ج الاخير سلفي حكايات روماني مكرم
ج الاخير

كانت الليلة الأخيرة من الشهر الخامس أشبه بهدوء قبل العاصفة. لم أكن أعلم أن القدر يخبئ لي اختبارًا أخيرًا ليكشف المعادن على حقيقتها، وينزع أي شك كان ما زال يتسرب إلى قلبي.
في تلك الليلة، وبينما كان أخي محمود يعود من ورشته في وقت متأخر، سقط أرضًا بجلطة دماغية مفاجئة ناتجة عن الإجهاد والضغط العصبي الشديد الذي عاشه طوال الأشهر الماضية. تحول البيت الهادئ في لحظات إلى صراخ ونحيب، ووقفت أمي تصيح بذهول وأبي يتحرك بوهن وعكازه يرتجف في يده.
في غمضة عين، وُجدنا في الشارع في منتصف الليل ننتظر سيارة إسعاف لم تأتِ، وأنا أقف عاجزة تمامًا أرى أخي والسند الوحيد لي يصارع الموت أمامي.
في تلك اللحظة الحرجة، وبينما كنا نغرق في العجز، ظهر إبراهيم!
لم أكن قد استدعيته، لكنه كان كعادته كل ليلة يراقب الشارع من بعيد ليطمئن على وجودنا. بمجرد أن رأى التجمع والصراخ، ركض إلينا كالمجنون. لم يسأل ماذا حدث، بل حمل محمود على ظهر دون أن ينتظر أحداً، وركض به نحو سيارته التي استأجرها حديثًا، وصرخ فينا:
— اركبي يا شيماء! اركب يا حاج! محمود هيبقى كويس والله العظيم!
خلال تلك الليلة المرعبة في المستشفى، رأيت إبراهيم الذي لم أكن أعرفه؛ تحول إلى أسد يذود عن عائلتي. فتح أبواب المستشفى بماله وحضوره، وجلب كبار الأطباء، وظل واقفًا على قدميه طوال ثماني عشرة ساعة متواصلة دون أن يذوق طعم النوم أو قطرة ماء. كان يمسك بيد أبي الكبيرة، ويقبّلها ويعده بدموع صادقة:
— محمود أخويا يا حاج مصطفى، وحق ربنا لو احتاج قلبي لأشيله من صدري وأديهوله!
حين خرج الطبيب ليؤكد أن محمود تجاوز مرحلة الخطر بفضل سرعة نقله ورعايته في الساعات الأولى، انهار إبراهيم ساجدًا على أرض المستشفى يبكي بحرقة وشكر لله.
في تلك اللحظة بالذات، انكسر الجزء الأخير من الجدار الجليدي في قلبي. رأيت في عينيه الندم الذي تحول إلى شهامة، والتسرع الذي انثقل إلى رجولة حقيقية تُعتمد في الشدائد. لم يكن يمثل، ولا كان يحاول كسب رضايا، بل كان يفعل ذلك لأنه أدرك أخيرًا معنى أن يكون “سندًا” للبيت وللأهل.
مر أسبوع آخر، واسترد محمود عافيته وعاد إلى البيت على قدميه. وكان أول ما فعله أخي محمود بعد أن استجمع قوته، هو أن أمسك بيدي وأخذني إلى صالة بيتنا حيث كان أبي وإبراهيم يجلسان.
