ج الاخير حكايات نور محمد

أنا وقفت قدامه وبكيت بانهيار:
— لحد إمتى يا أحمد؟ لحد إمتى هنفضل نتهرب ونخاف؟ أُمك وأختك في السجن، وأهل مدحت مطاردينّا في الشوارع، وعيلتك كلها بايعاك! الفلوس والدهب دول بقوا لعنة علينا!
أحمد مسك علبة الدهب القطيفة، فتحها وبص للدهب اللي بيلمع جوة، وبعدين رفع عينيه وبصلي بنظرة كلها وجع بس فيها كبرياء ينطح السحاب:
— الدهب ده مش لعنة يا روضة… الدهب ده هو الميزان اللي كشف المعادن الحقيقية. كشف إن أُمي كانت فاكرة إني ملكها وأني هسكت على سرقتها، وكشف إن أختي جوزها نصاب، وكشف إن عيلتي عيلة فوت وتغطية على الباطل. لو كنت سكتت من أول يوم وعطيتهم الدهب، كانوا بكرة أخدوا اللقمة من إيدنا، وبعده رمواكي في الشارع!
في اللحظة دي، تليفون أحمد رن.
الرقم كان غريب… رقم أرضي.
أحمد فتح السبيكر وحط التليفون على الترابيزة.
جاء صوت ثقيل، وبطيء، وفيه نبرة تهديد مرعبة مش زي صوت الحاج متولي… ده كان صوت “أبو مدحت”، الراجل الكبير بتاع عيلة مدحت، اللي عمره ما اتكلم ولا اتدخل إلا في الدم!
قال الصوت من التليفون:
— مساك بالخير يا أحمد يا ابن الحاج متولي… أظن عرفت صوته مين؟
أحمد رد بثبات رغم التعب:
— عرفتك يا حاج. خير؟
أبو مدحت نطق ببرود يرعب النفوس:
— الخير إنك تعقل. إنت حبست كبيتي، وحبست ابني، وأخدت فلوس المزرعة وشايالها مع مراتك. إحنا لحد الوكت ده بنتعامل معاك كابن عيلة ونسب. بس نسوانا في التخشيبة دي حاجة مش هتنزل من زورنا أبداً. قدامك 24 ساعة يا أحمد… يا إما تنزل النياية بكرة الصبح وتمضي التنازل وتخرج سناء وسمر وتدفع كفالة مدحت من الفلوس اللي معاك… يا إما بكرة زي الوكت ده، مش هتدور على دهب مراتك… هتدور على مراتك نفسها!
التليفون اتعلق في وشنا!
الصوت كان صدى في الأوضة الهادية. أنا جمدت في مكاني، الشربات وقعت من إيدي واتكسرت على الأرض.
أحمد قام وقف على حيله بسرعة، وشه اسود من الغضب، ومسك التليفون وكان هيحدفه في الحيطة، بس مسك نفسه.
بصلي وهو بينهج وصوته طالع زي النار:
— بتهددني بمراتي يا ابن…؟ والله العظيم لأوريك الرجولة على أصولها!
أحمد مسك تليفونه واتصل بالأستاذة نيفين، وقال جملة واحدة بس هزت الشقة:
— أستاذة نيفين… جهزي أوراق القضية كلها. إحنا مش هنستنى الجلسة… إحنا هنرفع قضية حجر، وقضية رد اعتبار، وهنبلغ الأمن الوطني بالتسجيل والتهديد ده الليلة!


