بفلوس الجيران صابرين محمد

اللي أمي عاشتها وهي مستخبية.
تقيلة بالخوف اللي أكل عمرها كله رفعت عيني ناحية الأستاذ شريف.
فلقيته بيبصلي بنظرة حزينة كأنه سمع الجملة دي قبل كده.
كأنه كان متوقعها.
وهز راسه بهدوء وقال
أمك كانت عارفة إنك هتقولي كده وبعدين فتح درج جانبي في مكتبه.
وطلع ظرف صغير قديم شوية وعليه اسمي بخط أمي.
أول ما شفت الخط حسيت إن قلبي وجعني.
لأن فجأة افتكرت كل الورق الصغير اللي كانت تسيبهولي.
وافتكرت ملاحظاتها.
وافتكرت روشتات الدوا اللي كانت بتكتب عليها طلبات البيت.
وافتكرت إيديها.
مسكت الظرف بإيدين مبلولين من المطر ومن التوتر.
وفتحته ببطء وكانت الرسالة قصيرة.
لكن كل كلمة فيها دخلت جوا قلبي مباشرة.
يا بنتي…
إوعي ترفضي الحاجة اللي دفعت عمري كله تمن إني أحافظ عليها.
مش علشان تعيشي زيهم ومش علشان تبقي واحدة منهم.
لكن علشان عمرك ما تمدي إيدك لحد تاني طول عمرك.
وعلشان تعرفي إننا ماكناش فقراء لأن ربنا أراد كده.
إحنا كنا فقراء لأنني فضلت الجوع على إني أسمح لهم يشتروا روحك.
والله العظيم ما قدرتش أكمل القراية من غير ما دموعي تنزل.
قعدت أبكي.
هناك في مكتب المحامي.
بهدومي المبلولة من المطر وجزمتي اللي لسه عليها طين الشارع.
وبوش متغرق دموع من وجع الفراق ومن كلام أمي اللي كانت بتكلمني من بعد موتها.
كل مرة كنت فاكرة إني فهمت سبب من أسباب اللي عملته.
كانت تسيبلي سبب أكبر.
وأوجع وأقسى.
سيبت الرسالة على المكتب وحاولت أمسح دموعي.
لكن الأستاذ شريف فضل ساكت.
سايبني أعيط.
كأنه عارف إن في دموع متأخرة بقالها سنين.
ولما هديت شوية سمعته بيقول بهدوء
لسه في حاجة تانية.
ضحكت ضحكة صغيرة طالعة من قلب موجوع.
لأن من ساعة ما لقيت الصندوق وكل ما أسمع الجملة دي ألاقي مصيبة جديدة مستنياني.
لسه في حاجة تانية. دايمًا في حاجة تانية. رفع الأستاذ شريف عينيه ناحيتي وأخد نفس طويل.
النفس اللي الواحد بياخده قبل ما يقول خبر هيقلب الدنيا.
وبعدين قال
العيلة ماكنتش بتدفع علشان تسكت أمك وبس.
استقمت في قعدتي من غير ما أحس.
فكمل
أمك كان ليها حق قانوني في جزء من أسهم شركات العيلة.
حقيقتها ماكنتش مجرد بنت هربت من أهلها. هي كانت وريثة.
ولها نصيب رسمي موثق بالقانون.
حسيت إن قلبي بدأ يدق أسرع. أما هو ففتح ملف قدامه وكمل
وجدك توفى من سنتين وفي النسخة الأصلية من الوصية كانت والدتك موجودة ضمن الورثة.
اتسعت عيني.
لكن الأستاذ شريف ما وقفش وقال الجملة اللي خلت الدنيا تسود قدامي للحظة.
قال
لكن العيلة قدمت أوراق رسمية للمحكمة بتقول إن مريم المنشاوي متوفية من سنة ١٩٩١.
فضلت باصة له مش مستوعبة.
مش فاهمة. مش مصدقة.. وقلت بصوت خارج بالعافية إيه؟.إزاي؟
رفع عينيه من الملف وقال بهدوء موجع أعلنوا وفاتها رسميًا…
علشان يقدروا يقسموا التركة كلها من غير ما تاخد حقها.
والله العظيم حسيت إن جسمي كله برد فجأة، كأن حد سحب الدم من عروقي مرة واحدة، وأنا قاعدة قدام الأستاذ شريف أحاول أفهم حجم الكارثة اللي كانت أمي عايشاها طول السنين دي كلها من غير ما حد يحس بيها.
لأن الموضوع ما بقاش مجرد ورث.
ولا مجرد ملايين مستخبية.
ولا حتى مجرد اسم متغير.
الموضوع بقى أكبر من كده بكتير.
أمي كانت عايشة.
عايشة بكل التعب اللي شوفته في عينيها.
عايشة وهي بتنزل السوق تشيل وتبيع وتقف بالساعات على رجليها.
عايشة وهي بتعد ثمن الدوا قبل ما تشتريه.
عايشة وهي تخاف من بكرة ومن المرض ومن الفقر.
وفي نفس الوقت، على أوراق قانونية رسمية ومتختومة، كانت عيلتها دفناها وهي لسه بتتنفس.
دفنوها بالقلم.
وشطبوا اسمها من حياتهم.
