ج الاخير بعد ولادتي
حكايات روماني مكرم

الراجل فتح عينيه ببطء شديد، العينين كانت زجاجية ومطفية تماماً. بدأ يحرك حدقة عينه في الصالة ببطء لحد ما وقعت عليا وعلى حمزة وعلى أبوي. لأول وهلة، افتكر نفسه بيحلم، أو إن دي تهيؤات سكرات الموت. حاول يرفع إيده البترعش عشان يلمس الهوا، بس الإيد كانت تقيلة ومش شايلاه.
طلعت من حنجرته بحة صلبة ومكسورة: “حـ… حاج؟ شيماء؟ أنتِ هنا يا شيماء؟ ولا أنا بقيت في الآخرة خلاص؟”
قربت خطوات من أطراف السرير، حطيت إيد حمزة على حرف الملاءة، وقُلت له بصوت هادي: “إحنا هنا يا فلان.. جينا نطمن عليك ونشوفك.”
بدأ يبكي.. بكاء بدون صوت، الدموع كانت بتطلع من عيونه المريضة وتنزل على الخدين الغائرين لتغرق المخدة. حاول يقعد، المحاليل شدت في إيده، أبوي مسكه بالراحة وسنده على المخدة، وجاب كوباية مية من على الطقطوقة، حط فيها نقطتين مية على طرف صباعه وبدأ يبلل شفايفه الميتة.
الراجل مسك إيد أبوي وشبّك فيها بإيدين ضعيفة، وقال وهو بيتخنق بالدموع: “سامحني يا حاج.. سامحني بالله عليك! أنا ظلمت بتك الشريفة العفيفة، وعيرتكم بفقركم الشريف، وربنا أخد حقكم مني في صحتي ومالي ونسلي! أنا هقابل ربنا كمان شوية يا حاج، ومش قادر أقابله وأنا شايل الذنب ده!”
أبوي بص له بعين فيها رحمة الصعايدة وعزة نفوسهم، وقال له: “مسامحينك يا بني لله والوطن.. المسامحة تمت من يوم ما زحفت على ركبتك وجيت بيت أبوي. الميتين راحت لمولاها، وأنت بين إيدين رحيم كريم. اطمن ورّيح بالك، سرك وسر بيتك مستور، وابنك في حمايتي وحماية أمه.”
هنا، الراجل دور وشو ناحيتي، بص لي بنظرة رجاء واسترحام عمرها ما تترسم في عين إنسان حي إلا وهو بيفارق، وقال بصوت بيتقطع مع النَفَس:
“شيماء.. ابني يا شيماء.. حمزة! خليه يقرب مني.. خليه يلمسني قبل ما أمشي.”
شلت حمزة وقربته من السرير. الولد لما شاف أبوه بالشكل ده، عينيه اتملت دموع وهرش في رقبتي خايف، بس قُلت له بحنية: “ما تخافش يا حمزة.. ده بابا، سلم على بابا وقبل إيده.”
الولد مد إيده الصغيرة، وباس رأس أبوه الأبيض والشاحب. أبو حمزة أخد كف الولد الصغير وحطه على قلبه اللي كان بيلفز أنفاسه الأخيرة، وبقى يشده لصدره وهو بيستنشق ريحة الولد كأنه بياخد زاد للطريق الطويل.
