حملت من خطيبي ج الاخير
احمد عمار

الجزء الرابع:انتفض جدي من مكانه كالشباب، وتراجعت حشرجة الحزن في صوته لتتحول إلى ذعر خاطف. فتح الباب بسرعة وحذر، وهجم على الممر الخارجي المطل على السلم القديم. ركضت خلفه وأنا أحتضن جسدي المرتجف، ونظرنا كلينا نحو الأسفل عبر دربزينات السلم المصنوعة من الحديد المشغول.
رأينا ظل شخص يهرول بسلاسة وسرعة ونزل الدرج قاصدًا الباب الخارجي للعمارة. لم نتمكن من رؤية وجهه تمامًا بسبب عتمة السلم، لكن الشيء الوحيد الذي لمحته قبل أن يختفي في ظلام الشارع كان معطفًا أسود بطول الركبة وحذاءً جلدياً ثقيلاً.
. نفس المعطف الذي كان يرتديه خطيبي في آخر مرة رأيته فيها!تسمر جدي في مكانه، وامتدت يده لتتمسك بالمقبــ,,ـــــض الحديدي بحركة تفتقر للاتزان. كان يقف على أول الدرج وأنقاسه متلاحقة، ووجهه الذي كان أصفر بالكامل صار الآن شاحبًا كالمــ,,ـــــوتى. همس بصوت لا يكاد يُسمع:— كان واقف ورا الباب.
. كان بيسمع كل كلمة!انتابتني حالة من الفزع المستعر. جثوت على الركبتين عند باب الشقة، وشعرت أن الهواء جف في حلقي. هل كان هو؟ هل عاد خطيبي المفقود ليفتش عني، أو ليختبر حقيقة مشاعره، ليجد نفسه يسمع الفاجعة الكبرى بصوت جدي؟
هل عرف الآن أن الفتاة التي أحبها والتي ينتظر طفلها هي أخته من الأب؟صرخت بنبرة مبحوحة:— جدو.. قول لي إن ده مش هو! قول لي إن ده حد تاني.. أي حد من الجيران!جدي لم يجب فورًا.
مشى بخطوات بطيئة للداخل، وأغلق الباب الثقيل بالمفتاح، ثم أدار القفل مرتين متتاليتين وكأنه يحاول إغلاق الباب في وجه القدر نفسه. التفت إليّ وعيناه تتسعان برعب مكتوم:— لو كان هو اللي بره يا بنتي.. يبقى المصيبة كبرت. لو عرف إني كشفت أصله وعرفت إنه ابن فريد العطار، ومحمل بالسر ده.
. مش بعيد يعمل أي حاجة عشان يغطي على اللعنة دي. في تلك اللحظة بالذات، ارتفع صوت بكاء الطفلة من الغرفة الداخلية. كان صوتًا حادًا ومستمرًا، ينبض بالحياة في وسط بيت أوشك أن يخنق أصحابه. قمت أترنح وذهبت للغرفة، رفعتها بين يدي المرتجفتين، وضمنتها إلى صدـ,,ـــري.
كانت تفتح عينيها الصغيرتين الغريبتين وتنظر إليّ.. نفس العينين: عين أزرق فاتح كشاطئ ناءٍ، وعين بني داكن كعمق بئر مجوف. كلما نظرت إلى عينين طفلتي، كنت أرى وجوه ثلاثة أشخاص: وجه أمي المسكــ,,ـــــينة التي عاشت تمــ,,ـــــوت كل يوم وهي تخفي هذا السر، ووجه الرجل النذل الذي دمر حياتها، ووجه أخي—أو خطيبي—الذي سلبني حياتي واستقر في ذكرياتي قبل أن يختفي.