واعتبروا إنها ماتت من سنين طويلة عشان
يقدروا ياخدوا كل حاجة من غير ما حد يسأل.
بصيت للأستاذ شريف وقلت بصوت خارج بالعافية
وأمي كانت عارفة؟
تنهد بهدوء وقال
عرفت متأخر.
وبعدين فتح الملف اللي قدامه وأشار على تاريخ معين.
وقال
علشان كده كانت معلمة على يوم سبعتاشر مارس.
فضلت باصة للتاريخ وأنا مستنية يكمل.
فقال
ده اليوم اللي وصلها فيه آخر تحويل مالي.
وفي نفس اليوم وصلها تهديد.
اتقبض قلبي.
وقلت بسرعة
تهديد؟
هز راسه وقال
قالولها تقبل الدفعة الأخيرة وتسكت.
ولو رفضت…
هييجوا وراكي إنتِ.
حطيت إيدي على صدري من غير ما أحس.
كأن قلبي محتاج حد يمسكه قبل ما يقع.
وقلت بعدم تصديق
ورايا أنا؟
رد بهدوء
أيوه.
لأنك الدليل الحي إن مريم المنشاوي ما ماتتش.
ولأنك كمان واحدة من الورثة.
فضلت باصة قدامي ثواني طويلة وأنا حاسة إن الدنيا كلها بقت مختلفة عن أي حاجة عرفتها قبل كده، لأن فجأة فهمت إن أمي ما كانتش بتحارب علشان نفسها وبس.
كانت بتحارب علشاني أنا كمان.
وفي اللحظة دي بالذات رن تليفون المكتب.
الصوت قطع الصمت اللي كان مالي المكان.
وسمعنا موظفة الاستقبال وهي بترد.
وبعدين مرت أقل من دقيقة.
واتخبط الباب.
رفعت الموظفة راسها من فتحة الباب.
وكان واضح من وشها إنها متوترة.
بصت للأستاذ شريف وقالت
يا أستاذ… الأستاذ عبدالرحمن المنشاوي الصغير موجود بره.
ساعتها قفل الأستاذ شريف الملف اللي قدامه ببطء.
وبص ناحية الباب.
وقال بهدوء
وصلوا.
ما لحقتش أسأله يقصد مين.
لأن الباب اتفتح من غير استئذان.
ودخل راجل في حدود الخمسين سنة.
لابس بدلة غالية.
وجزمته لامعة بشكل ملفت.
ووشه مألوف بطريقة خلتني أبصله أكتر من مرة.
واستغرق الأمر مني ثواني قليلة قبل ما أعرف أنا شوفته فين قبل كده.
شوفته في الأخبار وفي الجرائد وعلى صور الشركات الكبيرة. عبدالرحمن المنشاوي الصغير.
ابن أخت أمي أو ابن خالتي أو واحد من الناس اللي عاشوا عمرهم كله بالاسم اللي اتاخد منها.
دخل عبدالرحمن المنشاوي الصغير المكتب وكأنه داخل مكان يملكه، وكان وراه اتنين محامين لابسين بدلات غالية وماسكين ملفات في إيديهم، لكن اللي خلّى قلبي يتقبض فعلًا إني شفت سامح داخل وراهم.
سامح.
أخويا اللي كنت فاكرة إنه أخويا.
كان قميصه مبلول من المطر، ووشه مليان غضب وتوتر، أما نهلة فكانت واقفة عند الباب، وعينيها بتلف في المكان كله بطريقة خلتني أحس إنها مش شايفة مكتب محاماة أصلًا، لكنها شايفة حياة جديدة بتحلم بيها، حياة كلها فلوس وقصور وحمامات سباحة.
أما عبدالرحمن المنشاوي فابتسم أول ما شافني.
ابتسامة هادئة ومهذبة من بره.
لكنها ما وصلتش لعينيه.
وقال
هناء.
سعيد جدًا إني أخيرًا قابلتك.
وأحب أقول إني آسف جدًا على وفاة والدتك.
والله العظيم ما صدقته.
بنفس الدرجة اللي ممكن أصدق بيها ورقة مزورة.
فضلت باصة له ثواني طويلة.
وبعدين قلت ببرود
ما تجيبش سيرة أمي بالنبرة دي.
الابتسامة ثبتت على وشه للحظة.
وبعدين اختفت.
وفي اللحظة دي اتحرك سامح خطوة لقدام.
وقال
هناء… بلاش تصعبي الموضوع.
الناس دي جاية تساعدك.
ضحكت ضحكة قصيرة من كتر القهر.
وقلت
تساعدني؟
زي ما ساعدت أمي وهي مش لاقية تمن دواها؟
وش سامح احمر فورًا.
وقال بعصبية
ما تلفيش الكلام.
لكن قبل ما أكمل سمعت صوت نهلة جاي من ناحية الباب.
وقالت وهي رافعة حاجبها
يا بنتي كفاية بقى.
أمك نفسها كانت مخبية عنك كل حاجة.
بصي كمية الأسرار اللي كانت عايشة بيها.
في اللحظة دي حسيت النار ولعت جوايا.
وقفت من مكاني مرة واحدة.
وبصيتلها مباشرة.
وقلت
إوعي تجيبي سيرة أمي على لسانك تاني.
ولا مرة.
ولا كلمة.
سكتت نهلة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *