بصتلهم الاتنين، ولقيت حماتي وخالتي واقفين وراهم على باب المطبخ، عيونهم بتلمع بنشوة انتصار رخيصة، وحماتي شمتانة وهي بتعدل طرحتها وتقول ببرود: “أيوه يا حبيبتي، البيت ده من النهاردة بيت نهى، كفاية عليكي اللقمة والستر اللي عايشة فيهم وسطينا.. ادخلي جهزي الغدا وبطلي حركاتك دي.” في الثانية دي، حسيت بنار حرقت كل الخوف والضعف اللي كان مكتفني لسنين. الست المكسورة اللي كانت بتخاف من كلمة طلاق ومن قلة الحيلة، ماتت واندفنت تحت رجليهم. مسحت دموعي بضهر إيدي بحركة سريعة، ووقفت بضهري مفرود وعيني في عين فوزي. ملامحي اتجمدت تماماً وابتسمت ابتسامة هادية خلت فوزي نفسه يرجع خطوة لورا بقلق. “فراخ؟ حاضر من عيني.. ده أنا هعملكم أكل عمركم ما هتدوقوا زيه في حياتكم كلها.” قولتها بنبرة هادية لدرجة رعبتهم، ولفيت ضهري وفتحت التلاجة وبدأت أتحرك في المطبخ كأن مفيش أي حاجة حصلت. نهى بصت لأمها ولحماتي باستغراب، وفوزي نتر كلمتين في الهوا عشان يداري توتره: “أهو كده اتعدلي واعرفي حجمك.. نص ساعة والأكل يكون على السفرة.” خرجوا كلهم وقفلوا الباب وراهم، ورجعت ضحكاتهم وصوت التلفزيون يعلى في الصالة. أول ما اختفوا، قفلت باب المطبخ بالمفتاح من جوة بهدوء تام. طلعت تليفوني من جيبي وإيدي ثابتة زي الصخر. أول رقم طلبته كان رقم أخويا الكبير، بس مكنتش ناوية أعيط ولا أشتكي.. أنا اتكلمت بكلمات محددة وحاسمة: “أحمد.. جهز نفسك وعربيتك وتعالى على هنا حالاً، وهات معاك المأذون واتنين رجالة من عيلتنا.. بيعتي وكتابي هيخلصوا النهاردة، بس مش قبل ما آخد حقي تالت ومتلت.” أخويا اتخض وحاول يسأل، قولتله بجملة واحدة: “تعالى وماتتأخرش، النهاردة حق أختك هيرجع.” قفلت معاه، ودخلت على تطبيق البنك على الموبايل.. فوزي كان واخد مني توكيل رسمي عام عشان يدير بيه حساب الورث اللي سبتهولي أمي الله يرحمها وشغال بيه في تجارته، والفيزا بتاعته ورقم حسابه السري معايا ومسجلين على تليفوني. في دقايق معدودة، سحبت كل مليم في حسابه وحولته لحسابي الخاص، وقدمت طلب فوري لوقف وإلغاء التوكيل إلكترونياً. فضيت المطبخ، وطبخت الأكل وحطيته في الصواني بمنتهى الشياكة. وخرجت بالصينية الكبيرة وحطيتها قدامهم على السفرة في الصالة. نهى قعدت تضحك وتتريق: “شاطرة، أهو كده عرفتي مين ست البيت الحقيقية.” وفوزي قعد يمد إيده في الأكل بغرور: “كده تمام، ومن بكرة بقى تشوفي شغل البيت كله من غير نفس.” قبل ما حد فيهم يحط لقمة في بقه، جرس الباب رن بعنف وقوة هزت العمارة كلها. فوزي قام مخضوض: “مين اللي بيهبد ع الباب كده في الوقت ده؟” فتحت أنا الباب بإيدي، ودخل أخويا أحمد ومعاه اتنين من قرايبي والمأذون في إيدهم. وش فوزي جاب ألوان وحماتي وقفت مفزوعة. بصيت لفوزي ورميت في وشه دبلته مع مفاتيح الشقة، وقولتله بصوت رج البيت كله: “المأذون وصل يا فوزي.. طلقني بالثلاثة حالاً، ورقة عرفي بتاعتك مع ورقة رسمي من بتوع المباحث بتهمة الجمع بين زوجتين وتزوير أوراق هتوديك ورا الشمس.. وفلوسك اللي في البنك كلها طارت، الشقة اللي انت قاعد فيها دي إيجار جديد باسمي أنا وبعقد مسجل.. قدامك نص ساعة تلم عروستك وأمك وخالتك وتطلعوا برة، وإلا البوليس هو اللي هيشيلكم من هنا!” فوزي اتسمر مكانه واللقمة وقفت في زوره، وشه اتقلب أصفر كأنه طالع من تربة، وبص على إيدي وعلى ورقة عقد الإيجار اللي ماسكاها وهو بيتلعثم: “فلوس إيه.. وإيجار إيه؟ انتي اتجننتي يا نادية؟!” جري زي المجنون على تليفونه وفتح تطبيق البنك، وأول ما شاف الرصيد صفر وعمليات التحويل ووقف التوكيل، صرخ بصوت هيستيري هز حيطان الصالة، ورفع عينه ليا والشرار بيطلع منها وحاول يهجم عليا: “يا بنت الـ… فلوسي فين؟! والله ما هسيبك!” قبل ما يلمسني خطوة واحدة، كان أحمد أخويا ماسكه من رقبته وزانقه في الحيطة بقوة خلت نفسه ينقطع، وولاد عمي الاتنين وقفوا سد منيع قدامه. أحمد بص في عينه بقرف وقاله بصوت واطي بس يرعب: “إيدك لو اترفعت على أختي تاني، هكسرهالك من كتفك.. اسمع يا فوزي، انت دخلت بيتنا راجل وخرجت منه عيل ناقص، وحق أختنا هناخدوه منك مليم مليم وبالقانون وبالأصول.” حماتي شهقت ولطمت على صدرها وهي بتجري تعرج: “يا خراب بيتك يا فوزي! الشقا كله راح.. الحقينا يا أختي، الحقي يا نهى!” ونهى قعدت على الكنبة بطنها بتترج من الرعب، الدلال والغرور طاروا في ثانية، وبقت تبصلي بعيون مرعوبة ودموعها نازلة من غير ما تنطق، خايفة الشارع اللي كانت فاكرة نفسها هربت منه يرجع يبلعها هي واللي في بطنها من تاني. المأذون قعد على الكرسي بهدوء، طلع الدفاتر وحط القلم قدام فوزي: “اتفضل يا أستاذ.. الطلاق يخلص بهدوء وبالتراضي عشان الستر، ولا تحبوا نوصلها لمحاضر ومحاكم؟” فوزي بص للورق، وبص لأحمد ولأولاد عمي، وعرف إن رقبته تحت الس\كينة.. التوكيل اللي كان بيسرق بيه ورثي اتلغى، وحسابه اتجرد، وعقد الشقة باسمي وبإمضتي، والورقة العرفي اللي اتجوز بيها نهى في بطن التليفون مع بلاغ رسمي جاهز يتحرك في ثواني. مسك القلم بإيد بتترعش كأنه بيوقع على شهادة إعدامه، وبصوت مخنوق ومكسور قال: “انتي طالق يا نادية.. طالق.. طالق.” الكلمة نزلت على قلبي زي المية الباردة بعد سنين من القهر والذل، حسيت بروحي بتردلي من تاني، وكتفي اللي كان محني من الخوف اتفرد. أول ما المأذون قفل دفاتره وخرج، أحمد شاورلهم على الباب بمنتهى الحزم: “شنطكم كلها في الصالة.. قدامكم عشر دقايق بالظبط، تاخدوا بعضكم وتغوروا برة الشقة، والباب ده ميعتبوش حد فيكم تاني.” حماتي وخالتها قعدوا يلموا حاجتهم بهدلة وخزي، يجروا الشنط على الأرض وهما بيتحسبنوا ويندبوا حظهم، وفوزي مش قادر حتى يرفع عينه في عيني، ماشي مكسور ومطاطي راسه في الأرض، واخد في إيده نهى اللي كانت بتعيط بحرقة وهي شايفة العز والبيت اللي طمعت فيه بيتقفل في وشها للأبد. وقفت