حملت من خطيبي ج الاخير
احمد عمار

. كانت الصدمة أكبر من أي صوت، وأثقل من أي بكاء. جدي انحنى ببطء شديد، وركبتها المجهدتان ترتجفان، رفَع الهاتف وأغلقه. لم يقل كلمة واحدة، لكن وجهه كان يتحدث بلغة الخيبة والنهاية. اقترب مني وجلس على الأرض بجانبي، وضع يده الصافية على كتفي المرتعش، وضمني إلى صدـ,,ـــره بقوة كأنه يحميني من العالم الذي انهار فوق رؤوسنا للتو.
مرت ساعات الليل كأنها دهور. لم ننم، ولم نتــ,,ـــــحدث. مع أول شعاع للسيارة يتسلل من نافذة البلكونة مع الفجر، رن هاتف جدي مرة أخرى. كان الاتصال هذه المرة من المستشفى العام بالمدينة. أخبروا جدي أن صاحبة السيارة التي تعرضت لدــ,,ـــــادث سيارة مروع على الطريق السريع قد فارق الحياة فور وصوله، وأنهم وجدوا في جيبه أوراقًا ثبوتية ورقم جدي كآخر رقم تم الاتصال به.
لم أذهب للمستشفى.. لم أستطع رؤيته. ذهب جدي وحده وأنهى كل الإجراءات بكتان وسرية تامة. شُيّعت جنازته في هدوء شديد بحضور عدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، ودُفن السر معه تحت التراب.. أخذ أخي وهوى به القدر إلى القبــ,,ـــــر، ليغلق الفضل الأكثر بشاعة في قصتنا.
بعد الجنازة بأيام، لم نعد نطيق البقاء في ذلك البيت. كل أركانه كانت تصرخ بالحقيقة، وكل زاوية فيه كانت تذكرني باللحظات التي جمعتني به وبالكلام الذي سمعناه خلف الباب. حزمنا أمتعتنا القليلة، وأخذت جدي وبنتي، ورحلنا بعيدًا.. تركنا المدينة بأكملها وانتقلنا للعيش في قرية ساحلية هادئة لا يعرفنا فيها أحد.
مرت السنوات ببطء شديد، كأنها ترمم في روحي ما هدمته اللعنة. كبرت ابنتي الصغيرة، “نور”.. أسميتها نور لأني أردت أن تطرد الظلام الذي ولدت فيه. كلما كبرت نور، كلما زاد جمالها، وزاد مع جمالها تطابق عينيها مع عينيه.. عينٌ زرقاء فاتحة كالسماء الصافية، وعينٌ بنيٌ داكن كالليل العميق.
في البداية، كان النظر إلى عينيها يمزق قلبي ويستحضر كل الآلام، لكن مع الوقت، وأنا أراها تضحك وتركض في أرجاء البيت، أدركت أن هذه الطفلة لم تكن ذنبًا، بل كانت الضحية الوحيدة التي لا ذنب لها في كل ما حدث.
جدي عاش معي سنوات طويلة، كان فيها الأب والسند والحصن الحصين. بنى لنور لعبًا بإيده، وعلمها الكلام، وكان ينظر إليها بعينين مليئتين بالحب والرحمة، كأنه يكفّر عن سر مكتوم عاش معه عمراً كاملاً. وقبل عامين، رحل جدي عن دنيانا بسلام، بعد أن أوفى بعهده لحمايتي وحماية نور حتى آخر نفس في حياته.
