بفلوس الجيران صابرين محمد

أما عبدالرحمن فرفع إيده بهدوء كأنه بيحاول يهدّي الجو.
وقال بصوت ناعم محسوب
كلنا متوترين دلوقتي.
وكلنا تحت ضغط.
لكن الحقيقة إن فيه حل بسيط جدًا لكل اللي بيحصل ده.
وبعدين قعد على الكرسي المقابل وكمل
إحنا ممكن نتفق على تسوية مناسبة ليكي.
تعويض مالي كبير.
كبير جدًا.
ونقفل الملف ده كله من غير مشاكل.
ومن غير فضايح.
ومن غير قضايا.
وساعتها كل واحد يكمل حياته.
وبعدين ابتسم ابتسامة صغيرة وقال
والدتك عاشت بالطريقة اللي كانت عايزة تعيش بيها.
والله العظيم في اللحظة دي حسيت إن قلبي هيخرج من صدري من كتر الغضب.
لأن الراجل ده كان بيتكلم عن سنين وجع أمي كأنها كانت رحلة اختارتها بمزاجها.
عن الجوع كأنه قرار.
وعن الخوف كأنه رفاهية.
وعن الهروب كأنه أسلوب حياة.
فبصيت له مباشرة.
وقلت
أمي ما عاشتش بالطريقة اللي كانت عايزة تعيش بيها.
أمي عاشت مستخبية لأنكم دفنتوها وهي عايشة. أمي اتقتلت على الورق علشان تعرفوا تاخدوا حقها كله.
بص الأستاذ شريف ناحية عبدالرحمن المنشاوي نظرة ثابتة، وبعدين قال بهدوء غريب كان أخطر من أي صوت عالي
الأستاذة هناء عرفت بالفعل موضوع شهادة الوفاة المزورة.
والله العظيم أول مرة أشوف اللون يهرب من وش عبدالرحمن بالشكل ده.
الابتسامة اللي كان محافظ عليها من أول ما دخل اختفت للحظة.
ولثواني قليلة بان عليه الارتباك.
لكن واحد من المحامين اللي واقفين وراه تدخل بسرعة وقال
الموضوع ده قابل لأكتر من تفسير قانوني.
لف الأستاذ شريف ناحيته ببطء.
وبعدين فتح ملف تاني من الملفات اللي كانت قدامه.
وقال
وهي كمان عرفت موضوع التحويلات المالية اللي كانت بتتبعت مقابل السكوت.
وعرفت التهديدات.
وعرفت إن فيه وصية قانونية صحيحة ومكتملة الأركان.
ما كملش جملته.
لأن سامح انفجر فجأة.
وضرب بإيده على المكتب وهو بيقول بعصبية
الوصية دي باطلة!
أنا ابنها!
في اللحظة دي بصيت له.
ولأول مرة من ساعة بدأت الحكاية كلها…
ما بصيتلوش بغضب.
ولا بكره.
ولا حتى بقهر.
بصيتله بحزن.
حزن كبير أوي.
الحزن اللي بيجي لما تكتشفي إن الشخص اللي قدامك ضيّع نفسه بإيده.
وقلت بهدوء
هي ربّتك كابن.
وده لوحده أكتر بكتير مما كنت تستحق.
ساعتها وش سامح اتغير.
والله العظيم شوفته بعيني وهو يستوعب الحقيقة.
استوعب إني عرفت.
استوعب إني قريت الجواب.
استوعب إن السر اللي متخبي طول عمره انتهى.
فتح بقه بالعافية وقال
هناء…
لكنني قاطعته.
وقلت وأنا حاسة بقلبي بيتوجع
أمي أخدتك وهو عندك تلات شهور.
لما ماكانش ليك حد.
ربتك.
وأكلتك.
ودخلتك مدارس.
وشالتك على كتفها زي ما شالتني بالظبط.
وعمرها ما فرقت بيني وبينك.
بل يمكن خافت عليك أكتر ما خافت على نفسها.
صوتي بدأ يهتز رغم إني كنت بحاول أتماسك.
لكنني كملت
وفي الآخر سبتها تموت وهي مش لاقية قرص دوا واحد.
نزل سامح عينيه للأرض.
وامتلت عينيه بالدموع.
لكن والله العظيم ما قدرت أعرف إذا كانت دموع ندم.
ولا دموع خوف.
ولا دموع واحد اكتشف إن اللعبة كلها انتهت.
وبعد ثواني قال بصوت مكسور
نهلة قالتلي إن الست ماعندهاش حاجة.
إنها طول عمرها فقيرة.
إن مفيش فايدة من التعب معاها.
ضحكت ضحكة صغيرة موجوعة.
لأن أسهل حاجة في الدنيا إن الإنسان يرمي ذنبه على حد تاني.
فبصيت له وقلت
نهلة ما خلتكش قاسي يا سامح.. نهلة ما خلتكش تسيب أمي وهي عيانة. نهلة ما خلتكش ترفض تساعدها ونهلة ما خلتكش تنسى كل اللي عملته علشانك.
وسكتُّ لحظة. وبعدين قلت الجملة اللي خرجت من قلبي قبل لساني
نهلة بس ادتك الإذن. تعمل الحاجة اللي كنت عايز تعملها من زمان.
فتحت نهلة بقها كأنها هترد.
كأن
عندها ألف حاجة عايزة تقولها.
لكن ولا كلمة خرجت.
فضلت واقفة مكانها ساكتة، أما عبدالرحمن المنشاوي فكان قاعد بمنتهى الهدوء، بيخبط بأصابعه على سطح المكتب خبطة خفيفة ومنتظمة، وكأنه مش موجود وسط ناس حياتهم كلها بتنهار قدامهم، وكأن اللي بيتكلموا عنه مجرد صفقة جديدة من صفقاته.
وبعدين رفع عينيه ناحيتي وقال بصوت هادي جدًا
يا هناء…
فكري كويس قبل ما تاخدي أي قرار.
وسكت لحظة قصيرة قبل ما يكمل
الدخول في مواجهة مع عيلة زي عيلتنا ممكن ياخد سنين.
سنين من المحاكم.
وسنين من المحامين.
وسنين من الضغط والتعب والكلام في الجرائد.
وبعدين مال لقدام شوية وقال
إنتِ جاية من حي بسيط.
وعشتِ حياة بسيطة.
وما تعرفيش الدنيا دي بتشتغل إزاي.
ولا الناس اللي في المستوى ده بتلعب إزاي.
فضلت باصة له كام ثانية.
وبعدين اتحركت خطوة ناحية المكتب.
خطوة واحدة بس.
لكنها كانت كفاية تخليه يرفع عينيه ناحيتي باهتمام.
وقلت
عندك حق.
وفجأة ابتسامة صغيرة ظهرت على وشه.
ابتسامة واحد افتكر إنه كسب.
وقال
سعيد إنك فهمتي.
لكنني كملت قبل ما يفرح أكتر.
وقلت
عندك حق.
أنا فعلًا ما أعرفش الناس دي بتشتغل إزاي.
وما أعرفش الصفقات اللي بتتعمل في القصور.
وما أعرفش إزاي ممكن حد