عند باب الشقة، وبصيت لفوزي وهو نازل على السلم وشايل شنطه بالذل، وقولتله بابتسامة هادية: “ابن الغالية يا فوزي.. ابقى دورله على شقة تليق بيه وادفعله كشف السونار من جيبك بقى.” قفلت الباب في وشهم وسمعت صوت القفل وهو بيترد، أخدت نفس عميق حسيت بيه بريحة الحرية لأول مرة، وعرفت إن وجع السنين اتقفل عليه الباب وراهم، وإن صفحتي الجديدة لسه بتبدأ النهاردة. أول ما الباب اتقفل وراهم، سندت ضهري عليه ونزلت على الأرض ببطء. مكنتش بعيط من الحزن ولا القهرة، دي كانت دموع إنسان فاق بعد سنين من الغيبوبة.. حسيت بنبض قلبي بيرجع يدق حر من غير خوف من نظرة أو كلمة أو إهانة. أحمد قرب مني، مد إيده وقومني وطبطب على كتفي بحنية الأخ اللي كان غايب عن المشهد: “حقك رجع يا نادية.. ومن النهاردة مفيش مخلوق يقدر يدوسلك على طرف، البيت ده بتاعك وأخوكي في ضهرك.” طلبت منه يغير كالون الشقة في ساعتها، وبالفعل النجار جه وغير القفل، مسحت البيت كله، طردت كل طاقة شر وسم كانت ساكناها حماتي وخالتي وبنتها. رميت ملايات السرير اللي نهى نامت عليها، ونضفت أوضتي ورجعت حاجتي لمكانها، ونمت ليلتها أول نومة مريحة من سنين. مرت تلات شهور.. حياتي اتبدلت تماماً؛ ركزت في شغلي، استثمرت جزء من فلوس ورثي في مشروع صغير مع أخويا، ورجعت لنفسي وضحكتي وصحتي اللي كانت دبلت تحت سقف الظلم. وفي يوم، كنت في السوبر ماركت القريب من منطقة أهل فوزي القديمة عشان بقضي مشاوير مع صحبتي، ولمحت المنظر اللي أكدلي إن دايرة الدنيا بتلف وترجع لنفس النقطة.. فوزي واقف قدام محل جزارة، لابس هدوم مبهدلة ووشه شاحب وعينيه مكسورة، واقف يفاصل مع الجزار على نص كيلو لحمة رخيصة، وشايل في إيده أكياس دوا وشكله عجز عشر سنين لقدام. وعلى بعد خطوات، كانت نهى قاعدة على كرسي بلاستيك مكسور قدام مدخل بيت خالتها القديم، شايلة ابنها اللي لسه والدة بيه، بتصرخ في فوزي بصوت عالي ومفضوح وسط الشارع: “اتأخرت ليه يا فوزي؟ الواد محتاج لبن صناعي ومفيش مليم في البيت! ولا فالح بس تقولي أصبري والشغل واقف؟ منك لله انت وأمك اللي ورطتوني!” وحماتي طالعة من البلكونة الضيقة ترد عليها بالردح وتزعق: “اخرسي يا بت، جيبتي البومة وقعدتي في بيتنا تاكلي في قوتنا!” وقفت من بعيد، لابسة شياكتي، عربيتي راكنة على أول الشارع، وببص للمشهد بذهول.. الحرب اللي ولعوها عشاني، بقت قايدة فيهم هما التلاتة وبياكلوا في لحم بعض. فوزي لمحني.. عنينا اتقابلت لثواني. شفت في عينه نظرة ندم وذل ورجاء، كأنه كان عايز يصرخ ويقولي “سامحيني”، بس أنا ملقتش جوايا حتى ذرة كره.. مكنش فيه غير البرود التام. عدلت شنطتي على كتفي، ركبت عربيتي، ودورت الموتور ومشيت من غير ما ألتفت ورايا ثانية واحدة.. سايباهم في المستنقع اللي حفروه بإيديهم، وأنا طايرة في سما حياتي اللي اختارت أعيشها بكرامة. “هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”