ج 1 حكايات زهرة
ج1

ساد الصمت من جديد، ولكن هذه المرة سمعت صوت شهقات شريف وهو يشهق كالذبيح.
تابعت حديثي وأنا أتحرك في الصالة بخطوات ثابته: “عم مصطفى بصلها وقال لي: ‘يا بنتي العربية دي خرطوم الفرامل فيها مقطوع وسارب زيته، ومقصوص بآلة حادة مش مأكول من الصدأ ولا التراب… العربية دي ملعوب فيها، ومينفعش تتحرك خطوة واحدة، دي تجيب أجل اللي يركبها’. وطبعاً الراجل الطيب وخوفاً عليا، طلب لي ونش التوكيل، والعربية حالياً في طريقها للتوكيل الرئيسي… مع تقرير فني مبدئي بحالة القطع العمدي.”
سمعت صوت شريف يشهق بذهول: “يعني… يعني بابا وماما بخير؟”
“أيوة، بخير… ركبتهم كسور وميكروباص مكيف وطلعتهم الفيوم على حسابي عشان يغيروا جو بعيد عن القرف اللي إحنا فيه.” ثم تغيرت نبرتي من التهكم إلى الجدية القاتلة التي تجمد الدماء في العروق: “بس أنت اللي مش بخير يا شريف. أنت اللي حياتك انتهت النهاردة.”
“منة… استهدي بالله… أنا… أنا كنت مجنون… الشيطان غواني… أنا والله بحبك بس…”
“أوسخ حاجة في المجرم الجبان…” قطعت حديثه بقسوة، “…إنه لما ينكشف، بيتحول لفأر. وينسى الكبرياء اللي كان بيتمشى بيه في الصالون وهو بيقول لي ‘الأمان أولاً يا منة’. الأمان؟ أنت كنت بتظبط ساعة موتي يا شريف! كنت قاعد معايا على الفطار بتاكل السلطة وتتأكد إن الخطة ماشية تمام وأنك هترجع بالليل تلاقيني جثة في المشرحة!”
“أنا جاي البيت حالاً!” صرخ شريف وهناك صوت صرير فرامل سيارته وهو يلتف في المنتصف بشكل خطر على الطريق. “نتكلم يا منة! نتفاهم! بلاش نهد بيتنا، بلاش تدخلي الشرطة، بلاش فضايح قدام أبويا وأمي! أبوس إيدك، أبويا لو عرف حاجة زي دي يترمي فيها قتيل! أرجوكِ يا منة استنيني في البيت!”
“أنا مستنياك يا شريف…” قلتها بهدوء شديد. “…بس مش لوحدي.”
“يعني إيه؟” سأل بنبرة ملؤها الرعب، وقد بدأ ينزل من سيارته بعد أن وصل أمام العمارة بسرعة جنونية.
“يعني العمارة تحت فيها البوكس، والعميد هشام زميل بابا القديم في النيابة موجود معايا فوق في الصالة بياخد أقوالي، والتقرير الفني للشركة اللي جابها حمايا وصل، والتسجيل الصوتي للمكالمة دي كلها -بما فيها اعترافك الصريح بالفرامل المقطوعة وخوفك على أهلك- بقى حالياً على تليفون سيادة الرائد اللي واقف على باب الشقة ومستنيك تطلع بالبيجامة الرمادي الخفيفة اللي كنت لابسها الصبح.”
