ج الاخير بنت خالة جوزي

اماني سيد

حماتي وخالتها قعدوا يلموا حاجتهم بهدلة وخزي، يجروا الشنط على الأرض وهما بيتحسبنوا ويندبوا حظهم، وفوزي مش قادر حتى يرفع عينه في عيني، ماشي مكسور ومطاطي راسه في الأرض، واخد في إيده نهى اللي كانت بتعيط بحرقة وهي شايفة العز والبيت اللي طمعت فيه بيتقفل في وشها للأبد.
وقفت عند باب الشقة، وبصيت لفوزي وهو نازل على السلم وشايل شنطه بالذل، وقولتله بابتسامة هادية:
“ابن الغالية يا فوزي.. ابقى دورله على شقة تليق بيه وادفعله كشف السونار من جيبك بقى.”
قفلت الباب في وشهم وسمعت صوت القفل وهو بيترد، أخدت نفس عميق حسيت بيه بريحة الحرية لأول مرة، وعرفت إن وجع السنين اتقفل عليه الباب وراهم، وإن صفحتي الجديدة لسه بتبدأ النهاردة.
أول ما الباب اتقفل وراهم، سندت ضهري عليه ونزلت على الأرض ببطء. مكنتش بعيط من الحزن ولا القهرة، دي كانت دموع إنسان فاق بعد سنين من الغيبوبة.. حسيت بنبض قلبي بيرجع يدق حر من غير خوف من نظرة أو كلمة أو إهانة.
أحمد قرب مني، مد إيده وقومني وطبطب على كتفي بحنية الأخ اللي كان غايب عن المشهد:
“حقك رجع يا نادية.. ومن النهاردة مفيش مخلوق يقدر يدوسلك على طرف، البيت ده بتاعك وأخوكي في ضهرك.”
طلبت منه يغير كالون الشقة في ساعتها، وبالفعل النجار جه وغير القفل، مسحت البيت كله، طردت كل طاقة شر وسم كانت ساكناها حماتي وخالتي وبنتها. رميت ملايات السرير اللي نهى نامت عليها، ونضفت أوضتي ورجعت حاجتي لمكانها، ونمت ليلتها أول نومة مريحة من سنين.
مرت تلات شهور..
حياتي اتبدلت تماماً؛ ركزت في شغلي، استثمرت جزء من فلوس ورثي في مشروع صغير مع أخويا، ورجعت لنفسي وضحكتي وصحتي اللي كانت دبلت تحت سقف الظلم.
وفي يوم، كنت في السوبر ماركت القريب من منطقة أهل فوزي القديمة عشان بقضي مشاوير مع صحبتي، ولمحت المنظر اللي أكدلي إن دايرة الدنيا بتلف وترجع لنفس النقطة..
فوزي واقف قدام محل جزارة، لابس هدوم مبهدلة ووشه شاحب وعينيه مكسورة، واقف يفاصل مع الجزار على نص كيلو لحمة رخيصة، وشايل في إيده أكياس دوا وشكله عجز عشر سنين لقدام.
وعلى بعد خطوات، كانت نهى قاعدة على كرسي بلاستيك مكسور قدام مدخل بيت خالتها القديم، شايلة ابنها اللي لسه والدة بيه، بتصرخ في فوزي بصوت عالي ومفضوح وسط الشارع:
“اتأخرت ليه يا فوزي؟ الواد محتاج لبن صناعي ومفيش مليم في البيت! ولا فالح بس تقولي أصبري والشغل واقف؟ منك لله انت وأمك اللي ورطتوني!”
وحماتي طالعة من البلكونة الضيقة ترد عليها بالردح وتزعق:
“اخرسي يا بت، جيبتي البومة وقعدتي في بيتنا تاكلي في قوتنا!”
وقفت من بعيد، لابسة شياكتي، عربيتي راكنة على أول الشارع، وببص للمشهد بذهول.. الحرب اللي ولعوها عشاني، بقت قايدة فيهم هما التلاتة وبياكلوا في لحم بعض.
فوزي لمحني.. عنينا اتقابلت لثواني.
شفت في عينه نظرة ندم وذل ورجاء، كأنه كان عايز يصرخ ويقولي “سامحيني”، بس أنا ملقتش جوايا حتى ذرة كره.. مكنش فيه غير البرود التام.
عدلت شنطتي على كتفي، ركبت عربيتي، ودورت الموتور ومشيت من غير ما ألتفت ورايا ثانية واحدة.. سايباهم في المستنقع اللي حفروه بإيديهم، وأنا طايرة في سما حياتي اللي اختارت أعيشها بكرامة.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *