطة، وتوجهت إلى غرفة النوم. فتحت الخزنة، أخرجت أوراق ملكيتي للشقة، وعقود الحسابات المغلقة، وجواز سفري. كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الغروب، تنشر أشعتها البرتقالية على جدران البيت الذي شهد أعلى درجات الخيانة.
ارتديت معطفي، وأمسكت بهاتفي، ورأيت رسالة جديدة من طنط هدى تحتوي على صورة لعم مصطفى وهو يبتسم بطفولة ويقف أمام بحيرة قارون وهو يمسك كوباً من الشاي.
كتَبَت تحتها: “عمك مصطفى فرحان أوي يا منة، وبيقولك العصير والجمبري على حسابه لما نرجع.. ربنا يسعدك أنتِ وشريف ويخليكم لبعض يا بنتي.”


